متى نؤثر الفعل على الكلام ليتحرك موقعنا
الحضاري الباقي في مكانه منذ قرون؟ وبالتالي متى نكف عن تزويق الكلام ونمنمته،
وصولا لكوننا صرنا نتعمد مدَّ حبال الكلام وتفريعها؛ أو كما يقول العامة
"فتلها" من أجل أن يبرر كلُّ موقفه العام سواء في مصر أو غيرها؟ كانت
هذه من أبرز ثماني نقاط تناولناه في مقال الأسبوع الماضي: "نظرية "النسبية والذرّة" في
حرب أمريكا والكيان على
إيران!"، ورحم الله العلامة الفاضل الشيخ محمد الغزالي إذ يقول:
"إن الأمة الإسلامية تتدحرج من فوق السلم العالمي منذ عدة قرون، ويسمع
لسقوطها دوي رهيب"، ولعله الدوي الرهيب الذي يخلفه سقوط الأمة الحبيبة لقلب
كل مَنْ عرف الحضارة الإسلامية معرفة حقيقية مخلصة. ولعل من أبرز علامات سقوط
الأمة انفراط "طوفان الكلام والمكالم".
ثارت مؤخرا أقاويل تخص أزمة إيران الحالية
وتداخل خيوطها على النحو المعروف، وتدحرج كرة الحرب إلى حيث لا يحب مخلص شريف،
فكانت نهاية مرحلية لمسيرة 13 سنة مضنية من الكلام من جانب طرف من المحللين المصريين؛
مقولة إننا في فتن
نهاية الزمان. ولنجمل ما نريد قوله كما اعتدنا بمثل هذا السياق:
1- إننا في حالة "إسعاف كلامية"
-إن جاز التعبير- فللأسف كلما عبرنا بقارب من مرحلة لأخرى أو لطرف من الرحلة؛ بدأ
البعض مقولة تتبعها أخرى لتوصيف أحوالنا، ولتبرير غياب الأفعال والتزام الأقوال
بطول الخط، والأهم عند كل مرحلة كلامية أن تكون مقنعة لحد ما، وتبرئ الساحة خاصة
المصرية، وتلقي باللوم على الطرف الآخر المعروف الذي لا داعي للاستطراد في وصفه،
ويكفي أننا عشنا حتى 2019م نتغنى من طرف الكثيرين على أنشودة العودة المنتظرة،
فأفقنا على إعدامات لنخبة من الشباب قابلها البعض برفع شعار القصاص، والزغاريد عند
الاستشهاد، وهو قول صائب بالمناسبة لكن عند لقاء العدو الكامل الحقيقي غير المسلم
بداية. والشاهد أننا عندها فوجئنا بموجة انكسار أولى تقول بوجوب تعريفنا بالشهداء
المشنوقين فقد نسينا في منتصف موجة الأقوال التعرف إلى الذين يدفعون الأثمان
"الحقيقية".
2- وللحقيقة فإن المكالم على مدار تلك
السنوات كانت متبادلة بين طرفي الخلاف الأبرز حدة اليوم على الساحة المصرية
والموالين للطرفين في دروب كثيرة من العالم، وهي مساجلة خفتت لحد كبير بداية من
2021م بانشغال طرفيها بما يحدثه الزمان دائما على المعارك ذات السنوات الطويلة من
طارئ أحداث مفصيلة.
3- قصة "حوادث وفتن آخر الزمان"
يضادها -أولا- أن النهاية الطبيعية لكل "حسرة" على الواقع أو
"الحلم الذي لم يؤت أكله" القول بأننا في نهاية الزمان!
4- هذه المقولة عجيبة في انتشارها على الأقل
بيننا كعرب، وهي أعجب في قدرتها على إنهاء الحوارات والجزم بصحتها، فللأمانة لا
يعرف إنسان وعلى رأسه المتحدث متى النهاية أو آخر الزمان، وبالتالي لن يجادل طرفا
آخر أو يفسد عليه الأمر.
5- السؤال المهم هنا: هل المتحدث بأن الحرب
الحالية من "أحداث آخر الزمان" محلل سياسي؟ أم داعية ديني؟ أم كلاهما معا؟
والسؤال محوري وأكثر من مهم، فيكفي ما كان وفات من حديث في "متغير" من
أحداث أو غيرها بـ"جزم" ديني ونعتقد أنه لا داعي للإفاضة.
6- مَنْ قال بأن علامات الساعة الصغرى ظهرت،
وتبعتها بالتالي الكبرى وبالتالي فنحن بين موجبات الأخيرة؟ هو كلام خطير يستتبعه
ما هو أخطر، فإن كان الله تعالى بشر باقتراب الساعة منذ نحو 14 قرنا ونصف القرن
فإن تقدير الزمان غيب إلهي لديه تعالى، وإقحام أمور سياسية في خضم قضية دينية كبرى
فأمر مؤسف.
7- ولنفترض -مجرد افتراض- باقتراب الساعة وأن
الأحداث من علامات بعينها، فما الذي يبنى على هذا والرسول العظيم يأمرنا بأنه إن
قامت الساعة وفي يد أحدنا فسيلة -فرع شجرة صغير- أن يغرسها؟ أي نحن مأمورون بالعمل
البناء حتى إن جاءتنا الساعة، فكيف نفسر الأمر بنقيضه تماما؟
8- فلسفة المقولة الأخيرة تعدت
"المنطقة" و"مصر" التي بدأت المقولات منها، وتجاوزت أمريكا
وأفعالها الظالمة، والنظام الإيراني عدم استساغة أفعاله، والمظلومين في إيران من
عامة الشعب، والحضارة الغربية الآثمة، والصواريخ والطائرات، وغياب
"مشاعل" العقل، و"مشاغل الافتراضات" لغيب كامل لا يعلمه إلا
الله تعالى، وساقتنا لمساحة جديدة تبرئ الساحة الخاصة بنا تماما.
9- القول بعلامات الساعة ونهاية الزمان مريح
جدا -من حيث لا يدري المتحدث والمتحدثون بالتبعية- للأمريكان وهرمجدون وغيرها من
التفاصيل التي لا تصب في صالحنا أبدا، وإلا فكما يتعلل غيرنا بمثل هذا الأمر؛ وفي
نفس السياق نخوض فيه.
10- نحتاج لكلمات مخلصة تحدد لنا طريق الخلاص
مما نحن فيه بمصر، ومما تعاني الأمة؛ شريطة أن تكون الكلمات مقدمة لفعل يناسب
الأخطار.