هل كُتب على الليبيين أن تحكمهم العائلات؟

مصباح بوكرش الورفلي
"ما بُني على القمع يسقط على صخرة الإرادة الشعبية، ولو بعد حين"- جيتي
"ما بُني على القمع يسقط على صخرة الإرادة الشعبية، ولو بعد حين"- جيتي
شارك الخبر
ليس المقام مقام استعراض لتاريخ سياسي طويل تعاقبت فيه الأسر والسلالات على حكم ليبيا، بخاصة في تاريخها الحديث والمعاصر، لكن يكفي أن نشير إلى أن ظاهرة "العائلة الحاكمة" لم تكن طارئة على المشهد الليبي، فمنذ عهد أحمد باشا القرمانلي وبداية الأسرة القرمانلية، مع مطلع القرن الثامن عشر، مرورا بأنماط حكم وراثي بأشكال مختلفة، وصولا إلى نموذج الدولة الجماهيرية بقيادة الأخ العقيد والمفكّر الأوحد معمر القذافي، ظلّ سؤال الدولة المؤسسية مؤجلا، وسؤال التداول السلمي مؤطرا بالخوف أو العسكرة أو الشعارات الكبرى.

المشكلة لم تكن يوما في اسم العائلة بقدر ما كانت في الفكرة ذاتها، فكرة اختزال الوطن في عائلة، واختزال الدولة في إرث، واختزال الشعب في تابع.

حين تتحول البلاد إلى "مزرعة سياسية" تُدار بمنطق الولاء لا بمنطق الكفاءة، يصبح الحكم مشروعا عائليا، بمباركة برلمانية أو ثلّة من المفسدين المنتفعين لا همّ لهم سوى الثراء الفاحش الناتج عن الفساد المستشري وتوزيع صكوك الولاء، وتتحول مؤسسات الدولة إلى أذرع حماية لا أدوات خدمة.

الإشكال الأخطر اليوم ليس فقط في استنساخ النموذج الخشن المهيمن على برقة وفزان، بل في بروز نموذج آخر أكثر دهاء بديكتاتورية ناعمة، تتخفّى وراء شعارات الحرية والعدالة والدولة المدنية، بينما في الواقع تُدار البلاد بعقلية الغنيمة

لقد ارتبطت الديكتاتورية الصلبة في الوعي الليبي بالعسكرتارية، ولغة النار والحديد، والقبضة الأمنية، والاغتيالات، والتغييب القسري، وصناعة الخوف، وتقديس القائد المنقذ.

كانت صورة مباشرة لا لبس فيها؛ ديكتاتورية تعلن نفسها بوضوح، وتفرض بقاءها بالقوة، وتظن أنها خالدة. لكن التاريخ القريب قبل البعيد أثبت أن ما بُني على القمع يسقط على صخرة الإرادة الشعبية، ولو بعد حين.

غير أن الإشكال الأخطر اليوم ليس فقط في استنساخ النموذج الخشن المهيمن على برقة وفزان، بل في بروز نموذج آخر أكثر دهاء بديكتاتورية ناعمة، تتخفّى وراء شعارات الحرية والعدالة والدولة المدنية، بينما في الواقع تُدار البلاد بعقلية الغنيمة، وتُختزل الثورة في مكاسب، وتُستنزف الموارد في شبكات المحاباة والفساد، لا يُرفع السوط عاليا كما في برقة وفزان، بل تُرفع اللافتة البرّاقة، ويُمارس الإقصاء بأدوات قانونية ملتوية، وتُنهب الدولة باسم التمكين.

قد يستغرب المرء! كيف يمكن أن تنشأ أسرة حالمة بالحكم الوراثي بعد أن رأى الليبيون بأم أعينهم النهاية الدامية لتجربة سابقة؟ كيف يُنسى المشهد المرعب بهذه السرعة؟ أهي الذاكرة السياسية القصيرة؟ أم إنها أزمة وعي جمعي لم تُعالج جذورها بعد؟

إن أخطر ما في الأمر أن يتحول الحلم بالحكم العائلي -شرقا كان أم غربا- إلى مشروع معلن أو مضمر، وأن يُسوَّق للناس بوصفه "ضمانة للاستقرار" وكأن الاستقرار لا يتحقق إلا بتوريث السلطة، وكأن الشعب قاصر يحتاج إلى وصاية دائمة. هذه المعادلة المختلّة هي التي تعيد إنتاج الاستبداد، ولو بأقنعة مختلفة.

التاريخ الليبي، كما غيره من تاريخ الشعوب، شاهد على أن الحكم الذي لا يستند إلى رضا الناس ومؤسساتهم إنما يؤجّل سقوطه ولا يمنعه

ليبيا اليوم لا تعاني من فائض عائلات حاكمة، بل من غياب دولة حاكمة بالقانون، الدولة التي يكون فيها المنصب تكليفا لا تشريفا ووصاية، مسؤولية لا ميراثا، عقدا اجتماعيا لا غنيمة حرب.. حين تغيب هذه الفلسفة، تتكاثر المشاريع العائلية، ويُعاد تدوير الاستبداد في صور متعددة.

السؤال إذن ليس: هل قُدِّر على الليبيين أن تحكمهم العائلات؟ بل: هل اختار الليبيون بعدُ أن يحكمهم القانون؟

فالديكتاتورية -مهما تنوّعت أشكالها- معادلة خاسرة. قد تطول، قد تتجذّر، قد تُحسن التمويه، لكنها في النهاية إلى زوال. والتاريخ الليبي، كما غيره من تاريخ الشعوب، شاهد على أن الحكم الذي لا يستند إلى رضا الناس ومؤسساتهم إنما يؤجّل سقوطه ولا يمنعه.

إن التحدي الحقيقي ليس إسقاط عائلة لتحلّ أخرى، ولا استبدال قبضة صلبة بأخرى ناعمة، بل كسر الفكرة ذاتها: فكرة أن الوطن إرث شخصي. وحين تُكسر الفكرة، يسقط الرمز، وتنهض الدولة.
التعليقات (0)