أثار إعلان روسيا انسحابها من بعض المعاهدات
النووية الرئيسية، في ظل تصاعد التوترات الدولية، تخوفًا كبيرًا بشأن مستقبل
العالم. فقد أصبح العالم اليوم على مفترق طرق: بين هيمنة المادة بلا ضوابط، وضرورة
العودة إلى سيادة الأخلاق والقيم في صياغة مستقبل البشرية. يحاول هذا التحليل
استعراض أبعاد الصراع بين القوى الكبرى ورسم مقارنة بين الانحلال التاريخي
للإمبراطوريات القديمة والنظام الدولي الحالي مع التركيز على الصراعات الأخلاقية
التي تهز المجتمعات المعاصرة.
علمتُ أن قومًا، حين وصلتهم أخبار النووي،
اضطربت عقولهم وتسارعت خفقات قلوبهم، فظنّوا أن العالم سيسقط بين ليلة وضحاها في
حاضنة الفناء، وكأن المعاهدات إذا خُرقت انقلب أسوأ احتمالاتها واقعًا محتومًا دون
قيد ولا حساب للمآلات.
فكانوا كما قال الله عزّ وجلّ: ﴿يَقُولُونَ
هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ﴾، فاعلم ـ أيّدنا الله بالبصيرة وجنّبنا غدر
العجلة ـ ﴿إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾، فالحكم في جوهره ليس بيد البشر، بل
كما ورد في سورة يوسف: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾. أما علموا أن التاريخ
علّمنا أن السياسات التي تدفع إلى القاع تموت قبل السقوط، وأن الخير ـ وإن طال
ابتلاؤه ـ غالب الشر، وأن الحكمة تعلو الغباء، وأن القوة إذا تُركت بلا ضوابط تؤذي
صاحبها قبل أن تصيب خصمه.
وليس إعلان روسيا تراجعها عن الالتزام ببعض
المعاهدات النووية فعلًا طارئًا أو تمردًا عشوائيًا، بل هو نتاج مسار طويل من
الهيمنة الأمريكية غير المنضبطة، الساعية إلى فرض سيطرة كلية على النظام الدولي
خارج منطق التوازنات والقيود المشتركة. وهو، في جوهره، انعكاس لتآكل بطيء في بنية
نظام دولي كان يحفظ قدرًا من التوازن في العالم.
فقد شهد التاريخ حضارات كبرى بلغت أوج القوة
ثم انهارت، حين انسلخ فيها القانون عن الواقع، وانفكّت السيطرة على أسباب
اعتدالها، وتراجع فيها قبول الآخر بمنطق الموازنات لا بمنطق القوة وحيازة العلم
والسلاح.
في ظل ضعف الالتزام الدولي بالمعاهدات، تجلّت هشاشة النظام العالمي أظهر انسحاب ترامب من بعض أطر الأمم المتحدة هشاشة النظام الدولي، حين أصبحت القرارات الكبرى رهينة لإرادة فردية، متجاوزةً التوازنات والمؤسسات الدولية.
ولعلّ في تجربة الأندلس عبرة بليغة؛ فقد بلغ
النشاط العلمي والفكري ذروته، وتقدّم العمران والمعرفة حتى صارت الأندلس قبلة
للعلماء من مشارق الأرض ومغاربها، غير أن ذلك كله لم يُغنها بعد أن تنازعت مراكز
القرار على الريادة وأصبح الكل معتد بنفسه، فغاب الضابط المصلحي الجامع، فزاد
الطمع في الانفراد بالسلطة.
وعلى الرغم من حضور العلم وتوفر القوة، كان
المصير تفككًا فزوالًا.
وفي ظل ضعف الالتزام الدولي بالمعاهدات،
تجلّت هشاشة النظام العالمي أظهر
انسحاب ترامب من بعض أطر الأمم المتحدة هشاشة
النظام الدولي، حين أصبحت القرارات الكبرى رهينة لإرادة فردية، متجاوزةً التوازنات
والمؤسسات الدولية.
فقد لوّح بالاستحواذ على أراضٍ مثل غرينلندا
وكندا، واحتل فعليًا فنزويلا، وهدد إيران بالحرب، بل وأطلق سياسات داخلية مثّلت
تهديدًا للأمن الأمريكي، مثل تعديل قوانين الهجرة. كل هذا يؤكد انهيار مؤسسة الأمم
المتحدة والقانون الدولي، ويشير إلى تحول السلطة الدولية من منظومة توازنات
مؤسساتية إلى إرادة فردية قائمة على القوة والهيمنة. وفي هذا الإطار يُفهم قرار
موسكو، إذ لم يعد الالتزام بالمعاهدات ضمانًا كافيًا للسلام، بل أصبح رهينًا بمزاج
القوي وغروره.
ثم تزيد إسرائيل ـ الابن المدلل للولايات
المتحدة ـ الطين بلة بإرادتها للهيمنة على البلدان العربية وتحقيق ما يُعرف
بإسرائيل الكبرى، فطموحاتها باتت علنية، فهي تتجاهل كل القوانين الدولية، ويكفي ما
فعلته في غزة من إبادة، وهي تمتلك ترسانة نووية قوية دون أي التزام بالمعايير
الدولية.
إن التوجه لضرب إيران، ولاحقًا ربما تركيا
والسعودية، يهدد استقرار المنطقة ويضغط على روسيا والصين من حيث الأمن
الاستراتيجي، إذ إن سقوط إيران تحت سيطرة الولايات المتحدة يشكل خطرًا على
الاحتياط النفطي للصين والهند وروسيا، بل وللعالم أجمع.
لم تعد القوة النووية وحدها الضابط الرئيس،
إذ دخلت أسلحة فرط الصوت والطائرات الحديثة والذكاء الاصطناعي في معادلة الردع،
مما يزيد احتمالات سوء التقدير.
وليس الخطر في أن يتخذ زعيم قرارًا بشن حرب
نووية فجأة، فهذا تصور ساذج، وإنما الخطر الحقيقي يكمن في الأخطاء الصغيرة أو سوء
تفسير الإشارات وتحريك القوات بطريقة خاطئة، فتتدحرج الأحداث كما تتدحرج الصخرة من
جبل، ولا يوقفها بعد ذلك ندم أو حكمة متأخرة. فالنووي ـ مع هيبته وفزع اسمه ـ ليس
أصل البلاء، بل انعكاسه، كما أن انهيار الدول لم يأتِ نتيجة صاعقة واحدة، بل
تراكمت فيه الأخطاء والإهمال والفتن الداخلية حتى انهار الكيان كله.
غياب الالتزام المتبادل يحوّل المعاهدات إلى
أدوات بلا فاعلية، لا تردع اعتداءً ولا تمنع الانزلاق نحو الفوضى.
ومع دخول الذكاء الاصطناعي وأنظمة الإنذار
الآلي في ميدان القرار، صار الزمن أقصر من المشورة، والرد أسرع من العقل، فتعاد
أحداث التاريخ بأسلحة جديدة، حيث تتضاعف احتمالات الحوادث غير المقصودة وسوء
التقدير، وتصبح أي شرارة صغيرة قد تؤدي إلى أزمة كبرى.
وقد أخطأ من ظنّ أن إعلان روسيا انسحابها من
بعض المعاهدات النووية يعني بالضرورة رغبة في إشعال حرب شاملة؛ فالحروب الكبرى لا
تُتَّخذ ببيانات سياسية منفردة، وإنما تتشكل عبر تراكمات من العصبيات التاريخية
وتشابك المصالح واختلال موازين الردع. وأميل إلى أن قصد موسكو كان الإشارة إلى أن
النظام الدولي بصيغته الراهنة بات أداة بيد طرف واحد، وأن تفسير القواعد لم يعد
محكومًا بالعدالة ولا حتى بالتوازن الشكلي، بل بمصلحة وبطش الأقوى. فحين تغيب
قاعدة الالتزام المتبادل، تصبح المعاهدات أشبه بعصا مكسورة، لا تردع اعتداءً ولا تمنع
انزلاقًا، بل تزيد النظام هشاشةً فتُسرّع تآكله.
هنا لا بد، انطلاقًا من الواقعية، أن نقف
عند الدور الأمريكي، لا من باب العداء، بل من باب الملاحظة. فقد دأبت الولايات
المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة على ممارسة النفوذ الدولي على قاعدتين: أنها
الشرطي العالمي للنظام الدولي، وأن ما ينفعها تلتزم به، وما يعيق قوتها تُعيد
تفسيره أو تتجاوزه. وقد ازداد هذا الانحياز إلى الذات ظهورًا مع ترامب، حتى قتل
النظام العالمي، ليأتي بنظام على مقاسه، نظام “كاوبوي”. والأكيد أن أمريكا لم تكن
تنتظر ردة الفعل العالمية ضدها، فاستعجالها لسحب البساط من التمدد الصيني الهادئ
جعل خطواتها بلطجية. وإذا عُطّلت الحدود، فانتظر الفتن. فغياب الرقابة المتبادلة
والاحترام المتبادل إيذان بانزلاق القوى نحو الخراب، ليجعل السلام العالمي أمام
مفترق الطرقات، وكل أسوأ من أخيه.
إن التوجه لضرب إيران، ولاحقًا ربما تركيا والسعودية، يهدد استقرار المنطقة ويضغط على روسيا والصين من حيث الأمن الاستراتيجي، إذ إن سقوط إيران تحت سيطرة الولايات المتحدة يشكل خطرًا على الاحتياط النفطي للصين والهند وروسيا، بل وللعالم أجمع.
والأكيد أن السلاح ليس الخطر الأعمق بحد
ذاته، إذ تبين أن أهم واضع للقانون الدولي هو أول من يستثني نفسه من الالتزام به،
ليدير مصلحته بالقوة لا بقانون التوافقات والمعاهدات.
بينما تلتزم الصين بالصمت والحذر، تعكس حكمة
الصبر في مواجهة الاستفزازات، كما جاء في قول عمرو بن العاص: "ليس العاقل
الذي يعرف الخير من الشر..".
فالذكاء الاصطناعي وسرعة تداول المعلومات
وشبكات التواصل الاجتماعي جعلت العالم أشبه بغرفة صغيرة، أضحى فيها كل حسيس
مرصودًا. إن استقرار العالم والحفاظ على السلام فيه في حاجة ماسة إلى توافقات
سياسية أعمق من اتفاقات سبع أو عشرين دولة. وعلى الرغم من ذلك، عاد العالم إلى ما
وصفه المسعودي “دار غلبة” تحت هيمنة أمريكية قلقة من سقوط إمبراطوريتها، لتصبح
العلاقات الدولية أقرب إلى توازن الخوف منه إلى توازن التوافق والاحترام، وعلى
رغبة الاستحواذ مقابل الرغبة في التقاسم من أجل التعايش.
إن الناظر الثاقب يعلم أن الشرق الأوسط ـ
قلب العالم وبوصلة نزاعاته واستقراره منذ أن عرفت الإنسانية التاريخ ـ يغلي
بصراعات متشابكة، أهمها:
1 ـ الصراع الإيراني ـ الإسرائيلي ووكيلها
الولايات المتحدة، يراد منه تقوية إسرائيل نحو إسرائيل الكبرى وامتلاك الأمريكيين
للاحتياط النفطي للتحكم في العالم، وخصوصًا لكبح نمو التنين الصيني.
2 ـ الصراع الإسرائيلي ـ الغزاوي
والفلسطيني، حيث لا تفتأ إسرائيل إلا نقض ما اتفق عليه، وغزة الشامخة تقاوم
الإبادة الجماعية.
3 ـ التدخل القذر للإمارات بين شعوب
المنطقة، بما يزعزع الاستقرار الإقليمي ويكرّس الوقوف غير المشروط مع إسرائيل.
4 ـ التوافق التركي ـ السعودي ـ المصري ضد
التغوّل الإماراتي والإسرائيلي في المنطقة، في محاولة لردع الهيمنة.
5 ـ وقوف الغرب مع الدكتاتوريات العربية،
خاصة في مصر وتونس، لخدمة المصالح الغربية الخاصة، مما أدى إلى تفاقم الفقر، الذي
يسبب خرق الأمن العام في النسيج المجتمعي، ومع ضعف قدرة الدولة على ضبط
زمام الأمن، تستولي بعض العصابات المسلحة على إدارة بعض المناطق، كما نرى واقعًا
في بعض دول أمريكا الوسطى.
6 ـ الصراعات في اليمن وجنوبها، والسودان،
وشمال الصومال، لاستحواذ السيطرة على مضيق باب المندب وتهديد حرية الملاحة والأمن
البحري والاستقرار الإقليمي، إضافة إلى قضية مياه النيل التي تهدد الاقتصاد المصري.
7 ـ ليبيا، بأوضاعها السياسية والأمنية
المتشابكة، والتي تضعها في صراع دائم على السلطة والنفوذ الإقليمي.
8 ـ الجزائر، بعد خسارتها قضية الصحراء
الغربية وما يحدث في مالي، ما يهدد استقرارها الداخلي ويضعف قدرتها على ضبط حدودها
وأمنها الوطني، ويزيد تفاقم الأزمة الاقتصادية من هشاشة البلاد ويعمّق مخاطر
الانفلات الأمني.
9 ـ أوكرانيا كميدان لكسر المحظور منذ
هيروشيما، وزعزعة الأمن والاستقرار في أوروبا.
10 ـ أفريقيا التي يعاد استعمارها أمريكيًا،
وتجديد معاهدة مونرو، مما يضع القارة الأمريكية على صفحة من النار.
11 ـ أمريكا اللاتينية ومبدأ مونرو بصيغته
الجديدة، الذي يظهر اليوم كاستعمار غير معلن، كما نراه في فينزويلا، حيث تُدار
الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية لإبقاء القارة تحت النفوذ الأمريكي المباشر
وغير المباشر.
حين يظهر الوجه المظلم الحقيقي للمادة عاريا، وحين تتجاوز حدود الضمير إلى ما لا يطيقه العقل والفطرة السليمة، بل لا تقبل به الأنعام بينها، يستيقظ ـولله الحمد ـعالم الأخلاق، وإن بدا ضعيفًا، ليكون المنتصر ضرورة، لأن من تغلبت عليه المادة فيه كانت سبب خراب ذاته قبل خراب الآخرين.
كل ذلك ينبئ بتحولات مخيفة، والأزمة النووية
لم تعد وحدها المقلقة، بل أصبحت الصواريخ الباليستية، والصواريخ فرط الصوت،
والطائرات المسيرة، أدوات تفاقم الخطر وزيادة احتمالات الانفجار.
ولكن وما لم يغِب عن البصير أن المعركة
اليوم باتت واضحة للعيان: إنها الصدام بين عالمين نقيضين، حيث أصبحت المسافة
بينهما شاسعة، والصدام واقع لا مفر منه، وإن وقع، فعنفه لن يعرف حدودًا إلا حين
يُنسف أحد الطرفين. وهو صراع بين:
1 ـ عالم المادة المجردة من ذرة أخلاق،
يقوده من لا يؤمن إلا بذاته، مستعلٍ على الكل، ومستهين بحق الآخر، والمتهور في
الامتلاك المفرط لكل شيء.
2 ـ عالم القيم الذي تزدانه الأخلاق
الرفيعة، يسعى لإقامة العدل بين الناس وضمان حق الحياة للآخر، ولو بتفاوت نسبي.
وما قصة أبستاين وأمثاله كثير، وما يتصل بها
من فساد مستفحل، يبقى البسيط أمامها حيرانا لا يعرف سبيلًا للتصديق، وما يجري في
أروقة المال من طموحات مفرطة للاستحواذ على مقدرات الشعوب واستعمارها، إلا دليل
قاطع على صحة هذا التوصيف.
فحين يظهر الوجه المظلم الحقيقي للمادة
عاريا، وحين تتجاوز حدود الضمير إلى ما لا يطيقه العقل والفطرة السليمة، بل لا
تقبل به الأنعام بينها، يستيقظ ـولله الحمد ـعالم الأخلاق، وإن بدا ضعيفًا،
ليكون المنتصر ضرورة، لأن من تغلبت عليه المادة فيه كانت سبب خراب ذاته قبل خراب
الآخرين. إذ أنه يعيش في فضاء الفناء الذي لن ينجو منه، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا
أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا
جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ
وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾
إن الفعل المادي الذي لا تضمنه الأخلاق
سرعان ما يتحطم ذاتيًا، كما قال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ
زَهُوقًا﴾
بينما الأخلاق صامدة كالجبال شامخة، تصمد
أمام الأعاصير ليحيا العدل فتستقر به الشعوب، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ
النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ
عَلَى الْعَالَم
وأما البلدان الإسلامية، والحركات الإصلاحية
التي تنادي بالدمقرطة، وتحاول إقامة حكم تهيمن فيه الأخلاق على المادة، والعدل على
الظلم، فهي اليوم في قلب هذا الصراع والاتهام. فكل مشروع أخلاقي يحاول أن يضبط
الرغبات المفرطة للمادة بالمحاسبة، ويأمل أن يجعل القانون مصونًا بحماية السلطة،
يقف أمامه ضغط هائل من قوى الفساد التي ترى كل شيء قابلًا للشراء والبيع، بل وحتى
للسطو والإبادة.
ومع ذلك، فإن التحدي الإسلامي ـ كما شهد
التاريخ في عصر الصحابة والخلفاء الراشدين ـ يعلّم أن الأمة لها مخزون أخلاقي كامن
كالبركان الساكت يحافظ على قيمها، مخزون ستعبر الأمة به المحن حتى وإن وقف العالم
أمامها، إذ إن جوهر هذه الأمة ليست أرضًا ولا عرقًا ولا قومًا، بل "اقرأ باسم
ربك الذي خلق".
علاوة على ذلك فمجتمعاتنا التي صارت فريسة
للفساد والاضمحلال والهيمنة الفردية والإقليمية والدولية، لا تزال تحمل مخزونًا
أخلاقيًا يغلي ليطوف فيردم الفساد والظلم، ومن تمسك بحبل الله لم تخنه السبل.
ولن يغيب عن الناظر أن الغرب، وأمريكا على
وجه الخصوص، تتصدر دور إبليس في العالم. فكم من أبستاين، وكم من شخصية موازية له،
يشطحون يمنة ويسرة، تبتغي أيديهم التحكم في أدوات القوة لتوجه العالم نحو الإفلاس
الأخلاقي ومنه للاستفراد بحق الحياة.
إلى أين تسير البشرية: في عالم أصبح القانون
الطبيعي حقًّا للمحتالين والمفسدين؟ في عالم أصبحت المادة تقود الأخلاق إلى قانون الغاب
المُأبلس؟ في عالم تهان القيم فتصبح مسخرة، والفساد نبلاً؟
نحن أمام حقيقة مرة تعكس صراع المادة على
الأخلاق حيث: تتضافر القوة المادية والعلمية والاقتصادية
لتحقيق فناء الإنسان وتعويضه بالإنسان المستنسخ، والرجل الآلي، والذكاء الاصطناعي
ليعيش البعض المستعلي على حساب الآخر، يُجذر مفهوم
الجندرة لقتل مفهوم الأسرة والعائلة، مهد الأخلاق الأولى لحماية المجتمع وخدمة
استمرار البشرية وخدمة الاستقرار.
لكن لقد علمتنا التجارب الإنسانية والتاريخ
ثبوت قول الله: "وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ
الظَّالِمُونَ". فكما انهارت حضارات كبرى عندما غلبت الأنا والمادة، لتصبح
القانون وتنسلخ السلطة عن الرشد، يعود الرشد بعد مهر مرير وغالٍ.
وليس السؤال اليوم: هل أو متى ستقع الكارثة؟
بل السؤال: كم سيكلف العالم طاقةً وأرواحًا وانتكاسًا وتراجعًا عما وصل العالم
إليه اليوم من رقي ورخاء؟