كوبنهاغن تلوح بـ"الفأس الدنماركي" بوجه ترامب.. هل توقف نزيف الأراضي التاريخي؟

هل تطلع الدنمارك الرصاصة الأولى باتجاه القوات الأمريكية؟ - AI By Sora
هل تطلع الدنمارك الرصاصة الأولى باتجاه القوات الأمريكية؟ - AI By Sora
شارك الخبر
قالت رئيسة وزراء الدنمارك، مته فريدريكسن، إن بلادها لن تتردد في "استخدام القوة" ضد الولايات المتحدة إذا لجأت إلى القوة العسكرية ضد جزيرة غرينلاند التابعة لها.

ما اللافت في الأمر؟


لا تعتبر الدنمارك بحال من الأحوال ندا عسكريا للولايات المتحدة، رغم أمجادها السابقة في أوروبا، لكن انكسارها في القرن التاسع عشر، حولها من قوة عسكرية غازية إلى بلد "ناعم" يركز على التنمية الداخلية حصرا.

الوضع الراهن 


لا يزال ترامب مصمما على ضم غرينلاند، حربا أو سلما، وأكد في مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض قبل أن يغادر لحضور المنتدى الاقتصادي العالمي، إنه "لن يتراجع".

ورفض ترامب استبعاد الخيار العسكري، قائلا "سنعمل على شيء سيسعد حلف شمال الأطلسي جدا ويسعدنا جدا".

مؤخرا 


الأسبوع الماضي، زار وفد أمريكي يضم 11 عضوا من مجلس الشيوخ، العاصمة الدنماركية كوبنهاغن لبحث التوترات التي أثيرت عقب تصريحات ترامب بشأن غرينلاند.

وجاءت زيارة الوفد الأمريكي برئاسة عضو لجنة ميزانية الدفاع السيناتور الديمقراطي كريس كونز، على خلفية تصريحات ترامب التي قال فيها إن بلاده "بحاجة إلى غرينلاند لأسباب تتعلق بالأمن القومي".

والتقى الوفد خلال الزيارة برئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، ورئيس وزراء غرينلاند ينس-فريدريك نيلسن، وعدد من أعضاء البرلمان.

هل الدنمارك ند لأمريكا؟


بحسب أرقام موقع "غلوبال فاير باور" المتخصص، لا تعتبر الدنمارك ندا للولايات المتحدة بأي حال من الأحوال، حيث تحتل الدنمارك المرتبة 45 من بين 145 دولة، بينما تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى، على مؤشر القوى العالمية.

اظهار أخبار متعلقة



من الناحية السكانية، يبلغ إجمالي عدد سكان الدنمارك حوالي 5.97 مليون نسمة، مقارنةً بـ 341.96 مليون نسمة في الولايات المتحدة، وتضم الدنمارك حوالي 20,000 فرد في الخدمة الفعلية، مدعومين بـ 12,000 جندي احتياطي و51,000 من القوات شبه العسكرية. في المقابل، تحتفظ الولايات المتحدة بأكثر من 1.3 مليون فرد في الخدمة الفعلية وحوالي 799,000 جندي احتياطي.

وفي حين تبلغ ميزانية الدفاع السنوية للدنمارك حوالي 7.23 مليار دولار، تخصص الولايات المتحدة حوالي 895 مليار دولار للدفاع، ويمنح هذا الإنفاق تفوقا أمريكيا، بريا، وبحريا، وجويا، للولايات المتحدة في مواجهة الدنمارك.

هل تفيد الأمجاد السابقة؟


لم تكن الدنمارك هكذا على الدوام، حيث كانت تتمتع بتاريخ فريد؛ فهي الدولة التي شكلت "إمبراطورية شمالية" كانت تثير الرعب في أوروبا، وأحد موائل "الفايكنغ" المقاتلين الشرسين.

قوة الفايكنغ


في القرن الحادي عشر بلغت الدنمارك ذروة قوتها السياسية والعسكرية فيما يعرف تاريخيا بـ"إمبراطورية بحر الشمال"، وهي كيان عابر للبحار لا يقوم على غارات الفايكنغ وحدها بل على حكم منظم وإدارة مركزية. 

الشخصية المحورية في هذه المرحلة كان "الملك كانوت العظيم" الذي نجح في توحيد الدنمارك وإنجلترا والنرويج تحت تاج واحد بين 1016 و1035، مع بسط نفوذ فعلي على طرق التجارة البحرية في بحر الشمال.

كان عهده تجسيدا لتحول الفايكنغ من قوى غزو إلى قوى حكم ملكية وإدارة إمبراطورية.

اتحاد كالمار


في عام 1397 أُعلن اتحاد كالمار بوصفه كيانا سياسيا جمع الدنمارك والنرويج والسويد تحت تاج واحد، وكان ثمرة براعة سياسية قادتها الملكة "مارغريت الأولى" التي أصبحت الحاكم الفعلي ولقبت بـ"سيدة الشمال".

 لم تحكم مارغريت بوصفها ملكة متوجة رسميا على جميع الممالك، لكنها مارست سلطة مركزية قوية انطلقت من الدنمارك، معتمدة على تحالفات النخب وضبط الصراعات الداخلية أكثر من القوة العسكرية المباشرة.

اظهار أخبار متعلقة



أتاح الاتحاد للدنمارك موقع القيادة في العالم الإسكندنافي، وجعل كوبنهاغن مركزا سياسيا واقتصاديا متناميا، واستمر هذا الإطار الوحدوي شكليا لأكثر من قرن رغم التوترات المتكررة، إلى أن انتهى فعليا بانسحاب السويد في أوائل القرن السادس عشر.

بداية التراجع 


بدأ التراجع العسكري للدنمارك في القرنين السادس عشر والسابع عشر لصالح الإعمار والبناء، تبع ذلك صراع مع السويد التي تحولت من شريك في اتحاد كالمار إلى عدو لدود ينافس على سيادة بحر البلطيق وخسرت الدنمارك ثلث أراضيها آنذاك لصالح السويد بموجب معاهدة روسكيلد عام 1658.

بعد التراجع في المنطقة لصالح السويد، نفذ الملك فريدريك الثالث انقلابا أبيض في الدنمارك وحول البلاد إلى ملكية مطلقة استمرت حتى القرن التاسع عشر.

تحالفت الدنمارك في القرن التاسع عشر مع الفرنسي نابليون بونابرت ضد بريطانيا وكانت مقامرة خاسرة حيث دمرت بريطانيا على إثر هذه التحالف الأسطول البحري الدنماركي والموانئ، وبعد هزيمة الحليف الفرنسي اضطرت الدنمارك للتنازل مجددا عن أراض تسيطر عليها وتترك النرويج لصالح السويد بموجب معاهدة كيل.

الانكسار الكبير 


نقطة التحول الحاسمة جاءت في القرن التاسع عشر مع حرب شليسفيغ الثانية عام 1864. 

في تلك الحرب واجهت الدنمارك تحالف بروسيا والنمسا وانتهت بهزيمة قاسية أسفرت عن فقدان دوقيتي شليسفيغ وهولشتاين ولاونبورغ، ما يعني خسارة نحو ثلث أراضي الدولة ونحو ثلث سكانها تقريبا.

شكلت الهزيمة صدمة سياسية ونفسية عميقة في الوعي الدنماركي، وأدت إلى تحول استراتيجي جذري من طموحات التوسع الخارجي إلى التركيز على بناء الدولة من الداخل.

إذا على ماذا تعول الدنمارك؟


طالبت حكومة غرينلاند من حلف شمال الأطلسي "الناتو" الدفاع عنها، وشددت على أنها ترفض مخططات الاستيلاء عليها، متمسكة بالبقاء تحت الحكم الدنماركي.

هل يحارب الناتو نفسه؟


تاريخيا، لم تتحارب دولتان من حلف شمال الأطلسي حربا شاملة معلنة بعد قيام الحلف، لكن وقعت مواجهات عسكرية وخطيرة بين دول أعضاء، وصلت إلى اشتباكات وسقوط قتلى، من دون أن تتحول إلى حرب رسمية.

ولا تمنع العضوية في الحلف الاشتباك بين أعضائه، ولم يحاسب الحلف في تاريخه أي حد من أعضائه، واكتفى بإدارة الأزمات عندما تتصادم مصالح أعضائه.

عقدة المادة الخامسة


لا تُلزم المادة الخامسة الدول الأعضاء بنشر قوات عسكرية في حال تعرض حليف لها للهجوم، بل تُلزمها فقط بنوع من الرد، كما أنها لا توضح ما الذي يترتب على الحلف إذا دخل عضوان فيه في اشتباك عسكري، ومن باب أولى، لن يكون الخيار العسكري متاحا بين الحلفاء.

اظهار أخبار متعلقة



وتنص المادة على أنه: "تتفق الأطراف على أن أي هجوم مسلح ضد واحد أو أكثر منها في أوروبا أو أمريكا الشمالية يُعتبر هجومًا ضدها جميعًا، وبالتالي تتفق على أنه في حال وقوع مثل هذا الهجوم المسلح، فإن كل طرف منها، بموجب حقه في الدفاع عن النفس فرديًا أو جماعيًا المعترف به في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، سيساعد الطرف أو الأطراف التي تعرضت للهجوم، وذلك باتخاذ ما يراه ضروريًا على الفور، بشكل فردي وبالتنسيق مع الأطراف الأخرى، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة، لاستعادة الأمن في منطقة شمال الأطلسي والحفاظ عليه".

ماذا ننتظر؟


خسارة الأراضي ليست أمرا جديدا على الدنمارك، فقد خسرت سابقا ثلاثة مرات، الأولى بموجب معاهدة روسكيلد لصالح السويد، والثانية حين خسرت النرويج لصالح السويد أيضا بعد تحالف خاسر مع فرنسا، والثالثة بخسارة قاسية في مواجهة بروسيا والنمسا ما كلفها ثلث مساحتها.

وقد تصبح غرينلاند قريبا رابع أكبر خسارة للدنمارك لصالح الولايات المتحدة الأمريكية هذه المرة، حيث يصر ترامب على أنه سيدخل غرينلاند، إما فاتحا، أو مشتريا. 
التعليقات (0)

خبر عاجل