تتشكل
الأحلاف العسكرية تحت ضغوط التهديدات الكبرى، فنشأة حلف شمال الأطلسي كان بعد
الحرب العالمية الثانية في مواجهة الاتحاد السوفييتي، وهذا الأخير رد بدوره على
هذا الحلف بتأسيس حلف وارسو بعد سنوات. وهي تطبيق عملي لنظرية التحدي والاستجابة
للمؤرخ البريطاني الشهير أرنولد توينبي التي صكها في موسوعته "دراسة
التاريخ"، وتعني أنه حين تواجه جماعة بشرية تحديا كبيرا مثل غزو عسكري مثلا
وتنجح في ابتكار وسائل للتصدي له، فإنها إذا نجحت في ذلك لا تنجو وحسب، بل تؤسس
حضارة.
وقد
وجدنا أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على إيران كانت تحديا صعبا للدول
العربية لا سيما الدول الخليجية، فأفرز هذا ما يمكن أن أسميه محاولات محمومة
للنجاة تمخضت عن
تحالف بين محور سني مكون من
مصر، وتركيا، وباكستان، والسعودية،
وهو تحالف فرضته ضغوط الأمر الواقع أكثر من الأمنيات والمصالح السياسية
والاقتصادية قصيرة أو متوسطة المدى.
وجدنا أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على إيران كانت تحديا صعبا للدول العربية لا سيما الدول الخليجية، فأفرز هذا ما يمكن أن أسميه محاولات محمومة للنجاة تمخضت عن تحالف بين محور سني
أثمر هذا التحالف حتى الآن عن تحقيق اختراق
دبلوماسي تمثل في وقف لإطلاق النار وبدء مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في
إسلام آباد، يتزامن ذلك مع وصول قوات
باكستانية إلى العاصمة الرياض تطبيقا
لاتفاقية الدفاع المشترك الموقعة قبل أشهر قليلة بين البلدين.
دفعت
مآلات الحرب على إيران ومخاطرها المحتملة في حال استمراها هذه الدول الأربع إلى
تجاوز أية خلافات والتنسيق العلني فيما بينها، واتخاذ خطوات عملية تشير بلا شك إلى
إطار للتعاون الدفاعي والدبلوماسي يتحرك بسرعة وبفاعلية. وهناك عوامل قوة تبشر
بمستقبل لهذا التحالف الجديد رغم التحديات الجسام التي تواجهه، فمن عوامل قوة
التحالف السني الجديد: أولا هو أن مجال التعاون الدفاعي أحد أوجه التعاون الأمني بين
الدول، وهو ملف سري تضيق فيه مساحات الخلافات الدولية على عكس الملف السياسي
والاقتصادي. فعلى سبيل المثال، أنجح مجلس ضمن هيكل جامعة الدول العربية هو مجلس
وزراء الداخلية العرب الذي بزغت فكرته عام 1977 في القاهرة وانتقل مقره إلى تونس
ولا يزال هناك، ولم يُعرف أي خلاف عربي-عربي على صعيد التعاون الأمني. وبالتالي
فإن مجال التعاون الدفاعي والعسكري عادة لا يشهد خلافات بين دول مثل
تركيا، ومصر،
والسعودية، وباكستان.
وثانيا،
فإن العلاقات العسكرية الثنائية بين دول هذا التحالف شهدت تطورا ملحوظا خلال
السنوات الماضية قبل شن إسرائيل والولايات المتحدة الحرب على إيران، سواء بين مصر
وتركيا من جهة أو بين
السعودية وباكستان من جهة أخرى. وثالثا، فإن ثلاثا من هذه
الدول لديها علاقات متميزة مع طهران ولم تقف بوضوح ضدها في الحرب الأمريكية
الإسرائيلية ضدها، مما يعني أنها تستطيع كبح جماح أية نزوات عسكرية لطهران الجريحة
من دون الدخول في اشتباك عسكري معها.
أما
أبرز التحديات لهذا التحالف فهو أن البيئة السياسية في هذه الدول الأربع شديدة
التغير وليست ثابتة، فثلاث من هذه الدول (مصر وباكستان وتركيا) لديها تاريخ طويل
مع الانقلابات العسكرية ودور طموح للجيش في العملية السياسية،
التسليح في هذه الدول هو تسليح أمريكي بشكل رئيس، رغم محاولة دول مثل تركيا ومصر لتنويع مصادر التسلح. كما أنها جميعا جزء من التحالف الغربي ولديها علاقات تصل لمستوى الشركات مع الولايات المتحدة
بغض النظر عن مدى
نجاح الجيش في هذا الأمر في الوقت الحالي.. بالإضافة لذلك فإن دول التحالف الأربع
ليس لديها آلية عسكرية لمناصرة القضية الفلسطينية، فلا تزال أسيرة للإرادة الدولية
التي تجرم المقاومة رغم ما تبذله بعض هذه الدول على صعيد الدعم السياسي مثل تركيا
أو جهود الوساطة مثل مصر، وهذا يترك فراغا لنصرة القضية الفلسطينية بشكل عسكري
وملموس تتفنن طهران في سده.
ومن
هذه التحديات أيضا أن التسليح في هذه الدول هو تسليح أمريكي بشكل رئيس، رغم محاولة
دول مثل تركيا ومصر لتنويع مصادر التسلح. كما أنها جميعا جزء من التحالف الغربي
ولديها علاقات تصل لمستوى الشركات مع الولايات المتحدة، أي أن هامش المناورة
العسكرية لديه مهما اتسع سيظل رهنا بعدم معارضة واشنطن.
هذا
التحالف السني ليس اصطفافا مذهبيا، فباكستان والسعودية لديهما أقلية شيعية، بقدر
ما هو محاولة للنجاة الجماعية من مخاطر أمنية كبرى تحيق بالعالم العربي والإسلامي
في الشرق الأوسط؛ وصلت إلى صدام عسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة
وإيران من جهة أخرى، والمعادلة الدفاعية لكلا الفريقين المتحاربين لا ترى في الدول
العربية سوى ساحة للمعارك لا أكثر ولا أقل، كما بدا خلال الشهر الماضي.
x.com/HanyBeshr
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.