تعود الأصول
التاريخية للطائفة الدرزية إلى
عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله 996 ـ 1021 على يد محمد بن إسماعيل الدَرَزي
الذي هاجر إلى الشام، واشتهرت الطائفة باسمه.
اعتنقوا العقيدة الروحية للتوحيد خلال
الدعوة التي دامت من عام 1017 ـ 1043 اندمجوا في جماعة واحدة وبدؤوا الكفاح من أجل
حريتهم وحقهم في الاختلاف.
جاءت دعوة التوحيد كحصيلة للتطور الثقافي
والتفاعل مع الحضارات الهندية واليونانية، ففسر النص القرآني في ضوء هذه التطورات
الفكرية، خاصة الأفلاطونية الحديثة وتفسيراتها الإسماعيلية.
كان المذهب في سنواته الأولى تبشيريا، لكن
بهاء الدين أقفل الدعوة عام 1043، ولم يوجد منذ ذلك التاريخ تبشير للآخرين للدخول
في هذا المذهب.
ما ميز
الدروز ـ بني معروف تاريخيا هو أنهم
تمتعوا بشبه استقلال ذاتي، حتى في مرحلة الخلافة الفاطمية، فرغم أنهم كانوا يدفعون
الضريبة السنوية أو الميري ويمدون الوالي بالمساعدات العسكرية من وقت لآخر، إلا
أنهم ظلوا يتمتعون بدرجة عالية من الاستقلال الذاتي في الحكم محليا.
وهكذا، والكلام لميشيل سورا، تشكل شعب أصلي
متجانس من الفلاحين على خلفية قبلية عربية، بهياكله الاجتماعية الصلبة، تسيطر عليه
عائلاته الأرستقراطية الحاكمة (شيوخ العقل في الهرمية الدينية ومشايخ الزمان
للسلطة الدنيوية).
المرحلة الصليبية والعثمانية
حصل أول اصطدام عسكري بين بني معروف بقيادة
الأمراء التوخيين ضد الجيوش الصليبية عام 1110، وكان ذلك بسبب محاولة الصليبيين
الوصول إلى بيت المقدس (القدس) وما يتطلبه ذلك من ضرورة السيطرة على المدن
الساحلية (بيروت، صيدا).
وبسبب رفض بني معروف الرضوخ لمطالب
الصليبيين، شن الملك بلدوين الأول حملة وحشية على وادي التيم انتقاما لرفض الدروز
الخضوع، وارتكب مجازر كبيرة بحقهم، ومع ذلك لم تستطع الجيوش الصليبية اقتحام بيروت
إلا بعد عناء طويلة وشراسة في القتال ميزت مقاتلي بني معروف، الذين قاموا في عام
1151 بدك معاقل الصليبيين الحصينة في عين التينة جنوب بيروت.
ما ميز الدروز ـ بني معروف تاريخيا هو أنهم تمتعوا بشبه استقلال ذاتي، حتى في مرحلة الخلافة الفاطمية، فرغم أنهم كانوا يدفعون الضريبة السنوية أو الميري ويمدون الوالي بالمساعدات العسكرية من وقت لآخر، إلا أنهم ظلوا يتمتعون بدرجة عالية من الاستقلال الذاتي في الحكم محليا.
صيتهم في قتال الصليبيين وصل إلى مسامع
القائد صلاح الدين الأيوبي الذي راسلهم طلبا للانضمام إليه، وهذا ما كان على أن
يقاتلوا تحت علمهم الخماسي، حسب بعض الروايات التاريخية.
في عام 1516 غزا العثمانيون المنطقة بعد أن
هزموا المماليك، الأسرة الحاكمة في مصر، في معركة مرج دابق، وذلك بمشاركة فاعلة من
قطاع واسع من جماعة الدروز، تحت قيادة أمراء من آلـ معن.
ونتيجة لذلك، غضت السلطنة العثمانية عن نشوء
إمارة معنية في لبنان تحت إمرة فخر الدين المعني، وهي الإمارة التي دامت بين عامي
1517 ـ 1697، وخلال هذه المرحلة، تبلورت الطائفة الدرزية، كمجموعة إثنية متميزة
بخصائصها الروحية والاجتماعية.
لكن العلاقة بين السلطنة والإمارة المعنية
الدرزية لم تكن دائما على ما يرام، فبسبب علمانية الإمارة في الحكم، وانفتاحها على
الأديان والمذاهب، وجدت عائلات مسيحية فيها مكانا آمنا، فهربوا من الجبال في
الشمال اللبناني ومن السهول
السورية نحو الإمارة.
هذا الوضع لم ينل رضى السلطنة التي عمدت فور
وفاة خير الدين المعني الثاني إلى شق صفوف بني معروف بالتحالف مع تيار على حساب
الآخر، والذي أدى على وصول الأسرة الشهابية إلى حكم الإمارة وطي صفحة بني معروف.
كان هذا التطور سببا في هجرة عائلات درزية
من لبنان نحو جبل الريان / العرب في السويداء جنوبي سورية، ثم جاءت الهجرة الثانية
إثر معركة عين دارة في جبل لبنان عام 1711 بين الدروز القيسيين واليمنيين. كان
يقود القيسيين آلـ جنبلاط وأرسلان ومالوا إلى التحالف مع الموارنة، فيما قاد
اليمنيين آلـ حرموش وعلم الدين.
انتصر في المعركة التحالف القيسي بدعم
الأمير حيدر الشهابي، وأدى ذلك إلى هجرة مجموعات من الدروز المهزومين إلى جبل
حوران، حيث نزلوا ضيوفا على من سبقهم من الدروز.
استمرت الهجرة الدرزية في القرن الثامن عشر
بسبب صراعات النفوذ في لبنان وفلسطين، فمع سعي حاكم عكا الظاهر العمر الزيداني إلى
توسيع إمارته في إقليم الجليل في فلسطين، هاجم الدروز وأرتكب فيهم مذبحة طربيخا
عام 1721.
أدت المذبحة إلى هجرة الدروز إلى جبل حوران،
ثم هاجر آخرون مع حملة الوالي العثماني أحمد باشا الجزار عام 1788 على الأمير يوسف
الشهابي في جبل لبنان.
في مطلع القرن التاسع عشر وقعت الهجرة
الدرزية الثالثة حين دفع التشدد السني لوالي حلب العثماني كنج يوسف عام 1811
أعدادا كبيرة من دروز جبل السماق (يتبع إداريا إلى محافظة إدلب حاليا) إلى النزوح
باتجاه حوران.
واستمرت الهجرة بعد أحداث عام 1860 الدموية
بين الدروز والمسيحيين الموارنة في جبل لبنان، والتي أدت الأحداث إلى تهجير نحو
ثلاثة آلاف رجل درزي مع عائلاتهم إلى جبل حوران.
لماذا جبل العرب؟
تعددت الآراء حول الأسباب التي رجحت اختيار
الدروز لجبل حوران عما عداه من المناطق الأخرى، خصوصا أن الجبل منطقة موحشة سوداء
وغير خصبة، ونسبة هطول الأمطار فيها قليلة، فضلا عن برودتها الشديدة في فصل الشتاء.
ربما تكون هذه الأسباب ـ رغم قسوتها ـ هي
السبب في اختيار هذا المكان، فوعورته وعدم مناسبته للعيش والزراعة، جعله منطقة
نائية بعيدة عن أعين السلطات، وهو المرُاد من ذلك.
ويمكن أيضا إضافة سبب آخر، وهو قرب جبل
العرب من منطقتين درزيتين: الغوطة وإقليم البلان في سفح الحرمون.
وسبب الطبيعة الجغرافية أولا، وتماسك بني
معروف فيما بينهم ثانيا، وشدة بأسهم في القتال ثالثا، نجحوا في تحقيق ما يشبه
الحكم الذاتي، عمليا وليس رسميا، وهكذا كان الجبل خارج السيطرة العثمانية، ولم يكن
فيه حاكم تركي كما في دمشق ودرعا والمناطق الأخرى.
نهاية الحكم العثماني والتدخل المصري
تمكن إبراهيم باشا ابن محمد علي والي مصر من
السيطرة على بلاد الشام، إذ دحر الجيوش العثمانية حتى كوتاهية في الشمال عام 1833،
وفي محاولته تطبيق التحديث الغربي على سورية كما هو الحال في مصر، اضطر إلى
الاصطدام مع بعض المكونات السورية التي تسليم أسلحتها والقبول بالتجنيد الإجباري
والرضوخ المباشر للحكم الجديد.
أخفق إبراهيم باشا في السيطرة على جبل
العرب، وتكبد خسائر فادحة لم تكن في حسبان قادة جيشه أمام صمود رجال الجبل ومن
تحالفوا معهم من القبائل مثل السلوط والسردية، ومعهم أفراد لجؤوا إلى الجبل كونهم
مطلوبين للسلطات.
بعد ثلاث حملات أبيدت، كتب إبراهيم باشا إلى
شريف باشا حاكم سورية المدني: "صف لي هذا الشعب وصف لي أرضه وطرق معيشته لأضع
الخطط اللازمة".
كان الدروز بقيادة آلـ الحمدان ومرشدهم
الروحي الشيخ إبراهيم الهجري الذي تحالف مع بعض عشائر البدو، قد تصدو للحملة
المصرية.
بعد إخراج إبراهيم
باشا من بلاد الشام عام 1840 أخذا المشيخة الحمدانية تذبوا تدريجيا، خصوصا بعد
مرحلة التنظيمات العثمانية التي نتج عنها تغيير قوانين السلطنة، وخصوصا قانون
المواطنة للجميع.
كان تغيير الأمراء
المحليين الملتزمين بجمع الضرائب واستبدالهم بموظفين جباة جزءا من هذه السياسة
الإصلاحية التي تسعى إلى إخضاع الجبل لحكم مركزي، لذلك شرعت الدولة بجباية الضرائب
وجمع السلاح وفرض التجنيد الإجباري منذ عام 1852.
كان عام 1918 مفصليا، فمع بدء سحب العثمانيين قواتهم من سورية، هاجم سلطان باشا الأطرش القوات التركية وهزمها بالقرب من دمشق، قبل أن يدخلها ويتوجه إلى مقر الأمير فيصل، في وقت كان مقاتلو الجبل يخوضون معارك ضد العثمانيين والألمان في جنوبي سورية (بصرى الشام، الشيخ مسكين، تلول المانع، الكسوة).
شهد جبل العرب موجة من الاحتجاجات في مواجهة
الإقطاع، طالب فيها الفلاحون بتثبيت ملكية الأرض التي يستعملونها، وإعادة النظر
بتوزيعها، وطالبوا أيضا بإلغاء السخرة والترحيل.
في هذه المرحلة برز إسماعيل محمد الأطرش
الثاني 1790 ـ 1869، الذي حصل على دعم الفلاحين بسبب وقوفه إلى جانب ضد سياسات
الإقطاعيين الدروز.
في عام 1852 فرض الباب
العالي التجنيد الإجباري على الجميع، الأمر الذي أدى إلى صدام بين القوات
العثمانية ورافضي الخدمة من دروز حوران، في حين بقي دروز لبنان على ولائهم للباب
العالي.
وجهت استنبول حملة مؤلفة من آلاف الجنود من
الجيش العثماني، لكن الدروز كانوا في ملاقاتهم قرب بلدة ازرع في سهل حوران.
مع تولي إبراهيم باشا ابن إسماعيل زعامة
الجبل، انقلب على سياسة أبيه الداعمة للفلاحين، وسرعان ما انتفض الفلاحون ضده ـ ما
عرف بثورة العامية ضد الطرشان ـ الأمر الذي دفع إبراهيم باشا إلى الاستنجاد
بالوالي العثماني الذي أرسل جيشا انضمت إليه قوات الأطرش والعائلات الإقطاعية
المتضررة من ثورة الفلاحين، وكانت النتيجة دخول القوات العثمانية لأول مرة إلى جبل
العرب.
انقلبت الأوضاع بين الدروز والعثمانيين عام
1895، حين ذهب وفد من الدروز برئاسة شبلي باشا الأطرش لدى الحاكم التركي في دمشق
الذي ألقى القبض عليه، وأرسلهم إلى استنبول.
كانت هذه الحادثة في دفع الجبل إلى
الانتفاض، فانقض مقاتلون دروز على الحاميات العثمانية، ثم توسعت الأمور برد
الأتراك بهجوم واسع استطاعوا فيه الدخول على السويداء، لكنهم تعرضوا لهزيمة كبيرة
في مناطق اللجاة الوعرة.
كان عام 1918 مفصليا، فمع بدء سحب
العثمانيين قواتهم من سورية، هاجم سلطان باشا الأطرش القوات التركية وهزمها بالقرب
من دمشق، قبل أن يدخلها ويتوجه إلى مقر الأمير فيصل، في وقت كان مقاتلو الجبل
يخوضون معارك ضد العثمانيين والألمان في جنوبي سورية (بصرى الشام، الشيخ مسكين،
تلول المانع، الكسوة).
الانتداب الفرنسي
نجح الفرنسيون في استقطاب بعض الشخصيات
الدرزية ـ كما هو الحال مع باقي الطوائف ـ، وهنا انقسم الدروز بين فريقين: فريق
يريد أن يكون الجبل تابعا للمنطقة البريطانية، وآخر يريد ضمه إلى المنطقة
الفرنسية، وكلا الفريقين يطلبان الاحتفاظ بالاستقلال الداخلي.
وعد الفرنسيون الدروز بإنشاء حكومة مستقلة،
بمساعدة وإشراف فرنسا، وهو ما وافق عليه الدروز شريطة أن لا يمس الانتداب الفرنسي
استقلالية الدولة الدرزية.
في عام 1922، كانت
السلطات الفرنسية تلاحق المجاهد الوطني اللبناني أدهم خنجر لارتكابه عملا ثوريا ضد
الاستعمار الفرنسي، لكن خنجر توجه إلى جبل الدروز في سورية ليطلب الحماية من سلطان
الأطرش، وقبل وصوله إلى منزل سلطان، جرى اعتراضه واعتقاله من القوات الفرنسية.
نجح الفرنسيون في استقطاب بعض الشخصيات الدرزية ـ كما هو الحال مع باقي الطوائف ـ، وهنا انقسم الدروز بين فريقين: فريق يريد أن يكون الجبل تابعا للمنطقة البريطانية، وآخر يريد ضمه إلى المنطقة الفرنسية، وكلا الفريقين يطلبان الاحتفاظ بالاستقلال الداخلي.
طلب سلطان باشا من الفرنسيين الإفراج عنه
كونه استنجد به في أرضه، فرض الفرنسيون الطلب، فما كان من سلطان باشا ومقاتلوه إلا
أن اعترضوا القافلة التي تنقل خنجر إلى دمشق، فقتلوا عددا كبيرا من الفرنسيين.
رد الفرنسيون بقسوة شديدة عبر قصف طائرتهم
عدة قرى درزية، وما كان من سلطان باشا إلى الرد على الفرنسيين من خلال مهاجماتهم
بغتة في كل مناطق الجنوب السوري.
استمر عمليات الأخذ والرد حتى عام 1925، حين
جرى التنسيق بين سلطان باشا الأطرش ودمشق من خلال رئيس حزب الشعب عبد الرحمن
الشهبندر، لإعلان الثورة.
تمكن سلطان باشا ومقاتلوه في إلحاق أضرارا
كبيرة بالجيش الفرنسي من خلال معارك عدة جربت بينهما: بلدة الكفر، المزرعة، تل
الخروف.
نتيجة صمود أهل الجبل وإلحاقهم الأذى
بالفرنسيين، عمد المفوض السامي الفرنسي الجنرال هنري دو جوفينال استقطاب الدروز
باللعب على وتر أن الفرنسيين سيمنحوهم دولة مستقلة، لكن رد سلطان باشا أغلق بابا
الحوار حين حدد مطالب الثورة العربية:
ـ الاعتراف باستقلال المناطق السورية
وتمثيلها خارجيا، وقبول سورية في عصبة الأمم.
ـ انسحاب الجيوش الفرنسية، وإعلان الوحدة
السورية.
رد الفرنسيون بحملة عسكرية كبيرة نجحت في
احتلال السويداء، فأعلن شيوخ العقل قبولهم للانتداب الفرنسي، إلا شخص واحد هو
الشيخ أحمد الهجري الذي رفع راية المقاومة.
ما بعد الاستقلال
نتيجة الإهمال السياسي الذي شعرت به شخصيات
درزية تجاه الجبل، وبسبب محاولات أديب الشيشكلي منذ عام 1951 فرض دولة مركزية،
توترت الأمور بين الجبل ودمشق.
ومع تحكمه بالمشهد السوري عام 1954، قرر
الشيشكلي تأديب الجبل، فشن حملة عسكرية، دفعت سلطان باشا للخروج نحو الأردن حقنا
للدماء.
بدأت التظاهرات ضد الشيشكلي في حلب أواخر
عام 1953، وسرعان ما انتقلت إلى السويداء مطلع عام 1954، حيث ارتفع سقف مطالبات
المتظاهرين ليصل إلى المطالبة بتنحي الشيشكلي الذي تعرض لانقلاب عسكري أخرجه من
المجال السياسي.
بين نهاية الشيشكلي وبداية حكم البعث 1954 ـ
1963، برزت شخصيات حزبية وعسكرية درزية، أبرزها سليم حاطوم الذي حاول الانقلاب على
القوى العلوية ممثلة بـ صلاح جديد وحافظ الأسد عام 1966، لكن محاولته باءت بالفشل.
ومنذ ذلك التاريخ، وخصوصا بعيد وصول حافظ
الأسد للحكم عام 1970، بدأت عملية إقصاء الشخصيات الدرزية، فقد سرح حمد عبيد من
وزارة الدفاع، وسجن منصور الأطرش وشبلي العيسمي واللواء فهد الشاعر.
بالمقابل، تبنى حزب البعث إيديولوجيا
المبادئ القومية كبديل عن الولاءات الطائفية والإقليمية والعشائرية، وقد لقي هذا
التوجه رضا تيارات وطنية داخل السويداء.
لكن سرعان ما تبين أن هذه شعارات لأغراض
السلطة، فقد كان الأسد الأب شديد الحساسية من الدروز، فعمد إلى إبعادهم عن أي
مناصب حساسة.
بين عامي 1971 ـ 2000، تشكلت تسعة حكومات،
شغل فيها الدروز ثمانية مناصب وزارية، وفي فترة بشار الأسد تم تشكيل عشر حكومات،
كان نصيب الدروز منها وزارة الإدارة المحلية.
لكن ما ميز السويداء في ظل حكم الأسدين، هو
الإهمال التنموي للمحافظة، فأصبحت السويداء بذلك أفقر محافظة سورية، ما أدى إلى
استمرار حركة الهجرة المؤقتة والدائمة منها.
الثورة السورية 2011
مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، وتراجع
القبضة السياسية لدمشق على المناطق الطرفية، بدأت تظهر أحزاب وتيارات سياسية جديدة
في السويداء: تجمع القوة الوطنية والهيئة الاجتماعية، الذي ضم ممثلي الأحزاب
الكلاسيكية التي وقعت على إعلان دمشق، مثل حزب العمال الثوري وحزب الشعب وأحزاب
أخرى.
وفي عام 2016 تشكل تيار السلام السوري في
الخارج وكان له بعض المناصرين في السويداء، كما ظهر في عام 2021 تيار حزب اللواء
السوري الذي أسسه الصحفي المقيم في فرنسا مالك أبو خير، ومنذ إعلان تشكيل هذا
الحزب أحدث ضجة في السويداء بعد تشكيل جناح عسكري له على الأرض تحت اسم قوة مكافحة
الإرهاب.
وقفت السويداء على الحياد أثناء الثورة،
فرفضت الانخراط في الثورة في وقت رفضت تقديم الدعم البشري والسياسي لنظام الأسد.
هذا الموقف المحايد، في اللحظات التاريخية
الكبرى، يؤدي بأصحابه إلى الخسارة، فمثل هذه المراحل يجب أن تكون المواقف فيها
واضحة.
بعد انطلاق الاحتجاجات الشعبية في السويداء
عام 2023، وبروز تنظيم ساحة الكرامة كحاضنة للحراك السياسي، أصبح العمل السياسي
أكثر تنوعا، فظهرت مبادرات وأجسام سياسية جديدة مثل الهيئة السياسية ـ الكتلة
الوطنية.
لكن الاحتجاج في السويداء ظل ما دون
السياسي، حتى وإن كانت بعض المطالب سياسية، ذلك أن أساس الاحتجاج كان متعلقا
بتدهور الأوضاع المعيشية والأمنية في المحافظة.
سقوط الأسد
بعد أيام من سقوط الأسد ودخول أحمد الشرع
إلى دمشق، دعا شيخ عقل الدروز حكمت الهجري إلى عقد مؤتمر وطني شامل يضم مختلف
أطياف الشعب السوري، بهدف رسم مسار جديد للبلاد عبر وضع دستور جديد وإرساء نظام
إداري لامركزي.
بعد نحو شهر، في يناير 2025 منعت قوات
الهجري رتلا عسكريا تابعا لإدارة العمليات العسكرية من دخول المحافظة، تحت عنوان
منع أي مظهر عسكري من خارج السويداء.
في 17 فبراير 2025 أكد الهجري أن العلاقة مع
الحكومة السورية المؤقتة تقوم على الشراكة والتواصل، وهو تصريح فُهم في دمشق على
أنه موقف ندي.
في هذه الأثناء، أعلن أكبر فصيلين عسكريين
في المحافظة "رجال الكرامة" و"لواء الجبل" في بيان مشترك،
استعدادهما للاندماج ضمن جسم عسكري يكون نواة لجيش وطني جديد.
وفي مارس من العام نفسه أعلنت حركة
"رجال الكرامة" عن اتفاق مع وزارة الداخلية السورية لتفعيل الأمن العام
في السويداء، عبر تعيين قيادات وكوادر محلية من أبناء المحافظة.
انقسم المشهد في السويداء بين فصيلين: الأول
يريد الانخراط في الدولة الجديدة، وآخر يريد استقلالا ذاتيا أو شبه استقلال، لكن
هذا الانقسام أخذ بعدا حادا مع توجهات الهجري نحو إسرائيل ومطالبتها بالحماية،
ورفع أعلام إسرائيلية في المظاهرات.
ارتكبت السلطة السورية في دمشق خطأ كبيرا
حين أقدمت في يوليو الماضي على إرسال قوات عسكرية لفك الاشتباك بين بعض البدو وبعض
الدروز، لكن تصرفات قوات دمشق خرجت عن السياق الوطني فارتكبت عمليات قتل عشوائية
وإهانات لشخصيات لها اسمها.
كان لتدخل إسرائيل العسكري لحماية الدروز
دورا رئيسا في مضي الهجري قدما نحو معاداة دمشق والارتماء في الأحضان الإسرائيلية،
وهو ما زاد الانقسام الدرزي ـ الدرزي، وبدأت عمليات تهديد وإقصاء داخل السويداء.
مسألة مصير السويداء هي مسألة وقت ليس إلا، لكن من المهم هنا أن يدرك صناع القرار في دمشق خصوصية التجربة التاريخية الدرزية القائمة على نوع من التحرر الذاتي في الحكم، وهذه خصوصية لا تؤثر سلبا على بناء الدولة إذا ما كانت تحت السقف الوطني: تقديم دمشق لبعض التنازلات قد يكون أمرا مطلوبا في هذه المرحلة لطي صفحة والانتقال إلى أخرى.
بعد إعلان توقيع اتفاق 29 يناير 2026 بين
دمشق و"قوات سورية الديمقراطية" (قسد)، توجهت الأنظار نحو السويداء، وهل
سيكون مصيرها كما هو مصير "قسد".
من الواضح أن حالة التريث في سلوك السلطة في
دمشق تجاه السويداء، ثم الاتفاق بين الجانبين على تبادل الأسرى، يوضح أن الشرع غير
مستعجل على حسم مسألة السويداء بسبب البُعد الإسرائيلي فيها.
وأغلب الظن أن ملف السويداء مرتبط بالتوصل
إلى اتفاق أمني بين سورية وإسرائيل، في وقت تمارس فيه دمشق سياسة العصا عبر فرض
حصارها على المحافظة من جهة، وسياسة الاحتواء عبر الانفتاح على شخصيات وقوى درزية
من جهة ثانية.
ولعل خروج الأمير حسن الأطرش من السويداء
إلى دمشق دلالة على ذلك، رغم محاولة الكثيرين التقليل من شأن هذه الخطوة واعتبارها
غير ذات وزن على المستوى السياسي.
وهي قراءة خاطئة، فالمسألة ليست مرتبطة بما
إذا كان الأمير يمتلك منصبا أم لا، أو يمتلك قوة عسكرية أم لا، إن أهميته تكمن في
الدلالة الرمزية لشخص يمثل امتدادا لسلطان باشا الأطرش وخطه السياسي، وهذا أمر
سيكون له انعكاس داخل بني معروف.
مسألة مصير السويداء هي مسألة وقت ليس إلا،
لكن من المهم هنا أن يدرك صناع القرار في دمشق خصوصية التجربة التاريخية الدرزية
القائمة على نوع من التحرر الذاتي في الحكم، وهذه خصوصية لا تؤثر سلبا على بناء
الدولة إذا ما كانت تحت السقف الوطني: تقديم دمشق لبعض التنازلات قد يكون أمرا
مطلوبا في هذه المرحلة لطي صفحة والانتقال إلى أخرى.