لا يبدو أن ما يجري
في
المغرب اليوم، على هامش كأس فأريقيا، مجرّد حدث رياضي عابر. ما يُصنع في المدرّجات،
وفي الشوارع، وعلى ملامح الناس، يتجاوز الكرة والنتائج. ثمة شيء أعمق يتشكّل: شفاءٌ
بطيء لذاكرةٍ مثقلة، وترميمٌ رمزيّ لشرخٍ مغاربيّ قديم، صُنع سياسيا وتوارثناه اجتماعيا.
المغرب لا يحتضن كأس
أفريقيا فقط، بل يحتضننا جميعا. يحتضن جيلا أنهكته الحدود المصطنعة، ويضع نقطة نهاية
-ولو رمزية- لموروثٍ عدائي قسّم المغرب الكبير أكثر مما وحّده.
سنحتاج عقودا لننسى
-إن نسينا- تلك المشاهد التي صنعتها شعوب المغرب الكبير في أحضان المغرب: عنصر أمن
مغربي يُقبّل العلم
الجزائري، مغاربة يشجّعون
تونس بأعداد تفوق أحيانا عدد التونسيين،
ومدرّجات تتصدّع بهتاف: "تونس والمغرب خاوة خاوة".
المغرب لا يحتضن كأس أفريقيا فقط، بل يحتضننا جميعا. يحتضن جيلا أنهكته الحدود المصطنعة، ويضع نقطة نهاية -ولو رمزية- لموروثٍ عدائي قسّم المغرب الكبير
ليست هذه لحظات عاطفية
عابرة، بل شهادات حيّة ستبقى في الذاكرة الجماعية، نواجه بها كل من راهن على تفكيك
وحدتنا، وكل من بنى شرعيته على الخوف من الآخر القريب، لا العدو الحقيقي. فنحن شعوب
مصيرها متصل، نتشارك العِرق والدم، التاريخ والجغرافيا، والآمال كما الآلام.
من المدرّجات إلى
الذاكرة التاريخية
تعيدني هذه الصور،
قسرا، إلى محطة منسية من تاريخنا المشترك: انتفاضة الدار البيضاء سنة 1952، حين اغتالت
سلطات الاستعمار الفرنسي الزعيم النقابي التونسي فرحات حشاد. لم يكن الرد تونسيا فقط،
بل مغاربيا بامتياز. هبّ سكان الدار البيضاء ثائرين، وقرّر زعماء الحركة النقابية في
المغرب خوض إضراب عام تضامنا مع الشعب التونسي في معركته من أجل الانعتاق.
في تلك الأيام، خرج
آلاف العمّال في مظاهرات واجهتها الشرطة الفرنسية بعنف شديد. اقتُحمت الأحياء المغربية،
وسقط مئات القتلى والجرحى. لم تكن الدار البيضاء تدافع عن "قضية خارجية"،
بل عن ذاتها، وعن معركة واحدة ضد استعمار واحد.
تونس والجزائر.. دمٌ
مشترك لا يُمحى
كما تستحضر الذاكرة
مشهدا آخر من التضامن المغاربي، لا يقل كثافة: الدور التونسي في الثورة الجزائرية.
فطيلة سنوات الثورة
الممتدة على ثماني سنوات، مثّلت تونس قاعدة خلفية للثورة الجزائرية؛ احتضنت قياداتها،
ووفّرت لها المال والسلاح، بل والرجال الذين انخرطوا في العمل المسلح داخل التراب الجزائري
ضد القوات الفرنسية.
تشير تقديرات دارسي
التاريخ العسكري إلى أن نحو 80 في المئة من السلاح الذي استُخدم في الثورة الجزائرية
هُرّب عبر الأراضي التونسية. وفي مطلع عام 1957، وُقّع اتفاق بين الحكومة التونسية
وجبهة التحرير الوطني، إثر لقاء انعقد في القاهرة صيف 1956، تضمّن تعهّد تونس بنقل
الأسلحة وتسليمها للثوار الجزائريين.
لم يكن هذا التضامن
بلا ثمن، فقد ارتقى أكثر من 500 شهيد تونسي بين عامي 1955 و1958، وسُجن أكثر من 1200
تونسي.
حين تقول الشعوب ما
عجزت عنه السياسة
حين نضع هذه الذاكرة
الثقيلة بجانب مشاهد اليوم في المغرب، نفهم أن ما يحدث ليس صدفة.
الرياضة هنا ليست
بريئة ولا محايدة؛ إنها وسيط يعيد فتح القنوات المسدودة بين الشعوب، ويُربك السرديات
الرسمية التي غذّت القطيعة لعقود.
شكرا للمغرب، لا لأنه
احتضن كأس أفريقيا فحسب، بل لأنه احتضن جيلا مغاربيا كاملا، وفتح له مساحة آمنة للتعافي
من خطاب القطيعة.
ومن المدرّجات إلى
الذاكرة، يعود الهتاف بسيطا وواضحا: تونس والمغرب والجزائر خاوة خاوة.