كنتُ من أوائل
المطالبين بالنظام الفيدرالي منذ عام 2012، باعتباره نظاما إداريا سياسيا يمكن أن
يحدّ من مركزية طرابلس، ويقدّم حلا وسطا لتقاسم عادل للثروة، وضمان تمثيل منصف
لأقاليم وشعوب الأمة الليبية، وينهي مظلومية استمرت لعقود، أو هكذا كنت أظن.
في ذلك الوقت،
تشكّلت عديد الأجسام في
برقة، مهد الحراك الفيدرالي، وفي مرحلة مبكرة بعد ثورة
فبراير، لم يكن أولها التكتل الفيدرالي، ولا مجلس إقليم برقة الذي أعلن الإقليم
فيدراليا، ولا المجلس السياسي لإقليم برقة الذي ذهب أبعد من ذلك عبر المقاربة
العسكرية، وشكّل حكومة
فيدرالية وقوة دفاع للإقليم. جميع هذه المحاولات تبنّت
الطرح الفيدرالي بوصفه حلا للمشكل السياسي المتشابك في
ليبيا، على أساس الجزم بأن
جوهر الأزمة يكمن في غياب العدالة الاجتماعية وسوء توزيع الثروة والسلطة. في
المقابل، كانت الدعوات في إقليم فزان خجولة، وشبه منعدمة في إقليم طرابلس.
اتضح أن المشكلة لم تكن يوما في شكل الدولة أو نظام الحكم؛ الفيدرالية لم تعد حلا، لأن جوهر الأزمة ليس توزيع الثروة ولا العدالة الاجتماعية ولا التمثيل السياسي، بل صراع عارٍ على السلطة والنفوذ والمال
آنذاك، لم تُطرح
الفيدرالية كحل سحري أو كاختراع سياسي لمعالجة تراكمات عقود من الفشل، لا منذ
انقلاب معمر القذافي عام 1969 فقط، بل منذ عام 1964، أي منذ إلغاء النظام الاتحادي
الذي وحّد إمارة برقة والجمهورية الطرابلسية وفزان في كيان واحد. الطرح، ببساطة،
كان العودة إلى النقطة التي بدأ فيها الخلل بإلغاء الفيدرالية.
ورغم كل هذه
المحاولات، فإن ما سُمّي بالحراك الفيدرالي، إن صحّ توصيفه، لم ينجح في إقناع
الشارع، وتعرّض إلى حملة تشويه ممنهجة؛ وُصم أنصاره بالعمالة والتخابر والسعي إلى
تقسيم ليبيا، واتُّهموا بالقبلية والجهوية، ووصل الأمر إلى تكفيرهم علنا من مفتي
ليبيا. أثّر هذا الخطاب بقوة في الشارع، خصوصا أن أغلب الوجوه المتصدّرة للحراك في
تلك المرحلة لم تكن مؤهلة سياسيا، بل أزعم أن بعضها كان مخترقا من الأساس.
على كل حال،
اليوم، وبعد مرور كل هذا الزمن، وبعد هذا المخاض الطويل الذي لا يزال مستمرا، وبعد
انقسام شبه كامل لقطاع برقة عن الضفة الغربية، أجد نفسي أمام سؤال: هل ما زلت أرى
أن إعادة النظام الفيدرالي يمكن أن تكون حلا لأمراض ليبيا المزمنة؟
وهنا تذكّرت
اقتباسا كان يردده أعضاء التكتل الفيدرالي، الذين لستُ منهم، على لسان مؤسس التكتل
الراحل خليل المسماري حين قال: "سيزحف الجميع على ركبهم نحو
الفيدرالية، ولكن عندها لن يجدوا شيئا اسمه ليبيا".
يبدو أن هذه
النبوءة تحققت، فليبيا لم تعد موجودة إلا على الخريطة وفي مخيلة الناس. خليفة
حفتر، الذي يحكم ويتحكم في إقليم برقة وأجزاء من فزان، وكان معارضا شرسا
للفيدرالية، بل نكّل بكل من طالب بها في برقة رغم تحالفهم معه فيما سُمّي حربا على
الإرهاب، وهي في جوهرها حرب على السلطة، بات معسكره اليوم أكثر تقبلا لفكرة النظام
الفيدرالي من أي وقت مضى، ليس قناعة، بل كآلية للبقاء في السلطة. المفارقة أن جوقة
أنصاره، الذين كانوا يرون في الفيدرالية خيانة وتقسيما وتخابرا، باتوا اليوم،
وبقدرة قادر، يقدّمونها بوصفها حلا ومخرجا.
وفي الغرب، هناك
في طرابلس، لا أعتقد أن عائلة
الدبيبة ستعارض الفكرة إن ضمنت لها الاستمرار في
الحكم والتشبث بالكراسي، فلا يهمهم شكل الحكم طالما هم في المشهد.
ما حدث لم يكن تفكيكا للمركزية، بل نقلها من طرابلس إلى مكان آخر، لم يكن إنهاء للتهميش، بل إعادة توزيعه، لم يكن كسر الاستبداد، بل إعادة إنتاجه، ونقل الإقصاء من فئة إلى أخرى، ومن فصيل إلى آخر
الناس استُهلكوا
وأنهكتهم طوابير الذل، وتُركوا بلا حلول عملية. ما يُقدَّم لهم ليس سوى جولات حوار
سياسي تعيد إنتاج حكومات فاسدة ومراحل انتقالية تدور في حلقة لا تنتهي. في هذا
الواقع، سقطت كل الفزّاعات؛ لم تعد الفيدرالية، ولا حتى الانفصال، يخيف أحدا. كما
اتضح أن المشكلة لم تكن يوما في شكل الدولة أو نظام الحكم؛ الفيدرالية لم تعد حلا،
لأن جوهر الأزمة ليس توزيع الثروة ولا العدالة الاجتماعية ولا التمثيل السياسي، بل
صراع عارٍ على السلطة والنفوذ والمال. في الشرق، يحكم خليفة حفتر اليوم هو وأبناؤه
ودائرته الضيقة، ويحتكرون المناصب العسكرية والمدنية، وتذهب أموال النفط المهرّب
إلى جيوبهم. وفي الغرب، لا يختلف المشهد كثيرا، سوى في الواجهة؛ بدل النياشين تجد
ربطات العنق.
حجة المركزية
وأسطوانة التهميش لم تعد منطقية أيضا؛ برقة كيان شبه مستقل منذ عام 2014، وكان
لديها حكومة معترف بها دوليا، وجيش كما يُسمّى، وحتى مصرف مركزي في مرحلة ما، دون
أي إنجاز يُذكر. ما حدث لم يكن تفكيكا للمركزية، بل نقلها من طرابلس إلى مكان آخر،
لم يكن إنهاء للتهميش، بل إعادة توزيعه، لم يكن كسر الاستبداد، بل إعادة إنتاجه،
ونقل الإقصاء من فئة إلى أخرى، ومن فصيل إلى آخر.
بعقليتي اليوم،
وفي لحظة تجلٍّ بعد أكثر من اثنتي عشرة سنة على مطالبتي وقناعتي بالفيدرالية، أرى
أنها لم تعد صالحة، ليس لأنها فكرة خاطئة في ذاتها، بل لأن ليبيا التي كنا نعرفها
لم تعد موجودة، المشاكل التي كنا نتجادل حولها تغيّرت جذريا.