خرجتُ
في فبراير 2011 كغيري من الشباب الليبيين الذين صدّقوا أن التاريخ يُكتب في
الشوارع؛ كان عمري حينها سبعة عشر عاما، ولم أكن أملك وعيا سياسيا كافيا، ولا تصورا
عميقا للدولة أو لمعنى
الثورة؛ ما كنت أملكه هو غضب صادق وحماس مفرط، وحلم بسيط
أشاركه مع كثيرين: أن يتغير وضع هذا البلد.
كنت
أعتقد أنني واعٍ تمام الوعي بما أفعل، كغيري من الجموع. أبتسم اليوم حين أتذكر تلك
الثقة، كنا نظن أن إسقاط النظام هو انتصار الثورة وآخر فصول قصتها، لم نفهم أن
إسقاط رأس السلطة لا يعني تغيّر العقلية، ولا تفكيك البنية التي صنعت الاستبداد.
نعم،
لقد تغير الوضع، لكنه تغير نحو الأسوأ في كثير من جوانبه؛ انفتح المجال العام، ثم
ضاق تحت سطوة السلاح. سقط الطاغية، فظهر عشرات الطغاة الصغار، فُتحت السجون وتحرّر
من فيها، ولم يمر وقت طويل حتى امتلأت من جديد. اكتشفنا متأخرين أن الثورة ليست
لحظة عاطفية، بل مسار طويل ومضنٍ يحتاج وعيا وتنظيما، ويحتاج قبل ذلك مشروعا واضحا
للبناء.
اكتشفنا متأخرين أن الثورة ليست لحظة عاطفية، بل مسار طويل ومضنٍ يحتاج وعيا وتنظيما، ويحتاج قبل ذلك مشروعا واضحا للبناء
اليوم،
بعد خمسة عشر عاما، نهمس لأنفسنا: أين نحن؟ وأين أهداف فبراير؟ وأين "الثوار"؟
وأين
ليبيا التي حلمنا بها؟ لن تجد شخصين في هذا البلد يجيبانك بالإجابة نفسها،
وربما يكون المكسب الوحيد أننا نستطيع أن نختلف، نختلف حتى في تعريف الثورة نفسها،
فهي لا تزال محل نزاع؛ البعض يراها خلاصا، والبعض يراها خطيئة، والبعض يتعامل معها
كبضاعة موسمية تُستدعى للخطابات والحفلات وصرف الميزانيات.
تحولت
الثورة مع الوقت من مشروع
تغيير إلى منتج جاهز للاستهلاك؛ تُصرف الأموال كل عام
لإحياء ذكراها، بينما لم تُصرف الإرادة نفسها لتحقيق أهدافها في بناء دولة حرة.
ارتُكبت جرائم باسمها أكثر مما فُتحت ملفات للمحاسبة، وسُرقت أموال تحت رايتها
أكثر مما سُرق قبل سقوط النظام، حتى صارت فبراير مظلة واسعة يدخل تحتها الجميع،
وتتسع للشيء ونقيضه، وكلٌّ يحمّلها ما يشاء.
أما "الثوار"،
فالكلمة نفسها أصبحت عبئا ثقيلا؛ عرفنا الثوري والثائر كصفة أخلاقية نبيلة، أما
الثورة فهي لحظة غضب، وبعد انتهاء تلك اللحظة، من يبقى ليس دائما الأصدق، بل
الأقدر على المتاجرة بها. كثيرون ممن حملوا السلاح أو القلم أو رفعوا أصواتهم باسم
الثورة تسلّقوا ووصلوا إلى مواقع سلطة أو نفوذ، وصاروا نسخا مكررة ممن سبقوهم، كأننا
أعدنا إنتاج ما ثرنا عليه، ولكن بأسماء جديدة، لنجد أنفسنا نقف على أنقاض بلد
منقسم ومتشظٍ، عالقين بين ثورة لم تكتمل وثورات مضادة لم تنتصر، بين حلم الدولة
المدنية، وبنادق العسكر، وسكاكين المتطرفين، وربطات عنق الفاسدين.
إن حدثت ثورة أخرى، فلن تشبه المشهد السابق، لن يقودها من عاشوا وهج فبراير، بل جيل جديد تربّى على نتائج الفوضى، جيل أقل رومانسية وأكثر برودة وأشد صرامة في محاسبة الجميع
الأخطر
ليس
الفوضى نفسها، بل فقدان الأمل ويأس الناس من السياسة، ومن شعاراتها، ومن كلمة "ثورة"
ذاتها. كثيرون ممن خرجوا في فبراير صاروا يتحاشون حتى الحديث عنها؛ ليس لأنهم
ندموا على الرغبة في التغيير، بل لأنهم خُذلوا وخاب أملهم في نتائجها.
ومع
ذلك، لا أؤمن بفكرة أن فبراير هي السبب في كل ما حدث، هذا أعدّه تبسيطا مريحا، فالأزمة
أعمق من حدث واحد، نحن نعيش نتائج تراكمات طويلة: ظلم ممنهج، وقمع مركب، ودولة
هشة، ومجتمع مفكك، ومؤسسات منهارة. الثورة كشفت المرض وسهّلت تشخيصه، لكنها لم تكن
وحدها سبب تفاقمه.
هل لا
يزال هناك أمل؟ ليس بالصيغة العاطفية التي عرفناها في 2011، إن حدثت ثورة أخرى،
فلن تشبه المشهد السابق، لن يقودها من عاشوا وهج فبراير، بل جيل جديد تربّى على
نتائج الفوضى، جيل أقل رومانسية وأكثر برودة وأشد صرامة في محاسبة الجميع.
ربما
وصف أنطونيو غرامشي حالتنا بدقة حين قال إن الأزمة تتمثل في أن القديم يحتضر،
والجديد لم يولد بعد، وربما ما نعيشه ليس سوى هذا المخاض الطويل.
لا
أكتب هذه الكلمات لأجل جلد الذات، ولا لتمجيد ماضٍ فات، أكتبها لأن الاعتراف
بالفشل شرط للنضج. الثورة ليست مقدسة، وليست شيطانية كذلك، بل هي مجرد أداة، إن لم
تُلحَق بمشروع واضح لبناء دولة القانون والمؤسسات، تتحول إلى ذكرى سنوية لا أكثر.