احتجاجات إيران والصدى الشعبي العربي

هاني بشر
"ما يحدث في إيران مهما كانت نتائجه إذا استمر في هذا التصاعد لن يبقى أثره داخل حدود إيران، لا سيما إذا أسفر عن تغيير جذري"- جيتي
"ما يحدث في إيران مهما كانت نتائجه إذا استمر في هذا التصاعد لن يبقى أثره داخل حدود إيران، لا سيما إذا أسفر عن تغيير جذري"- جيتي
شارك الخبر
الغضب الشعبي مثل الوباء أو النار في الهشيم، لا يعترف بالجغرافيا أو بالحدود، وهو ينتقل من مكان لآخر أو من دولة لأخرى من دون استئذان. ليس للأمر علاقة بنظريات المؤامرة، وإنما بطبيعة المشاكل وتفاقمها وتأجيل الحلول الجذرية لصالح الحلول القمعية، فتصبح أي صرخة غضب كما لو كانت طوق نجاة. هنا يتحدث العقل الجمعي بلغة الحماس والثورة أكثر من لغة المنطق، كما يصفه جوستاف لوبون في كتابه سيكولوجية الجماهير. والاحتجاجات التي تسود في إيران هذه الأيام ليست استثناء من هذه القاعدة، فما يحدث في إيران مهما كانت نتائجه إذا استمر في هذا التصاعد لن يبقى أثره داخل حدود إيران، لا سيما إذا أسفر عن تغيير جذري.

لقد اهتز العالم العربي من المحيط إلى الخليج بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران في الإطاحة بنظام الشاه قبل أكثر من أربعة عقود عام 1979، ونشأت تحالفات جديدة منبعها طهران؛ ليس أولها حزب الله وحركة أنصار الله الحوثيين. نعم إيران تختلف عن الدول العربية في اللغة والمذهب والقومية، لكنها تشترك في الجوار الجغرافي والدين والتاريخ، وهذا يكفي لأن تكون جزءا من حاضر التحولات الإقليمية التي تموج بها الدول العربية. والعكس أيضا صحيح، فما يحدث في إيران يؤثر بشكل مباشر وغير مباشر على الدول العربية.

أذكر أن كثيرا من الصحفيين العرب لم يعرفوا منصة تويتر ويفتحوا حسابات عليها إلا عام 2009، عن طريق أخبار ما كان يعرف بالحركة الخضراء في تلك الفترة احتجاجا على اتهامات بتزوير الانتخابات، وكانت منصة تويتر هي أداة التواصل والحشد والتعبير الرأي حينئذ في إيران. ولا نريد أن نبالغ إذا قلنا إنها كانت تجربة إقليمية طبيعية لما سيحدث في الدول العربية بعدها بأقل من عامين في الثورات العربية عام 2011، ودور وسائل التواصل الاجتماعي فيها.

هل تدرك الولايات المتحدة أن نجاح الاحتجاجات في إيران سيشكل سابقة إقليمية حديثة قد تتكرر في دول أخرى؟ أم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كالعادة يرفع سقف مطالبة بشكل حاد ليحصل من طهران على تنازلات مؤلمة؟

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي حاليا تقوم بالدور نفسه في الحشد والغضب، وقد تنبهت كافة الدول العربية لخطورتها فجعلتها ملفا أمنيا حساسا وليس مجرد ملف إعلامي. لكن هذه الوسائل في نهاية الأمر هي مجرد أداة للتعبير عن شحنات الغضب المتفاعل، وهنا تروج عدد من وسائل الإعلام المدعومة من الحكومات العربية أن الثورات العربية كان من الممكن أن تكون زوبعة في فنجان وينتهي أمرها لولا انحياز إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما لها. وهذا كلام غير صحيح، فالولايات المتحدة كالعادة تنحاز للطرف الذي يغلب على ظنها أن كفته في طريقها إلى الترجيح، وهي في هذه الحالة وفي حالات مماثلة تنطلق من منطلقات مصلحية أكثر منها منطلقات مبادئ.

ومن هنا فإن المرامي النهائية للموقف الأمريكي الحالي من الاحتجاجات في إيران غير واضح، فهل تدرك الولايات المتحدة أن نجاح الاحتجاجات في إيران سيشكل سابقة إقليمية حديثة قد تتكرر في دول أخرى؟ أم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كالعادة يرفع سقف مطالبة بشكل حاد ليحصل من طهران على تنازلات مؤلمة؟ والأمر برمته لا يزال في طور ضغوط المفاوضات المتعثرة، خاصة إذا عرفنا أن البيت الأبيض تعامل بإيجابية مع مبادرة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في عقد لقاء رئاسي ثلاثي يجمعه مع الرئيس الإيراني مسعود بازيشكان والأمريكي دونالد ترامب.

المثير في هذه الاحتجاجات هو دخول رضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق، على الخط مطالبا بقصف إيران. ويقدم بهلوي المقيم في الولايات المتحدة نفسه كبديل للنظام القائم ويطرح خيار عودته للبلاد لقيادة ما وصفها بالحكومة الديمقراطية. وهنا تبرز أسئلة مصيرية جديدة وغير مسبوقة حول طبيعة هذه الاحتجاجات التي تصفها الصحافة الغربية بغير المسبوقة في البلاد منذ عام 1979.

x.com/HanyBeshr
التعليقات (0)