لا أدري ما الدافع العلمي أو الإيماني الذي
يدفع بعض الناس لطرح قضية
مصير أبوي النبي صلى الله عليه وسلم؟! فبين الحين والآخر
تطرح القضية بلا سياق علمي مفهوم، وبطريقة تخلو في كثير من الأحيان مع ما يليق
بمقام النبوة من أدب، ومؤخرا خرج أحد الأشخاص بشكل فج، يقسم بالله أنه يبغض أبوي
النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الله ورسوله يبغضهما!!
وللأسف هناك قضايا تتعلق بمقام النبوة
الشريف، تقع بين تطرفين في التناول، كلاهما مذموم شرعا، بين غلو وتقديس مع المقام
الشريف، وهو ما نهى عنه صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا تطروني كما أطرت
النصارى عيسى ابن مريم"، وبين جلافة وغلظة وجفاء معه صلى الله عليه وسلم،
فترى الواحد منهم عند لقاء الحكام وخطابهم، يوقر ويعظم، بينما يكاد يكون شحيحا في
مقام النبوة.
كيف يتم تناول الموضوع؟
وقضية أبوي النبي صلى الله عليه وسلم تحدث
عنها العلماء الأجلاء، ولكنهم تحدثوا عنها في سياق علمي لم يقصد به الإثارة، ولم
يقصد به ما يؤدي إلى الانتقاص من شأنهما، وهو ما نبه إليه الفقهاء في أكثر من
مقام، ومن هؤلاء يقول رشيد رضا: (لكن لا ينبغي لمسلم أن يتشدق بمعناهما بما ينافي
الأدب مع
الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، ولا أن يذكره إلا في مقام التعليم، أو
الفتوى بقدر الضرورة).
وللأسف هناك قضايا تتعلق بمقام النبوة الشريف، تقع بين تطرفين في التناول، كلاهما مذموم شرعا، بين غلو وتقديس مع المقام الشريف، وهو ما نهى عنه صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم"، وبين جلافة وغلظة وجفاء معه صلى الله عليه وسلم، فترى الواحد منهم عند لقاء الحكام وخطابهم، يوقر ويعظم، بينما يكاد يكون شحيحا في مقام النبوة.
وفي هذه المسألة عدة زوايا مهمة، بينا
أولها، وهي: كيفية التناول في سياق علمي، وليس إثارة، وبدون داع، فسترى العلماء
يطرقون الموضوع عند رواية حديث في صحيح الإمام مسلم أو غيره، ويأتي بين ثنايا
أحاديث أخرى، أو من خلال تفسير آية بين آيات وسور، وليس في موضوع مستقل، كي لا
يفهم منه دون قصد المساس بمقام النبوة.
ضوابط وقواعد حاكمة
وفي مثل هذه المسائل هناك قواعد حاكمة
وضابطة لها، تريح الباحث عند التناول، منها: أولا: أنه من المتيقن ولا خلاف في ذلك
أن أبوي النبي صلى الله عليه وسلم، كانا من أهل الفترة، أي: لم يكن في عهدهما رسول
مرسل، ولا نبي مبلغ عن رسول، بل كانت فترة انقطاع وحي.
ثانيا ـ عند تعارض النصوص في مثل هذه القضايا
الشائكة، فلا بد من الجمع بينها، بدل إلغاء نص على حساب الآخر، فإذا تعذر ذلك تم
اللجوء إلى الترجيح من حيث قوة الدليل في أي اتجاه يوجد نقوي به.
إن النصوص التي وردت في الشرع عن أهل
الفترة، الذين لم يصلهم رسالة، أو لم يرسل إليهم رسول، أنهم غير مقطوع لهم بالنار،
بل الراجح في ذلك أنهم في باب عفو الله.
ومن العلماء من قال بأن هؤلاء سيتم عقد
امتحان لهم في الآخرة، فمن نجح دخل الجنة، ومن لم يكن دخل النار، وهو ما يعارض أن
دار العمل هي الدنيا، والآخرة دار حساب لا عمل. ومنهم من قال: يدخلون نارا لا
يشعرون فيها بعذاب، كنار إبراهيم عليه السلام، كانت بردا وسلاما عليه.
فرق عدد من العلماء بين أهل الفترة، بأنهم
أيضا درجات، وأن هناك فرقا بين كافر لم يدع للسوء والمعاصي، وآخر كان من دعاته،
ومن المؤلبين عليه، كمن أدخلوا عبادة الأصنام على العرب.
أما تناول الموضوع من خلال نصوص جزئية بعيدا
عن النصوص الكلية، والقواعد الكلية في الإسلام، فستفتح بابا للتطاول على مقام أبوي
النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وسيضع القارئ والناس موضع النظر للتناقض في
الدين، إذ كيف تضع قاعدة كلية ومهمة، متعلقة بحكم من لم تبلغه دعوة الإسلام بعد
إرسال محمد صلى الله عليه وسلم، والذي ذهب جمهور العلماء إلى أنهم غير معاقبين،
وليسوا من أهل النار، فما بالنا بمن لم يكن في عصره رسول، وبالأخص منهم: والدا
النبي صلى الله عليه وسلم؟! فلا بد إذا من تناول الموضوع في ظل ما ذكرنا من قواعد،
ونصوص محكمة.
سخافة بعض من يطرحون الموضوع
يأتي هنا ما ذكرناه من السياق، والأدب في
التناول للموضوع، فلا أدري لماذا يصر البعض على تناول الموضوع بسوء أدب، وفضاضة،
وتجاوز، وهو موضوع ليس من أصول الإيمان، ولو عاش الإنسان ومات ولا يعلم مصير أبوي
النبي صلى الله عليه وسلم فلن يقل إيمانه، ولو علم فلن يزداد، وليس من المعلوم من
الدين بالضرورة، فالاستدعاء بغير سياق، مع عدم مراعاة الأدب عند الطرح يؤدي إلى
صورة لا تليق بالإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم.
لا شك أن الخبر الذي يقول: إن أبا محمد عليه الصلاة والسلام في النار خبر غريب في معناه، كما هو غريب في سنده، لأن الله تعالى يقول: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا وقد كان أبو محمد عليه الصلاة والسلام وأمه على فترة من الرسل، فكيف يعذبون؟!! إن هذا مخالف للحقائق الدينية، لقد مات أحدهما قبل أن يبرز الرسول إلى الوجود، وماتت الأخرى وهو غلام لم يبعث رسولا..
يقول الشيخ الغزالي: (وقد غاظني أن أحدهم
كان يطير في المجامع بحديث: "أبي وأبوك في النار"، وكأنما يسوق البشرى
إلى المسلمين، وهو يشرح لهم كيف أن أبوي رسولهم في النار!!
قلت: قبحك الله من داع أعمى البصيرة! ما
لديك من فقه الإسلام، ولا من أدب الدعوة.
وقد سمعت بأذني من يقول: الحديث صحيح، وهو
يخصص عموم الآية، فأهل الفطرة ناجون جميعا ـ عدا عبد الله بن عبد المطلب..!! قلت
له: ماذا فعل حتى يستحق وحده النار؟ كان عبد الله شابا شريفا عفيفا حكى عنه
التاريخ ما يزينه! ولم يحك عنه ما يشينه! والآية خبر لا يتحمل استثناء، فما حماسكم
في تعذيب الله؟ وما جريكم هنا وهناك بهذه الشائعة؟ وماذا وراء تأكيدكم أن أبوي
الرسول في النار..! إنني أشم رائحة النيل منه في هذا الحماس الأعمى!!).
ويقول العلامة محمد أبو زهرة في حديثه عن
الموضوع: (ولا شك أن الخبر الذي يقول: إن أبا محمد عليه الصلاة والسلام في النار
خبر غريب في معناه، كما هو غريب في سنده، لأن الله تعالى يقول: وَما كُنَّا
مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا وقد كان أبو محمد عليه الصلاة والسلام وأمه
على فترة من الرسل، فكيف يعذبون؟!! إن هذا مخالف للحقائق الدينية، لقد مات أحدهما
قبل أن يبرز الرسول إلى الوجود، وماتت الأخرى وهو غلام لم يبعث رسولا، ولذلك كان
الخبر الذي يقول أنهما في النار مردودا لغرابة سنده، أولا، ولبعد معناه عن الحقيقة
ثانيا.
ولعل نهي النبى عليه الصلاة والسلام عن
الاستغفار، لأن الاستغفار لا موضع له، إذ أنه لم يكن خطابا بالتكليف من نبى مبعوث،
وليس كاستغفار إبراهيم لأبيه الذي نهى عنه، لأن أبا إبراهيم قد خوطب برسالة
إبراهيم فعلا، فهو مكلف أن يؤمن بالله، ويكفر بالأوثان.
وفي الحق أني ضرست في سمعي وفهمي عندما
تصورت أن عبد الله وآمنة يتصور أن يدخلا النار؛ لأن عبد الله الشاب الصبور الذي رضي بأن يذبح لنذر أبيه، وتقدم راضيا، ولما افتدته قريش استقبل الفداء راضيا، وهو
الذي كان عيوفا عن اللهو والعبث، وهو الذي برزت إليه المرأة تقول هيت لك، فيقول
لها أما الحرام فالممات دونه، ولماذا يعاقب بالنار، وهو لم تبلغه دعوة رسول، ونفى
الله تعالى العذاب إلا بعد أن يرسل رسولا، ولما تكن الرسالة قد وجدت، ولم يكن
الرسول قد بعث.
وأما الأم الرؤوم الصبور التي لاقت الحرمان
من زوجها فصبرت، ورأت ولدها يتيما فقيرا، فصبرت، وحملته صابرة راضية في الذهاب إلى
أخواله، أيتصور عاقل أن تدخل هذه النار من غير أن يكون ثمة رسالة تهديها ودعوة إلى
الواحدانية توجهها.
إني ضرست لا لمحبتي للمصطفى الحبيب فقط وإن
كانت كافية، ولكن لأن قصة آمنة جعلتني لا أستطيع أن أتصور هذه الصبور معذبة
بالنار، وقد شبهتها بالبتول مريم العذراء، لولا أن الملائكة لم تخاطبها).
[email protected]