إسرائيل وإيران: لماذا لا ترغب تل أبيب في سقوط النظام الذي تعاديه؟

فادي جمعة
"إيران ضعيفة، ومحاصَرة، ومتصادمة مع محيطها، هو سيناريو يمكن احتواؤه وتوظيفه"- جيتي
"إيران ضعيفة، ومحاصَرة، ومتصادمة مع محيطها، هو سيناريو يمكن احتواؤه وتوظيفه"- جيتي
شارك الخبر
يبدو للوهلة الأولى أن إسرائيل ستكون أول المرحّبين بسقوط النظام الإيراني، بالنظر إلى الخطاب العدائي المتبادل، والتهديدات المتكررة، والصراع المفتوح في أكثر من ساحة إقليمية. غير أن قراءة أعمق لطبيعة السلوك الإسرائيلي، ولمنطق إدارتها للصراعات، تكشف مفارقة لافتة: إسرائيل لا تسعى فعليا إلى إسقاط النظام الإيراني، بل إلى إبقائه ضمن حدود الخطر المُدار.

ففي السياسة الإسرائيلية، لا يُقاس الخصم فقط بما يقوله، بل بما يؤديه من وظيفة داخل المعادلة الإقليمية. والنظام الإيراني الحالي، رغم عدائه المعلن، يؤدي دورا مركزيا في توازنات المنطقة، يخدم إسرائيل أكثر مما يضرّها، طالما بقي محاصرا، ومتصادما، وغير قادر على التحول إلى دولة طبيعية مستقرة ومنفتحة.

تُقدَّم إيران في الخطاب الإسرائيلي بوصفها "التهديد الوجودي الأكبر"، وهي صورة لم تتشكّل فقط بفعل القدرات الإيرانية، بل لأنها تُستخدم بفاعلية لتبرير سياسات إسرائيل

منذ سنوات، تُقدَّم إيران في الخطاب الإسرائيلي بوصفها "التهديد الوجودي الأكبر"، وهي صورة لم تتشكّل فقط بفعل القدرات الإيرانية، بل لأنها تُستخدم بفاعلية لتبرير سياسات إسرائيل الأمنية والعسكرية، وتعزيز موقعها بوصفها لاعبا لا غنى عنه في منظومة غربية تبحث دائما عن من يؤدي عنها أدوار المواجهة في الشرق الأوسط.

فوجود عدو إقليمي كبير، أيديولوجي ومعلن العداء، يسمح لإسرائيل بالحفاظ على أعلى درجات العسكرة، وبتحصيل دعم غربي شبه مطلق، وبصرف الأنظار عن جوهر الصراع في فلسطين. في هذا السياق، تتحول إسرائيل من دولة تخضع للمساءلة بسبب احتلالها واستيطانها، إلى دولة تؤدي وظيفة "الحماية" و"الردع" في مواجهة خطر أكبر يُقدَّم بوصفه تهديدا للنظام الدولي ذاته.

هنا، لا يصبح النظام الإيراني مجرد خصم، بل عنصرا وظيفيا في سردية إسرائيل السياسية. خصم يمكن التلويح به باستمرار، واستخدامه لتثبيت الموقع والدور، دون الحاجة إلى حسم الصراع معه. أما سقوط هذا النظام، فيفتح بابا على مستقبل غير مضمون، لا تعرف إسرائيل كيف ستتعامل معه، ولا كيف ستعيد تعريف دورها في غيابه.

فإسرائيل لا تخشى إيران كدولة فقط، بل تخشى البديل المحتمل للنظام القائم. ماذا لو أفرز السقوط نظاما أقل أيديولوجية، وأكثر براغماتية، وقادرا على إعادة الاندماج في النظام الدولي؟ ماذا لو تحولت إيران إلى دولة مستقرة اقتصاديا، منفتحة سياسيا، وقادرة على بناء نفوذها بهدوء، لا عبر الصدام؟ مثل هذا السيناريو قد يُضعف كثيرا من المبررات التي تستند إليها إسرائيل لتقديم نفسها كضرورة استراتيجية، ويعيد تسليط الضوء على الاحتلال والاستيطان باعتبارهما جوهر التوتر في المنطقة.

لهذا، تفضّل إسرائيل سياسة تقوم على إضعاف إيران دون إسقاطها. نراها تضرب المشروع النووي، وتستهدف الأذرع العسكرية في الإقليم، وتخوض حربا استخباراتية طويلة الأمد، لكنها في الوقت نفسه تتجنب حربا شاملة قد تفضي إلى انهيار النظام، أو إلى فوضى إقليمية يصعب التحكم بمساراتها.

سقوط هذا النظام، فقد يُربك هذه المعادلة، ويُسقط ذريعة مركزية استُخدمت لتسويق التطبيع، ولتقديم إسرائيل كعنصر استقرار في مواجهة "فوضى محتملة"

كما أن بقاء النظام الإيراني، بصورته الحالية، وفّر لإسرائيل مدخلا لإعادة ترتيب علاقاتها الإقليمية، خصوصا مع عدد من الدول العربية. فـ"الخطر الإيراني" تحوّل إلى مبرر جاهز لبناء تحالفات جديدة، وتقديم إسرائيل بوصفها شريكا أمنيا، لا خصما سياسيا، في عملية أعادت تعريف مصادر التهديد في المنطقة، ودفعت بالقضية الفلسطينية إلى هامش المشهد.

أما سقوط هذا النظام، فقد يُربك هذه المعادلة، ويُسقط ذريعة مركزية استُخدمت لتسويق التطبيع، ولتقديم إسرائيل كعنصر استقرار في مواجهة "فوضى محتملة"، وهو ما يجعل إسرائيل أكثر حذرا في التعامل مع فكرة الانهيار الكامل للنظام الإيراني.

في المحصلة، لا تنطلق السياسة الإسرائيلية من منطق إسقاط الخصوم بقدر ما تنطلق من منطق إدارة التهديدات. فإيران ضعيفة، ومحاصَرة، ومتصادمة مع محيطها، هو سيناريو يمكن احتواؤه وتوظيفه. أما إيران مختلفة، مهما كانت طبيعتها، فهي معادلة مفتوحة قد تُربك الحسابات، وتُعيد طرح أسئلة لا ترغب إسرائيل في مواجهتها اليوم.

لهذا، لا يبدو أن إسرائيل تسعى إلى نهاية الصراع مع إيران، بل إلى استمراره ضمن سقف مضبوط، يسمح لها بتوظيفه سياسيا وأمنيا، دون أن ينقلب إلى واقع جديد يصعب التحكم به. وفي الشرق الأوسط، كما تُظهر التجربة مرارا، لا يُخشى العدو دائما بقدر ما يُخشى زوال دوره في المعادلة.
التعليقات (0)

خبر عاجل