لا تزال
طريقة إدارة الدولة في
ليبيا تدور في فلك لا يبتعد كثيرا عن إرث النظام السابق،
وإن تبدّلت الوجوه وتغيّرت بعض النسب بفعل التحولات التي شهدتها البلاد بعد
الثورة. فالتوازنات الجديدة التي فرضها الواقع السياسي لم تحدث تحولا حقيقيا في
طريقة التفكير في بناء الدولة، بل أعادت إنتاج المنهج نفسه بصيغ مختلفة.
بعد أكثر
من عقد على الثورة، يبدو واضحا أن المشكلة لم تكن في الأشخاص بقدر ما هي في
العقلية التي تدير الدولة. فما زالت فكرة
المحاصصة حاضرة بقوة، وما زالت إدارة
الشأن العام تقوم على الترضيات وتقاسم النفوذ، لا على بناء مؤسسات راسخة تقوم على
الكفاءة والمصلحة الوطنية.
عقب
الثورة، دخلت الأحزاب الوليدة إلى المشهد السياسي بخبرة محدودة، وسط بيئة شديدة
التعقيد؛ ضغوط وتدخلات دولية وإقليمية، وخصومات داخلية غذّاها
الانقسام بين مؤيد
للثورة ومعارض لها. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لم تستطع تلك الأحزاب -رغم ما
حملته من آمال- أن تبلور مشروعا سياسيا وطنيا جامعا يتطلع إليه الليبيون.
بعد الثورة، ومع تعثر تجربة الأحزاب ودخول البلاد في انقسام سياسي حاد، فقد أعيد تدوير فكرة المحاصصة ولكن بصيغة جهوية أكثر وضوحا
بل إن
الصراع السياسي سرعان ما انزلق إلى حالة من الاستقطاب الحاد، تحوّل فيها الخلاف
السياسي إلى مواجهة صفرية، وتحوّلت الأحزاب إلى أدوات في صراع سياسي وإعلامي قاس،
استُخدمت فيه المؤسسات والتشريعات لتصفية الحسابات مع الخصوم، ووصلت حدّ تبادل
الاتهامات بالإرهاب؛ صراع لم تُقدَّر مآلاته جيدا، وكانت إحدى أخطر نتائجه إضعاف
النسيج الاجتماعي والقبلي الذي ظل لعقود عنصر توازن في المجتمع الليبي.
وقبل ثورة
السابع عشر من فبراير، كان النظام السابق قد رسّخ نمطا واضحا من المحاصصة قائما
على الولاء السياسي. فقد جمع بين شخصيات من جهات مختلفة ومن قبائل متعددة، لكن
معيار الحضور في السلطة لم يكن الكفاءة أو المشروع الوطني، بل مقدار القرب من
النظام ودرجة الولاء له. ومع تغيّر هذا الولاء كانت حصص النفوذ تتبدل؛ فتُقرَّب
شخصيات وتُقصَى أخرى، وتُمنح قبائل وتُهمَّش أخرى، دون أن يُبنى على ذلك مشروع
وطني أو مؤسسات حقيقية قادرة على إدارة الدولة.
وهكذا
تحولت المحاصصة آنذاك إلى أداة لضبط التوازنات السياسية والاجتماعية، لكنها في
الوقت نفسه فتحت أبوابا واسعة للفساد والنهب، وأبقت الدولة في حالة هشاشة مؤسسية
دائمة.
أما بعد
الثورة، ومع تعثر تجربة الأحزاب ودخول البلاد في انقسام سياسي حاد، فقد أعيد تدوير
فكرة المحاصصة ولكن بصيغة جهوية أكثر وضوحا. وقد بدا ذلك في حينه مبررا تحت شعار
جمع الليبيين شرقا وغربا وجنوبا في حكومة شاملة تمثل الجميع. غير أن هذا الخيار لم يتحوّل إلى مدخل لبناء الدولة، بل أصبح في كثير
من الأحيان آلية سهلة لتوزيع النفوذ والمناصب.
ومع تعمق
الانقسام السياسي ظهرت حكومتان، غارقتان في مستويات من
الفساد يصعب وصفها، وأُديرت
مشاريع ضخمة ساهمت في تضخيم الاقتصاد دون إنتاج حقيقي، ما أدى إلى عجز واضح عن
تقديم الخدمات الأساسية وتلبية احتياجات المواطنين.
ليبيا لن تخرج من أزمتها بتبديل الوجوه أو إعادة توزيع الحصص، بل بتغيير العقلية التي تدير الدولة أصلا؛ عقلية المحاصصة والترضيات إلى عقلية الدولة والمؤسسات
والأخطر
من ذلك أن الثقة بين المواطن والدولة بدأت تتآكل بشكل غير مسبوق. فالدينار يتراجع،
والأسعار ترتفع بصورة مرهقة، والخدمات تتدهور، فيما يقف المواطن الليبي مثقلا
بأعباء معيشية متزايدة، يتابع صراع النخب السياسية دون أن يرى أثرا حقيقيا لذلك في
حياته اليومية.
اليوم
نشهد تدويرا جديدا لنظام المحاصصة، لكن بولاءات مختلفة فرضتها التوازنات القائمة.
ففي ظل حكومة الوحدة الوطنية يبرز نمط من المحاصصة الجهوية ذات الطابع القبلي، وهو
مسار لا يبدو أنه سيقود إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة بصيغة أخرى.
إن هذا
النهج، بدل أن يكون مدخلا للإصلاح، قد يتحوّل إلى أحد أكبر عوائقه؛ لأنه يرسّخ
جهوية نفعية ضيقة تسعى إلى تحقيق مكاسبها الخاصة على حساب المصلحة العامة، ويعيد
إنتاج دوائر الفساد والمحسوبية التي عطّلت قيام الدولة لسنوات.
السؤال
الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: من يحكم؟ بل الأهم: كيف تُدار الدولة؟ فليبيا لن
تخرج من أزمتها بتبديل الوجوه أو إعادة توزيع الحصص، بل بتغيير العقلية التي تدير
الدولة أصلا؛ عقلية المحاصصة والترضيات إلى عقلية الدولة والمؤسسات.
وإلى أن
يحدث ذلك، سيظل الليبيون يدورون في الحلقة نفسها، تتبدل فيها العناوين، لكن يبقى
الجوهر كما هو.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.