عن الذين ينتصرون في كل المعارك!

محمد ثابت
"مهنة الكتابة من أسمى المهن التاريخية"- الأناضول
"مهنة الكتابة من أسمى المهن التاريخية"- الأناضول
شارك الخبر
كنتُ من الذين شاهدوا ندوات قليلة للراحل الكاتب والقاص يوسف إدريس في معرض القاهرة الدولي للكتاب أواخر الثمانينات قبيل وفاته -رحمه الله - وهو رجل نختلف أو نتفق معه، فقد كان يحمل درجة من درجات التفكير "القابل للتفكير" إن جاز التعبير؛ مع أناقة في المظهر واللغة. ومما لفت النظر حول كلماته في إحدى الندوات هجوم الشباب الحاد عليه وقتها، وردوده المُفحمة؛ برغم فجائية الأسئلة وتعمد انتقاء الكاتب الراحل سمير سرحان -رئيس الهيئة العامة للكتاب والمشرف على المعرض حينها - للأسئلة التي ظن أن إدريس سيسكت عنها؛ أو حتى يبتسم راغبا في تمريرها، وكان من تلك "العينة" سؤال مفخخ ما زلتُ أذكره؛ ومن إعجاب سرحان بالسائل طلب منه القيام ليتأكد إدريس من أنه لم "يدس" السؤال عليه، فقام شاب يرتدي الجينز وبلوفر قرمزي مبتسما؛ أما السؤال: متى ستكف عن افتعال المعارك مع المبدعين -إشارة للخلاف الأبرز مع الراحل نجيب محفوظ عقب نوبل- مرورا بكُتَّاب العمود الصحفي اليومي؟ فإن الأخيرين يقولون ببساطة إنك تحسدهم لأنك لا تجد مكانهم!

كان إدريس كاتبا لمقال أسبوعي في "الأهرام"، على أغلب صفحة بالإضافة لروايات مسلسلة نشرتها الصحف اليومية في حياته منذ الستينيات مع كونه طبيبا معتزلا، وإن غلبت عليه كتابة القصة القصيرة.. أما رده فجاء صاروخيا صفقت له القاعة الرئيسة للمعرض طويلا، إذ خاطب الشاب السائل طالبا منه الاستمرار بالوقوف وهز الرأس إن أعجبه الرد الذي كان: "بذمتك أنت، أفلا تقرأ من جراء الكتابة اليومية ما يشبه إعادة الطعام بعد بلعه"، وكان أن استخدم الرجل الكلمة المصرية الدارجة، ولكن جمهور الثمانينات أعجبه الرد، ولا ندري ماذا كانوا سيفعلون لو كان الكلام اليوم على الصحف الحكومية المصرية؟!

تناولنا في الأسبوع الماضي قدرة البعض على استساغة الأحداث المؤسفة التي تتعرض مصر والأمة إليها، بل إراحة القارئ تماما بإفهامه أن تيارا بعينه منتصر رغم ما يبدو على الساحة من مخالفة للواقع لما يقوله، ولنجمل -كالعادة المتبعة خاصة مؤخرا بمقالاتنا-:

1- كان الراحل إدريس يتحدث عن مخالفة كُتّاب في الثمانينات لجديد "الكلمة"؛ فبمجرد وضعه القلم على الورقة والكتابة يأتي عموده يوميا برتابة هزلية.

ولم يكن إدريس في موقفنا الحالي، ولم يكن يعني -في المقام الأول- المصداقية، و"أمانة الكلمة" التي يجب أن نتحراها وتكون روح كلماتنا؛ بل تكون أمرا مفروغا منه، لا يستحق -لعظمه- أن يذكرَ؛ فإن الكاتب الحر المناضل يجب أن يتحرى أمانة ومسئولية الكلمة في هذه الآونة الحرجة من مسيرة الأمة، وإن كلمته يجب أن تصنع فارقا يشعر القارئ بأنه أفضل فهما ورغبة في العمل لازدهار الأمة بعد قراءتها؛ لا مجرد الجديد.. بل جديد الكلمة شكلا ومضمونا.

2- ومن أمانة الكلمة ما ينسب لأبي العلاء المعري -رحمه الله-:

الخَطُّ يَبْقَى زَمَانا بَعْدَ كَاتِبِهِ   وَكَاتِبُ الخَطِّ تَحْتَ الأَرْضِ مَدْفُونا

فهل سيسعد مئات الكُتَّاب أن يذكرهم أحد بـ"النصر" الذي تحدثوا عنه لسنوات منذ 2013م حتى نحو 2019م، وكيف أن "المعركة صفرية" والعياذ بالله مع مؤسسة مصرية؛ وأن كل الأساليب متاحة، وهي المقالات المنشورة، أو التي غزت وقتها مواقع التواصل، ووضعت "صاحب الدين" المُختلَف معه من أبناء الوطن مع غيره، ومع الاعتبار لعظم الاختلاف ومرارته، ولكن كيف يستوي هذا بذياك؟!

ومن الطريف أن أحد أولاء تفضل منذ سنوات قليلة بمحو صفحته في أحد مواقع التواصل كاملة وإنشاء أخرى، إيذانا بعدم الاعتراف بما قاله من قبل دون مجرد اعتذار، أو حتى مجرد تلميح لتغيير بأفكاره!

3- كيف نقف أمام الله تعالى ونحن قلنا بما جمَّل الواقع؛ وجعل مئات الشباب يذهبون خلف الأسوار، وآخرين توفاهم الله، وطرف أُصيب، أو طُرد من وظيفته؟ ثم لم نعتذر عن هذا وذا وذاك، بل عشنا في "التكييف"، وغالبا ظل غالبنا مرفهين وكأن شيئا لم يكن.

4- كاتبة مصرية منحازة للدولة نالت عضوية نقابة الصحفيين منذ سنوات فلم يتذمر صحفيون لموالاتها للدولة؛ ولكن لكونها "كاتبة مقال" لم تمارس فنون العمل الصحفي، وكأن المقال ليس أرفع فنون العمل الصحفي!

5- رحم الله أمل دنقل الشاعر الذي تصور مهمة الكاتب والمبدع تماما وسواء بسواء كـ"زرقاء اليمامة"، وفي نفس السياق فإن "الرائد لا يكذب قومه" -كما قالت العرب- وإن مهنة الكتابة من أسمى المهن التاريخية، ويكفي أن الله تعالى أقسم بالقلم إذ يقول تعالى: "نون والقلم وما يسطرون" (القلم: 1).

6- كلمة صادقة تجلب روح التعقب لكاتبها وترفع رأسه أمام ربه أفضل بما لا يعد من المرات بإرضاء البعض، أو تحقيق مصلحة دنيوية، ولقاء الله بعدها مساهما في إيذاء غيره، ويكفي بهذا السياق تحذير الرسول صلى الله عليه وسلم: "ما يزال المسلم بخير يوم القيامة ما لم يُصب دما"، أو كما قال المصطفى العظيم في صحيح البخاري مما رواه سيدنا عبد الله بن عمر؛ و"يُصب" هذه كم هي واسعة؟

6- ورحم الله الشاعر العراقي أحمد مطر:

هرم الناس وكانوا يرضعون،
عندما قال المغني عائدون،
يا فلسطين وما زال المغني يتغنى،
وملايين اللحون،
في فضاء الجرح تفنى،
واليتامى من يتامى يولدون،
يا فلسطين وأرباب النضال المدمنون،
ساءهم ما يشهدون،
فمضوا يستنكرون،
ولقد عاد الأسى للمرة الألف،
فلا عدنا ولاهم يحزنون!

7- قد تكون كلمة صحيحة لكن في غير سياقها ومكانها؛ فتُضل وإن تكسب منها صاحبها وأرضت جانبا من الأمة؛ وإننا نُعيذ البعض من مجرد تفكير بتشبيه بالمذيع الراحل أحمد سعيد -رحمه الله على كل حال- وهو يستعرض انتصارات مصر في بداية حرب 1967م المأساوية حتى أفاق الناس على الهزيمة النكراء للرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر!

وللحديث بقية إن شاء تعالى وكان في العمر بقية.

* المقال يعبر عن رأي كاتبه
التعليقات (0)

خبر عاجل