بصرف النظر عن موقفنا من "تصحيح المسار" ومن
إجراءات الرئيس
التونسي يوم 25 تموز/ يوليو 2021، فإن السردية
السياسية للنظام الجديد -أي للنظام القديم المتعامد وظيفيا مع شرعية "التأسيس
الثوري الجديد"- قد أكدت فعلا "سوداوية" عشرية الانتقال
الديمقراطي، لا من جهة المحصول، فهو محصول لا يقارن من جهة الحريات الفردية
والجماعية ومن جهة المكاسب الاجتماعية والاقتصادية بواقع الحال في النظام الجديد،
ولا من جهة العقول، فقد أجبرت توازنات الضعف أغلب الفاعلين على تقديم تنازلات
متبادلة من أجل مأسسة استحقاقات الثورة ولو بطريقة هشة وغير مؤصلة فكريا، بل تأتي
"سوداوية" العشرية من جهة "مصفوفات المشاعر"، أي من جهة
"القلوب" التي لم تكن في أغلبها الأعم متساوقة مع المرحلة التأسيسية وما
تلاها، وكانت كثيرا ما تنفلت بخطابات "لا وظيفية" من منظور الانتقال
الديمقراطية، مثل الدعوة إلى "البيان رقم واحد" أو حتى الدعوة للتدخل
الخارجي، بالإضافة إلى استعمال جمل سياسية أساسها التنافي والصراع الوجودي. وهي
انفلاتات جاء "تصحيح المسار" ليحوّلها إلى سرديات سياسية صريحة أساسها
شرعنة الانقلاب على محصول "العشرية" (في مستوى العلاقة بالسلطة الجديدة)،
والتبرؤ منها بصورة دائمة عند البعض وبصورة مؤقتة عند آخرين (في مستوى العلاقة
بالرأي العام). وفي الحالتين فإن العودة إلى "مربع 24 تموز/ يوليو" -بدستوره
ونظامه السياسي ومركزية حركة النهضة فيه- تظل مرفوضة بصورة أكثر حدة أحيانا من
مربع 25 تموز/ يوليو 2021، على الأقل في بداياته.
قد يعترض علينا معترضٌ بأن الحديث عن القلوب أو مصفوفات
المشاعر هو انحراف عن المحدد الحقيقي للصراع الاجتماعي، أي انحراف عن المصالح
المادية باعتبارها المحدد الأساسي والنهائي لأي صراع مجتمعي. فالمشاعر أو المصالح
الرمزية من هذا المنظور مشروطة بمصالح مادية، وهي تخفي تلك المصالح ولكنها لا يمكن
أن تأخذ مكانها في "التحليل الأخير". ولكنّ أي قراءة موضوعية للمشهد
التونسي تضعنا أمام خيارات لا يمكن فهمها بشبكة القراءة "المادية"، ولا
يمكن عقلنتها إلا بشبكة تفسيرية تضع مصفوفات المشاعر في مركز التحليل.
فإذا نظرنا إلى موقف ما يسمى بـ"الموالاة
النقدية" حزبيا ومدنيا ونقابيا، فإننا لا نستطيع "عقلنة" موقف هذه
الموالاة، سواء من "عشرية الانتقال الديمقراطي" أو من "تصحيح
المسار" إلا باستحضار مصفوفات مشاعر تتداخل في فرضياتها السردية العديد من
"الصور النمطية" ومن أشكال الأمثلة للذات والشيطنة للمخالف، وهي فرضيات
سردية لا يمكن وصفها بـ"العقلانية" أو "البراغماتية"، ولا
يمكن أيضا ربطها بأي مصالح مادية يقينية. فماذا ربحت الأجسام الوسيطة بإنهاء
"الديمقراطية التمثيلية"؟ وهل كان وضعها في عشرية الانتقال الديمقراطي
أقل "سوادا" من وضعها الحالي"؟ وأية مصالح مادية أو رمزية حققتها
في "تصحيح المسار" القائم على إنهاء الحاجة للأجسام الوسيطة ومركزة
السلطة بمنطق "التفويض الشعبي" الكامل والنهائي؟
إذا كانت غاية حركة النهضة منذ الثورة هي الحصول على اعتراف
مبدئي ونهائي بها جزءا قانونيا من الحقل السياسي التونسي، وإذا كانت قد دخلت
"التوافق" مع المنظومة القديمة وحلفائها بمنطق فقهي خفي أساسه "درء
المفاسد مُقدّم على جلب المصالح"، وإذا كانت هذه الحركة قد قدّرت -عن خطأ- أن
"التوافق" بشروط منظومة الاستعمار الداخلي وإملاءاتها هو حتمية تاريخية
أو هو مناط المصلحة العامة، ولا مهرب من "التنازلات المؤلمة" لتجنيب
البلاد مآلات مشابهة لليبيا أو اليمن أو مصر، فإن أغلب "القوى
الديمقراطية" المتخففة من المرجعية/القياسات الدينية الواعية وغير الواعية؛
قد اختارت "التوافق" مع ورثة المنظومة ذاتها لتحقيق غاية أساسية هي
إخراج حركة النهضة من الحكم والمعارضة على حد سواء.
ورغم وجود منطقي استئصال مختلفين عند أغلب مكونات
"العائلة الديمقراطية" -منطق الاستئصال الصلب الذي يهدف إلى تحويل
النهضة إلى ملف أمني-قضائي، ومنطق الاستئصال الناعم الذي يعتبر أن النهضة هي العدو
الأساسي للديمقراطية والإصلاح، ولكنه يكتفي بتحييدها سياسيا وإن كان لا يرفض
تحويلها إلى ملف فساد مالي، فإن هذين المنطقين قد تقاطعا وتحالفا موضوعيا لضرب
"عشرية الانتقال الديمقراطي" والتمهيد لـ"تصحيح المسار"، كما
تقاطعا من جهة المآلات، أي من جهة عدم احتياج السلطة إليهما بحكم فلسفتها السياسية
القائمة على منطق البديل لا على منطق الشريك.
منذ "حملته التفسيرية" لم يخف المرشح الرئاسي قيس
سعيد أن مشروعه يقوم على إلغاء الحاجة للأحزاب، ولم يُخف أنه قد جاء بمشروع سياسي
سيوظف الديمقراطية التمثيلية ليتجاوزها صوب ديمقراطية مباشرة/ مجالسية لا تحتمل
الشراكة واللا مركزية وتعدد السلطات. ونحن هنا لا ننكر أن كل الفاعلين الجماعيين
لم يأخذوا هذا "الخطر الوجودي" مأخذ الجد، فأغلب قواعد النهضة وخصومها
الأيديولوجيين قد اتفقوا على دعم المرشح قيس سعيد، واعتبروا أن مشروعه السياسي
مجرد "طوبى" تفتقد لأي ركائز موضوعية قد تجعل منها تهديدا وجوديا
للديمقراطية التمثيلية. وحتى عندما ساندته أغلب مكونات "العائلة
الديمقراطية" ومهّدت الطريق لإجراءات 25 تموز/ يوليو 2021ن فإنها لم تكن في أكثر سيناريوهاتها كارثية تتوقع ما حصل لها بعد أن استقر
الأمر للنظام الجديد. كانت "مصفوفات المشاعر" تدفع بأغلب
"الديمقراطيين" إلى موازنة "كره النهضة" وشيطنتها بـ"الثقة"
في الرئيس وأمثلته، أي كانت تدفع بها إلى بيع مصالحها المتحققة بمصالح متوقعة أو
مأمولة (البيع نقدا والقبض نسيئةً). فإذا ما نظرنا إلى مكاسب أعداء "العشرية
السوداء" المتحققة (البرلمان، الهيئات الدستورية، الحرية الإعلامية، تغول النقابات..
الخ)، فإننا لا يمكن أن نقارنها بما تحقق من انتظاراتهم من "تصحيح
المسار"، وإذا ما افترضنا أن خيارهم في دعم "تصحيح المسار" هو خيار
يقوم على توقع تحقيق النفع الأكبر في المستوى الفردي أو الجماعي، فإن الواقع قد
أثبت أنه خيار أبعد ما يكون عن المبدئية والبراغماتية لافتقاده أبسط قواعد التوقع
والاستشراف.
لفهم عمق "مصفوفات المشاعر" المتحكمة في أغلب
الفاعلين الجماعيين إلى لحظة كتابة هذا المقال، فإننا سنكتفي بالإشارة إلى رفض
الأغلب الأعم من القوى
المعارضة -بما فيها بعض مكوّنات المعارضة الراديكالية-
العودة إلى مربع 24 تموز/ يوليو 2021 رغم واقع
الاستهداف والتهميش الذي تعيشه. ولا شك عندنا في أن هذا الرفض مردود أساسا إلى
الخوف من عودة حركة النهضة إلى مركز الحقل السياسي، أكثر مما هو مردود إلى عامل
تفسيري آخر. فالمشكلة ليست في الديمقراطية التمثيلية ولا في النظام البرلماني
المعدّل، بل في أن يكون المستفيد الأساسي منهما هو "الخوانجية" على حد
التعبير الأثير عند أغلب "الديمقراطيين". ولذلك فإن مشكلة "الديمقراطيين"
هي مشكلة مزدوجة: لا يريدون ديمقراطية تمثيلية تسيطر عليها النهضة ولو بصورة شكلية،
فالحكم الحقيقي هو للنواة الصلبة لمنظومة الاستعمار الداخلي، ولكنهم لا يريدون
أيضا "تصحيح مسارٍ" لا مكان لهم فيه ولا مكانة.
أما حركة النهضة فإنها هي أيضا تعيش أزمة مزدوجة: هي
مستهدفة نسقيا من هذا النظام ولا أمل لها في "التوافق" معه تحت غطاء
منظومة الاستعمار الداخلي كما كان الشأن مع حركة "نداء تونس" وشقوقها،
وهي تريد العودة إلى مربع 24 تموز/ يوليو 2021 ولكنها تفتقد إلى شركاء وازنين، كما أنها لا تُقدّم للمواطن
ما يجعله يرى هذا الخيار نافعا له ماديا ورمزيا، أي قابلا للتنفيذ بصورة لا تُرجع
البلاد إلى وضعية الصراعات الهوياتية والفساد المالي والأيديولوجي المُمأسسَين.
ختاما، فإن ما حدد موقف أغلب القوى الديمقراطية من
"عشرية الانتقال الديمقراطي" ليس هو انتفاء المصلحة الخاصة أو العامة،
بل ارتباط تحقق تلك المصلحة بـ"الخوانجية" باعتبارهم العدو الوجودي
لأغلب مكوّنات "العائلة الديمقراطية"، كما إن موقفهم من "تصحيح
المسار" لم يكن مبنيا على توقع مصلحة راجحة لهم، بل كان مبنيا على توقع ضرر
راجح لحركة النهضة. ولا شك في أن هذا المنطق السياسي لا يمكن أن يوصف بالعقلاني
ولا بالبراغماتي، بل هو مجرد تجسيد لمكبوتات أيديولوجية لا علاقة لها بالمصلحة،
اللهم إلا إذا كان الأذى الحاصل لعدوهم الوجودي هو "الخير الأعظم" الذي
تهون دونه كل المصالح الفردية والجماعية.
أما حركة النهضة فإنها ما زالت تقدم نفسها باعتبارها عدوا
لواجهة منظومة الاستعمار الداخلي الحالية، لا عدوا لتلك المنظومة في حد ذاتها.
ولذلك فإن العودة إلى مربّع 24 تموز/ يوليو 2021 في أفضل
حالاتها لن تكون إلا إعادة توزيع لأدوار الوكالة عن منظومة الاستعمار الداخلي لا
مشروعا لتحرير الانسان والكيان. ففي تونس، لا يوجد حاليا أي مشروع
"معارض" يطرح على نفسه مواجهة النواة الصلبة لتلك المنظومة في إطار كتلة
تاريخية تتجاوز الأشكال التنظيمية المؤقتة والتكتيكية، وهو ما يجعل من كل أطياف
المعارضة -بعيدا عن ادعاءاتها الذاتية- مجرد مشاريع وكالة تتنافس على كسب ود
النواة الصلبة لمنظومة الحكم ورعاتها الأجانب، من خلال تقييم أنفسها باعتبارها
الأقدر موضوعيا على إعادة إنتاج الشروط البنيوية للتبعية والتخلف، لكن بواجهة
ديمقراطية "صورية" تكون أكثر مقبولية داخليا وخارجيا من النظام الحالي.
x.com/adel_arabi21