قضايا وآراء

لماذا تخاف السلطة من المجتمع المدني في ليبيا؟

علي العسبلي
"في ليبيا، المجتمع المدني ليس فقط ضعيفا ومتصحرا، بل مشتتا، ومنقسما، ويدور في دوامة التخندق والاستقطاب"- الأناضول
"في ليبيا، المجتمع المدني ليس فقط ضعيفا ومتصحرا، بل مشتتا، ومنقسما، ويدور في دوامة التخندق والاستقطاب"- الأناضول
شارك الخبر
سؤال الخوف من المجتمع المدني ليس سؤالا تنظيريا ولا تخيليا، بل هو سؤال وجيه وموجَّه إلى سلطات الأمر الواقع في ليبيا. من يخافون من المجتمع المدني يعرفون جيدا ماذا يعني وجوده الحقيقي، رغم كل ما تعرض له من تشويه، ويعرفون أن حضوره ليس شكليا ولا رمزيا، بل ميزانا يقيس تقدم الدولة، ومؤشرا على استقرارها السياسي والاجتماعي أيضا.

قبل كل شيء، من المهم التوقف عند مسألة مهمة؛ كثير من الناس لا يعرفون أصلا ما هو المجتمع المدني، المصطلح نفسه غامض في الوعي الجمعي، ومشوَّه، ويُقدَّم أحيانا بشكل مستفز، يُختزل في جمعيات، أو مشاريع، أو وجوه شاحبة يتكرر ظهورها في الإعلام، بينما المعنى أبسط من ذلك بكثير؛ المجتمع المدني هو أي فعل جماعي مستقل عن السلطة، ينظم الناس للدفاع عن مصالحهم وحقوقهم خارج منطق الدولة وأجهزتها. وهو، بصيغته هذه، ليس دخيلا ولا مستوردا، بل ممارسة اجتماعية طبيعية.

المجتمع المدني الحقيقي ليس شريكا مطيعا للسلطة، بل طرف مزعج، ناقد، وأحيانا معارض، ويقف دائما على الضفة الأخرى من حيث تقف السلطة. ولهذا بالضبط يُخشى منه

في أي بلد طبيعي، يُقاس التقدم بقدرة المجتمع المدني على العمل بحرية، ليس بعدد الجمعيات المسجلة، ولا بعدد الورش والصور التذكارية، بل بقدرته على المراقبة، وعلى أن يكون مستقلا، وعلى قول "لا" دون أن يخشى دفع ثمن وجوده. المجتمع المدني الحقيقي ليس شريكا مطيعا للسلطة، بل طرف مزعج، ناقد، وأحيانا معارض، ويقف دائما على الضفة الأخرى من حيث تقف السلطة. ولهذا بالضبط يُخشى منه.

في رأيي، الدور الرقابي للمجتمع المدني هو جوهر المشكلة؛ حين يراقب العملية الانتخابية، فهو يحدّ من إمكانية تزويرها، وحين يرصد ويوثق الانتهاكات والجرائم، فهو يكسر احتكار الرواية لصالح السلطة التي غالبا ما تنحاز إلى الجلاد، أو بالأحرى إلى نفسها، وحين ينتقد يفضح الفشل والفساد، وحين يطالب بالإصلاح، يسحب الشرعية الأخلاقية ممن يحكمون بالقوة أو بالخوف. وفي لحظات مفصلية، حين يدعو الناس إلى الخروج، قد يقلب أنظمة كاملة. لذلك، أي سلطة لا تحتمل النقد والتقويم لا يمكنها التعايش مع مجتمع مدني مستقل.

في ليبيا، المجتمع المدني ليس فقط ضعيفا ومتصحرا، بل مشتتا، ومنقسما، ويدور في دوامة التخندق والاستقطاب. شرقا وغربا لا فرق كبير، السياق واحد، رغم الانقسام الذي وصل حتى إلى مفوضية المجتمع المدني، التي انقسمت على نفسها. قبل 2011، لم يكن هناك مجتمع مدني بالمعنى الحقيقي، باستثناء مؤسسات محدودة مرتبطة مباشرة بالنظام القائم آنذاك، إضافة إلى المجتمع الأهلي مثل الكشافة والهلال الأحمر والجمعيات القبلية، التي كانت تعمل داخل منظومة الدولة وتدور في فلك أطروحاتها. بعد الثورة، وُلد مجتمع مدني من العدم، وحدثت طفرة عددية كبيرة، فظهرت آلاف المنظمات والجمعيات والمؤسسات بلا بنية ولا هيكلية، تفتقر للتجربة، وللخبرة، وللحماية. وكان يُفترض أن يُمنح الوقت والمساحة، وقبل ذلك بيئة حاضنة لينمو، لكن ما حدث كان العكس تماما.

السلطات المتعاقبة لم ترَ في المجتمع المدني شريكا في بناء دولة طبيعية، بل تهديدا يجب تحجيمه. فُتح المجال فقط لما لا يزعجها ولا يصطدم معها، مثل التنمية، والبيئة، وحملات التوعية، وأي أنشطة أخرى لا تمس الخطوط الحمراء، أي أنشطة هدفها مساعدة الناس على التكيّف مع الواقع لا تغييره. أما كل ما يقترب من حقوق الإنسان، أو المحاسبة، أو مساءلة الأجهزة الأمنية أو الجماعات المسلحة، فيوضع فورا في خانة الخطر، وتصبح مسألة شراء صوته أو التخلص منه مسألة وقت لا أكثر.

في المقابل، جرى تدجين جزء غير قليل من المجتمع المدني وتحويله إلى أداة. أنشأت السلطات مجتمعا مدنيا موازيا؛ منظمات ومؤسسات أليفة تُدار من وراء الكواليس، وتُموَّل بسخاء لتلميعها وإخفاء فشلها. هذا النموذج هو ما يُعرف بالغونغو (GONGO)، وهي منظمات حكومية بواجهة مدنية، وظيفتها الأساسية والوحيدة ترويج رواية منافسة ومغايرة لتلك التي يقدمها المجتمع المدني المستقل، ونزع الشرعية عن أي صوت متمرد خارج السيطرة، وتقديمها، إلى جانب "المجتمع الأهلي"، على أنها البديل "الوطني" للمجتمع المدني الموصوف بالدخيل.

أما من اختاروا، أو أُجبروا، على العمل في الملفات الحساسة، مثل حقوق الإنسان، والتوثيق، وفضح الانتهاكات، وملفات العدالة والمحاسبة، وحتى من تناولوا ملفات الفساد المالي، فلم يُترك لهم خيار آخر؛ إما الصمت، أو الهروب، أو أن يصنعوا من أنفسهم ضحايا مؤجلين. لذلك ليس صدفة أن كل المنظمات الليبية المستقلة التي تعمل على هذه الملفات تعمل اليوم من الشتات، وليس صدفة أن أغلب النشطاء المستقلين عن أطراف الصراع، والذين لم يُسجنوا أو يُقتلوا، إما في منفى إجباري، أو صمتوا تحت وطأة الترهيب والقمع.

مجتمع مدني قوي يعني دولة لا تُدار بالخوف، وهذا تحديدا ما لا تريده سلطات قامت أصلا على القمع، والترهيب، والإفلات من العقاب

داخل ليبيا اليوم، لم يعد هناك مجال يُذكر للحركة؛ رقابة أمنية مشددة، تخويف ممنهج، حملات اعتقال وتشويه واستهداف، وتهديد مباشر وغير مباشر، تُضاف إلى ذلك قوانين قمعية مفصلة على المقاس، ورأي عام يُشحن ضد المجتمع المدني ونشطائه ومنظماته، باستخدام كل الوسائل، من منابر المساجد والقنوات التلفزيونية، إلى صفحات التواصل الاجتماعي. هيستيريا وفوبيا جماعية من المجتمع المدني، حتى صار يُقدَّم في المخيال الجمعي ككيان استخباراتي معادٍ للوطن ولعادات المجتمع وتقاليده، أو كمروّج للانحلال والمثلية والإلحاد، لا يختلف عن مروجي المؤثرات العقلية.

وربما هنا تقع علينا نحن، كفاعلين في المجتمع المدني، مسؤولية لا يمكن إنكارها، قصّرنا في شرح معنى المجتمع المدني الحقيقي، وفي ربطه بحياة الناس اليومية، وتركنا فراغا استغلته السلطة وأعوانها لتشويهه، وتحويله من أداة لحماية المجتمع إلى أداة تُستخدم ضده.

الخوف من المجتمع المدني، إذن، ليس خوفا على عادات المجتمع المحافظ كما يُدّعى، ولا خوفا على القيم الفضلى، ولا خوفا من المخابرات الأجنبية، بل خوف من الرقابة، ومن أن تصبح السلطة خاضعة للمساءلة، وأن تكون الجرائم موثقة، والانتهاكات مكشوفة، والمسؤولون عنها مفضوحين، والضحايا مسموعين، وبالتالي جناة خلف القضبان. مجتمع مدني قوي يعني دولة لا تُدار بالخوف، وهذا تحديدا ما لا تريده سلطات قامت أصلا على القمع، والترهيب، والإفلات من العقاب.
التعليقات (0)