لا تلوموا السماء… لوموا السياسات

عبد المولى عمراني
الفيضانات ليست قدرا أعمى، بل مرآة سياسية تكشف حدود السياسات العمومية عندما تتحول التنمية إلى واجهة دعائية، وتُستبدل الوقاية بمنطق الاستعراض، وتُدار المشاريع الاستراتيجية بمنطق الانقطاع بدل الاستمرارية.. الاناضول
الفيضانات ليست قدرا أعمى، بل مرآة سياسية تكشف حدود السياسات العمومية عندما تتحول التنمية إلى واجهة دعائية، وتُستبدل الوقاية بمنطق الاستعراض، وتُدار المشاريع الاستراتيجية بمنطق الانقطاع بدل الاستمرارية.. الاناضول
شارك الخبر
في الدول التي تحترم نفسها، لا تُعلق الفيضانات على شماعة "التساقطات الاستثنائية"، ولا تُقدَّم للناس ذريعة جاهزة لتبرير التقصير، بل يُتعامل معها باعتبارها اختبارا حقيقيا لمدى نجاعة الدولة في أداء وظائفها الأساسية: الحماية، والاستباق، والتخطيط، وضمان الحد الأدنى من الأمن المجالي والبيئي، أما عندما تتحول الفيضانات إلى مشهد يتكرر بنفس التفاصيل المأساوية -انهيار البنيات، انقطاع الطرق، خسائر بشرية ومادية- ثم تُطوى الصفحة بخطاب التبرير والتهوين، فإننا لا نكون أمام "ظاهرة طبيعية"، بل أمام عطب مؤسساتي جذري يكشف خللا عميقا في أنماط الحكامة، وفي ترتيب الأولويات العمومية، وفي طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.

إن تكرار الكارثة لا يعني أن الطبيعة أصبحت أكثر شراسة فقط، بل يعني أيضا ـ وبالأساس ـ أن الدولة لم تُطور أدواتها الوقائية، ولم تُحول المعرفة المتاحة إلى سياسات ناجعة، ولم تنتقل بالتدبير من منطق رد الفعل إلى منطق الاستباق، لذلك لا ينبغي قراءة الفيضانات اليوم باعتبارها "قوة طبيعية خارقة"، بل باعتبارها مؤشرا سياسيا على فشل التخطيط، وغياب الرؤية، وعجز المؤسسات عن أداء دورها في حماية المواطنين. فالمسألة ليست مياه تجتاح المجال بل لحظة تكشف بلا رحمة حدود الدولة عندما تتخلى عن وظيفتها الحمائية، وتستبدلها بخطاب تبريري يراهن على النسيان بدل التغيير الجذري.

1 ـ  من "الكارثة الطبيعية" إلى "الاختلال المؤسساتي".

تُقاس الدولة الحديثة بقدرتها على ضمان الأمن الجماعي بمختلف تجلياته، ومنها الأمن البيئي والمائي، وعندما تتحول الفيضانات إلى ظاهرة متكررة تُخلّف نفس النتائج، فإن ذلك يعني أن الخلل لا يكمن في الطبيعة، بل في البنية التنظيمية للدولة: في آليات الإنذار والاستعداد، وفي تدبير المجال، وفي سياسات الوقاية، وفي صيانة البنيات التحتية.

إن تكرار الكارثة لا يعني أن الطبيعة أصبحت أكثر شراسة فقط، بل يعني أيضا ـ وبالأساس ـ أن الدولة لم تُطور أدواتها الوقائية، ولم تُحول المعرفة المتاحة إلى سياسات ناجعة، ولم تنتقل بالتدبير من منطق رد الفعل إلى منطق الاستباق، لذلك لا ينبغي قراءة الفيضانات اليوم باعتبارها "قوة طبيعية خارقة"، بل باعتبارها مؤشرا سياسيا على فشل التخطيط، وغياب الرؤية، وعجز المؤسسات عن أداء دورها في حماية المواطنين.
إن تكرار الكارثة لا يعبر عن "مفاجأة" بقدر ما يعبر عن تطبيع مؤسساتي مع الخطر؛ حيث يتم التعامل مع الأزمات بمنطق التدخل بعد وقوعها بدل بناء سياسات عمومية وقائية، فتتحول الدولة من فاعل استراتيجي يستبق المخاطر إلى جهاز يكتفي بإدارة آثارها، بما يوسع فجوة الثقة بينها وبين المجتمع، ويُغذي الإحساس العام بأن المواطن يُترك وحيدا أمام التهديدات.

الأخطر من ذلك أن الخطاب الرسمي غالبا ما يلجأ إلى ما يمكن تسميته بـ “القدرنة Fatalisation " أي تحويل الأزمة إلى قدر محتوم، مما يسمح بتخفيف الضغط السياسي والأخلاقي عن صناع القرار، وإفراغ النقاش العمومي من جوهره الحقيقي: من المسؤول عن هشاشة البنيات؟ ومن المسؤول عن غياب الاستعداد؟

2 ـ اقتصاد سياسي للأولويات.. البهرجة تُنتج هشاشة اجتماعية

تُظهر الفيضانات أن السياسة العمومية ليست اختيارات تقنية فحسب، بل هي تعبير عن تراتبية قيم ومصالح داخل الدولة، ففي الوقت الذي تُوجَّه فيه استثمارات ضخمة إلى مشاريع ذات طابع رمزي واستعراضي (قطارات فائقة السرعة، ملاعب كبرى، بنايات عملاقة)، يجري في المقابل تهميش الاستثمار في البنيات الوقائية والإنجازات الأقل "جاذبية إعلاميا"، رغم كونها أكثر حيوية اجتماعيا.

وتتبدى هنا إحدى المفارقات الكبرى في الدولة الريعية-الرمزية؛ إذ يصبح معيار النجاح ليس القدرة على تقليص المخاطر وحماية السكان، بل القدرة على إنتاج "صورة الدولة" وإبهار الرأي العام بمنجزات قابلة للتسويق السياسي، بذلك تتحول التنمية إلى تنمية واجهية تشتغل على الرموز أكثر مما تشتغل على الحاجيات الأساسية.

كما أن هذه الاختيارات تعيد إنتاج اللامساواة المجالية: لأن المناطق الهشة هي التي تدفع الثمن الأكبر عند الكوارث، بينما تُسخّر الموارد العمومية غالبا لتقوية مراكز معينة وإبرازها، وهكذا تتكرس ما يمكن تسميته بـ “الهشاشة المُدارة Managed Vulnerability "؛ أي هشاشة ليست عرضا طبيعيا بل نتيجة نمط توزيع غير عادل للموارد والاهتمام.

3 ـ غياب العقل الاستراتيجي.. الطريق السيار المائي حالة دالة على الفشل

يُعد مشروع الطريق السيار المائي الرابط بين الأحواض المائية نموذجا دالا لفهم الاختلال في القرار العمومي، فقد كان المشروع منذ 2010 يحمل تصورا استراتيجيا واضحا: نقل المياه بين الأحواض، تقوية التضامن المائي، الرفع من القدرة على التحكم في توزيع الثروة المائية، وتقليص الهشاشة أمام الجفاف والفيضانات معا.

غير أن التخلي عن استكمال المشروع دون تبريرات شفافة يطرح سؤالا مركزيا: هل تُدار السياسات العمومية بمنطق المصلحة العامة والاستمرارية، أم بمنطق الظرفية والانتقائية؟ لأن إجهاض المشاريع الاستراتيجية يعكس غالبا ضعف الدولة في ضمان استدامة السياسات، وهي سمة مرتبطة بما يسمى "هشاشة الدولة التنموية" عندما تعجز عن تحويل الرؤية إلى التزام طويل الأمد.

إن عدم استكمال مشروع بهذا الحجم لا يمثل تأخرا تقنيا فقط، بل يترجم خللا في مفهوم التخطيط ذاته؛ إذ تُهدر الموارد الزمنية والمالية ثم تُترك البلاد لمواجهة النتائج، وهو ما يجعل الدولة تدفع كلفة الإهمال مرتين: مرة عند ندرة المياه، ومرة عند فيضانها - في تناقض يكشف غياب عقل التدبير الاستراتيجي للموارد.

4 ـ أزمة محاسبة.. دولة لا تُسائل نفسها

تكشف الفيضانات أيضا أزمة سياسية عميقة تتعلق بالمحاسبة، ففي الدول التي تمتلك حكامة ديمقراطية فعالة، تُحول الكارثة إلى لحظة مساءلة: تحقيقات مستقلة، تقارير علنية، تحديد المسؤوليات، وترتيب الجزاءات، أما عندما تتحول الكارثة إلى مناسبة للتعويضات الظرفية وللزيارات البروتوكولية، فإن ذلك يعني أن النظام السياسي يفضّل إدارة الغضب بدل معالجة جذور الخلل.

تُظهر الفيضانات أن السياسة العمومية ليست اختيارات تقنية فحسب، بل هي تعبير عن تراتبية قيم ومصالح داخل الدولة، ففي الوقت الذي تُوجَّه فيه استثمارات ضخمة إلى مشاريع ذات طابع رمزي واستعراضي (قطارات فائقة السرعة، ملاعب كبرى، بنايات عملاقة)، يجري في المقابل تهميش الاستثمار في البنيات الوقائية والإنجازات الأقل "جاذبية إعلاميا"، رغم كونها أكثر حيوية اجتماعيا.
غياب المحاسبة لا يؤدي فقط إلى الإفلات من العقاب، بل يؤدي إلى ما هو أخطر: تثبيت الفشل كنمط حكم، فالمسؤول الذي لا يُحاسب يتعلم أن التقصير لا يكلف شيئا، والمؤسسة التي لا تُراجع اختياراتها تُراكم الأخطاء نفسها، والمجتمع الذي لا يرى عدالة مؤسساتية يفقد الثقة في الدولة ويعيد تعريف علاقته بها على أساس الريبة والاحتجاج.

لذلك فإن تفعيل المبدأ الدستوري "ربط المسؤولية بالمحاسبة" لا ينبغي أن يُفهم شعارا أخلاقيا بل شرطا لاستعادة الشرعية السياسية وإعادة بناء الثقة، فالدولة لا تُقاس فقط بما تنجزه، بل أيضا بما تملك من قدرة على تصحيح أخطائها ومعاقبة التقصير داخل أجهزتها.

خاتمة

الفيضانات ليست قدرا أعمى، بل مرآة سياسية تكشف حدود السياسات العمومية عندما تتحول التنمية إلى واجهة دعائية، وتُستبدل الوقاية بمنطق الاستعراض، وتُدار المشاريع الاستراتيجية بمنطق الانقطاع بدل الاستمرارية، وتُعطَّل آليات المحاسبة فيُعاد إنتاج الفشل بشكل دوري وكأنه قاعدة لا استثناء.

إن الخطر الحقيقي في هذه الكوارث لا يكمن فقط في حجم ما وقع، بل فيما يُنذر به المستقبل إذا استمر نفس نمط التدبير: نمط يُراكم الأعطاب بدل إصلاحها، ويؤجل القرارات بدل حسمها، ويُطفئ الغضب بدل معالجة الجذور.

لذلك فالقول إن "السماء هي السبب" ليس سوى تبسيط مضلل؛ لأن الكارثة القادمة لا تصنعها الطبيعة وحدها، بل تصنعها أيضا قرارات بشرية اختارت تهميش الوقاية، وأفرغت الدولة من معناها الوظيفي، أي من واجبها الأول: حماية المجتمع، وضمان أمنه المائي والبيئي، وصيانة الحق في الحياة قبل أي إنجازات شكلية قابلة للتسويق.
التعليقات (0)