بين الحقيقيين والعابرين بتاريخ الإصلاح

محمد ثابت
الأناضول
الأناضول
شارك الخبر
منذ أكثر من عشرين عاما أذاعت القناة الأولى من التلفزيون المصري مسلسلا صار مغمورا وسط طوفان الفضائيات لاحقا؛ كان المسلسل من بطولة خالد النبوي واسمه "الرجل"، وهو من تأليف الكاتبة إقبال بركة، وعُرِضَ أوائل الألفية الثالثة. جاءت فكرته بسيطة ومكرورة، سبقها فيلم "المواطن مصري" للراحل عمر الشريف عن قصة ليوسف القعيد. والحكايتان باختصار تقولان بتيمة واحدة هي أن المحارب الحقيقي في عام 1973م توارى عن الأنظار عقبها ليفوز الذين انتهزوا فرصة الانفتاح الذي دشنه صاحب الانتصار، الرئيس الراحل محمد أنور السادات أيضا. قرب نهاية السبعينيات من القرن الماضي، يجيء المسلسل والفيلم إلى سطح الذاكرة مصداقا لتصور أن بعض أعمال فنية لها اعتماد على حقيقة متكررة بالواقع، حتى حينما تتشابه مع مواقف أخرى، وإن تباينت التفاصيل والملامح الهامشية.

تأتي بعض كلماتنا -مهما حرصنا على تهذيبها- كصرخة مفعمة بألم التجربة وأمل التغيير؛ فمهما بالغنا في اختيار الكلمات وتخفيفها، يبقى أنها تعبر عن مواقف لا يرضاه صاحب ضمير ومن قبل دين؛ وإن من كامل الحرص على ما ينفع الناس أن ندق أجراس التحذير والتنبيه لما نرى أن البعض يود لو يستطيل سيرا بليل سواء بمصر أو الأمة بعامة؛ سواء أدرى قيمة ما يفعل أو لم يدر، فهي أمانة كل مخلص شريف يوضحها ويرجو بها المغفرة من خالق الخلائق كأجلّ ما يستطيع أداءه وأنفع ما نراه مفيدا لبلدنا الأول مصر ثم الأمة، وصدق الراحل طاهر أبو فاشا لما قال في ديوانه "راهب الليل":

أطلت في ليلها قيامي    وعشتُ في ضجة الصموت
وضل ركب الورى أمامي   فلا ثبات ولا ثبوت
وكنت أخشى من الكلام   فصرت أخشى من السكوت

1- تبدأ المعارك والثورات في العالم برغبة صادقة في التغيير لدى مخلصين ومواجهة مريرة بينهم وبين آخرين يريدون استبقاء النظم التقليدية؛ إذ يبقي لهم مكاسب مادية ومعنوية مباشرة وغير.. لكن مع طول المواجهة تبدأ المعالم في التراجع، فكثيرٌ ممَّن أكلوا على مائدة النظام المتراجع؛ فإذا نجوا من المحاسبة عند نجاح التغيير في موجته الأولى، أو الانتصار الأولي، فإنهم يفضلون التمتع بما جنوه من حرام سابقا؛ ولكنهم يعززون إنشاء موجة جديدة من المنتفعين المستفيدين بفكرة: "إن الحياة لذة واشتهاء" مقابل شطر بيت شعر الراحل أحمد شوقي الأشهر:

عش دون رأيك في الحياة مكافحا   إن الحياة عقيدة وكفاح

2- يبقى أن مرور الزمان وحده كاف لغربلة الأفكار والأفراد من حامليها والإبقاء على ما ينفع الناس الشرفاء من الثوار، فعقب ذهاب الأكثر إخلاصا لملاقاة ربهم، ثم الإصابة، أو حل ما لا يطيقون من الهموم نتيجة المبارزة مع النظم التي أرادوا زحزحتها، وقبل ذر الزبد من المندسين بليل الثورات في الهواء كريش منتفش يهين بعضه بعضا؛ يعلو أولئك -برغم الجميع- بمعسكر الثورة المفترض النقاء مقابل أراذل النظام.

لذا فأولئك الذين يبقون مع "ميعة" التراجع الأولى للأحداث المفصلية يجدون أنفسهم مع مرور الأيام في موقع المسئولية على طريقة الراحل سمير غانم في "المتزوجون"، المسرحية الأشهر له، إذ إنه يجد نفسه بطلا ومُعجبا به لإنقاذ أحدهم من الغرق لمجرد أن آخر دفعه للبالوعة، دون رغبة من غانم نفسه في إنقاذ أحد أو فعل شيء مفيد، خلد الموقف -إلى حين- إعلامي ما، ضُيِقَ عليه بعد سعة عاشها لسنوات نتيجة للثورة المصرية وتمني استمراره واستخدامه، وعموما فهو مثال لآخرين رفعت الثورة المؤجلة -حتى حين- أسهمهم، وإن حنقوا لضيق مر بهم للحيظات!

3- برغمنا تبقى الفكرة الأشهر لدى كثير من البشر أنهم أتوا للحياة ليهنأوا برغد العيش وأبناؤهم وأحفادهم وهلم جرا ما أمكن وزيادة؛ فإن أمكن تحقق الأمر عبر المبادئ كان "الخير خيرين" كما يقول العامة في مصر، وأولاء أول مَنْ يجنون مكاسب الثورات أو انتكاسها معا، وحبذا لو كانوا يحملون ألقاب "مجاهدين"، "مناضلين" وهلم جرا! وهو ما فطن إليه مولانا الراحل الشيخ محمد الغزالي لما كان يكرر القول بأن أناسا فشلوا في تحصيل الدنيا من أبواب الطغاة؛ فداورا وطرقوها من أبواب الدعاة فأفسدوا ولم يصلحوا!

4- "أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى" (سورة العلق: 14) المُطلع الحقيقي على القلوب والرابط عليها بوقت الأزمات والفتن والملاحم -ما دق منها وما عظم- هو المولى تعالى، خاصة لما نرى أن أبناء رضوا بأن يستمر آباؤهم في كرب عظيم وإخوتهم استُشِهد بعضهم، فيما بعض الأبناء -بحكم التبعية- يعملون باسم الثورة في مواقع لا تناسبهم ولم يكن لهم أن يخطوا عبرها لولا ما ألمّ ببعض أسرهم، وهم يرون مواقعهم حقا لهم. ومن هنا، ومن هذا المثال وكثير جدا غيره، تأتي فتنة الذين هم أولى بهذه المواقع -أيا كانت- من أصحاب الكفاءة!

5- فكرة المحاصصة أو "الكوتة" وإعطاء أهل جانب جغرافي مبتلى نصيبا من عمل ما من جانب تيار إصلاحي أو ثوري.. متى تتم مراجعتها إيثارا للاحتفاظ بما ينفع الناس؟! وهو ما لا نعني به الاستغناء عنهم، ولكن وضعهم مع غيرهم بهذه المناصب مع الاحتكام للكفاءة أولا وأخيرا، ثم توزيعهم -مع غيرهم- بأماكن أخرى احتكاما للكفاءة أيضا!

6- إذا كنا ننتصر لأنفسنا بالتصدي لأغلب المتاح من نفوذ ومنصب وما شابه في وقت الأزمات باسم أننا الأعلى مساهمة من المطلق سراحهم، أو الذين لم يلحقوا بالسجون، وأننا الأعلى صوتا والأكثر قدرة على إنصاف أنفسنا من قبل؛ فلدينا سؤال مرير: لماذا اخترنا المسار الإصلاحي وبالتالي الثوري إذا منذ البداية؟

7- إذا ما كنا حين يتأخر انتصار ثورة أو يتعزز ستنقسم أنفسنا.. كما لو كنا لسنا أهل كفاح أو نضال فكيف من البداية خيل إلينا أننا أهل لانتصار أُولي من البداية؟!

8- نحن كأهل قلم أعز أمانة في الوجود بعد أمانة وراثة الأنبياء، والأمر لا يتعلق بأي كفاح ونضال بل بأمانتي الدنيا والدين؛ فكيف تنزلق أقلام لإيهام الآخرين؛ بل الزج بهم في مزيد من الابتلاءات لتحقيق مكاسب ضئيلة؟!


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل