أثناء
إنتاجي لفيلم "ضد
الحرب" عن نشاط جماعات مناهضة الحرب في بريطانيا قبل
سنوات، لفت نظري جمعيات مناهضة
المسيرات الحربية أو الطائرات بدون طيار والتي لم
تكن ذائعة الانتشار في الحروب مثلما هو الحال اليوم. وحين استفسرت عن جدوى التركيز
على مكافحة هذه الوسيلة العسكرية تحديدا، قال لي النشطاء البريطانيون وقتها أن
قرار القتل للمدنيين حين يتخذه شخص في غرفة تحكم بعيدا عن ميدان القتال، يختلف عن
قرار القتل حين يتخذه الطيار البشري وهو وسط المعركة؛ ففي الحالة الثانية من
المحتمل أن تتدخل عوامل إنسانية تغير من القرار.
تذكرت
هذا الموقف ونحن نقرأ يوميا عن تطورات الحروب باستخدام الذكاء الصناعي، خاصة في
الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على
إيران، لأنه يبدو أن تخوف هؤلاء النشطاء
أصبح الآن أمرا واقعا وأشد شراسة. فدور العنصر البشري في عمليات القتل خلال الحروب
تقلص إلى درجة أنه قد يختفي في بعض الأحيان بالكلية، والذكاء الصناعي هو من يختار
الأهداف، وهو الأمر الذي أشعل موجة من الجدل في الولايات المتحدة حول دور الذكاء
الصناعي في العمليات العسكرية.
دور العنصر البشري في عمليات القتل خلال الحروب تقلص إلى درجة أنه قد يختفي في بعض الأحيان بالكلية، والذكاء الصناعي هو من يختار الأهداف، وهو الأمر الذي أشعل موجة من الجدل في الولايات المتحدة حول دور الذكاء الصناعي في العمليات العسكرية
لا
يزال هذا الجدل قائما خاصة منذ الغارة الأمريكية التي استهدفت مدرسة الشجرة الطيبة
الابتدائية جنوبي إيران في آذار/ مارس الماضي 2026 وأسفرت عن مقتل 175 شخصا معظمهم
من الأطفال. وتوجهت أصابع الاتهام في البداية إلى الذكاء الصناعي قبل تكشف صحيفة
الغارديان البريطانية في تحقيق لها أن الجيش الأمريكي ارتكب خطأ استراتيجيا قاتلا
تسبب في هذا الكبير من القتلى، أي أن قرار القتل لم يكن في يد الروبوت بنسبة 100
في المائة.
في
مثل هذه الحالات فإن دماء الأبرياء سواء أطفال هذه المدرسة أو غيرهم في هذه الحرب
أو أية حرب أخرى؛ بدأت تتفرق بسبب دور العنصر البشري الذي أخذ في التواري خلف
برمجيات الذكاء الصناعي. وهذه كارثة كبرى تبدأ أول خطوات إفلات الجناة من العقاب
وتبيح ارتكاب المجازر من دون رقيب أو حسيب.
قد
يبدو الأمر أننا أمام معضلة تحتاج إلى تشريع قانوني لحلها، غير أنه لفت نظري فكرة
الكاتب سام ليكاردو في مقاله الأخير في صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية لمعالجة هذا
المشكلة؛ إذ يرى أن الممارسة التقنية الممتدة والمتشعبة لتطبيقات الذكاء الصناعي
لا تحتاج إلى ما وصفه بالمنظم التقليدي، بقدر ما تحتاج إلى حَكَم يوجه السلوك لهذه
الصناعة ويحافظ على معايير السلامة والأمان، لأن التشريع التقليدي يمكن التحايل
والالتفاف عليه، أضف إلى هذا تحدي التطور الرهيب واليومي في أشكال وتطبيقات الذكاء
الاصطناعي ومجالات استخدامها.
وما
يقترحه هو استراتيجية سلوك نحو القمة بدلا من الامتثال للقوانين التي من السهل
اختراقها، بحيث يكون هناك نموذج أكثر مرونة من القوانين الثابتة لأنه يتطور مع
تطور التكنولوجيا، وفي الوقت نفسه لا يحد من التطور التقني الحتمي ويستفيد منه.
وبناء
على فكرة ليكاردو أتصور أن الأمر أشبه ما يكون بالطعام والغذاء، فليست هناك درجة
رقابة كاملة وشاملة على كل المنتجات الغذائية، ولكن هناك معايير لسلامة الغذاء
منها نظام الأيزو الدولي والأنظمة الإقليمية المختلفة. وهي أنظمة تطورت مع الزمن
بحيث تدمج بين أفضل الخيارات الصحية والعلمية والحوافز لمنتجي ومصنعي الغذاء مع
التدريب المستمر على آليات عملها.
لقد
كان السياسي الروسي الشهير ليون تروتسكي يقول إن الحرب هي قاطرة التاريخ، ويبدو أن
الحروب الحالية ستفرز لنا أطرا جديدة للتعامل مع الذكاء الصناعي الذي غزا كل مناحي
الحياة.
x.com/HanyBeshr
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.