الإنسان كثيرا ما تحكمه مشاعره، ونوازعه،
بغض النظر عن صحة أو خطأ هذه المشاعر، ومن ذلك: أنه لا يحب المكان الذي هزم فيه،
أو المكان الذي حدث له فيه حادث جلل، سواء حادث شخصي، أو جماعي، فالأمم تكره
المعارك التي تهزم فيها، وتكره المواضع التي منيت فيها بالهزيمة، أو النكبة، تلك
طبيعة في كثيرين من الخلق.
فما بالنا بمعركة مني فيها المسلمون بأول
هزيمة، واستشهد فيها - لأول مرة في
تاريخ الإسلام – سبعون صحابيا، ثم كان على
رأسهم الحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه أسد الله ورسوله، وكانت من النوادر في
غزواتهم مع المشركين وغيرهم، أن تم التمثيل بجثث شهدائهم بشكل بشع، لم يعهده
المسلمون في معاركهم، من قبل أو من بعد.
كل ذلك تم في غزوة: (أحد)، وسبب الهزيمة: أن
خالف الرماة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعرض النبي صلى الله عليه وسلم
نفسه، لبعض الجراح البدنية، فضلا عن الآلام النفسية الكبيرة، كل ذلك كان كفيلا بأن
يحدث في النفس والقلب صدودًا من اسم
جبل أحد، ومن الغزوة واسمها وزمانها.
تلك طبيعة النفس البشرية، ولا ملام عليها
حينذاك، فالنفس حين تترك لطبائعها دون شريعة أو دين يملي عليها الصواب والخطأ،
تفعل ما تمليه عليها نزعاتها ورغباتها، أو ما تمليه عليها ثقافتها وبيئاتها
وأعرافها.
إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم فاجأ
الشعور العام لدى البيئة العربية بنظرته لجبل أحد، فقد كان في إحدى سفراته فقال:
هذا أحد، جبل يحبنا ونحبه. وكنت أتصور أن هذا النص قد مر على تراثنا دون سبر
لأغوار معانيه المترامية، لكن علماءنا القدامى والمعاصرين التفتوا إليه من زوايا
عدة مهمة، وكل نظر إليه من زاوية عند جمعها تضع تصورا رائعا عن مشهد من مشاهد
السيرة النبوية، وقفت الذهنية عند لحظة واحدة مرتبطة به، وهي مشهد غزوة أحد.
تأملات علماءنا للحديث:
أما ابن قتيبة رحمه الله فنظر للنص من زاوية
مهمة في إطار أن المقصود بالجبل أهله، وأما القنازعي فذهب أيضا للجمع بين حب
الجبل، وحب أهله؛ وهم الأنصار، فقال: (وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "هذا جبل
يحبنا ونحب"، يعني: هذا جبل يحبنا أهله، وهم الأنصار الساكنون بجبل أحد،
وكانوا يحبون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويحبهم هو، وقد يجوز أن تكون
المحبة للجبل نفسه، كما يكون منه التسبيح، قال الله -عز وجل-: (وإن من شيء إلا
يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) الإسراء: 44.
فكما يسبح الجبل كذلك تكون له محبة، وقد قال
النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لجبل أحد إذ تحرك به وبأصحابه: "اسكن أحد،
فإنما عليك نبي، وصديق، وشهيد"، وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبو بكر
وعمر، فخاطب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الجبل مخاطبة من يعقل، فكذلك يكون
له محبة، وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحب الأنصار، لأنهم آووه، ونصروه،
وقاموا بالإسلام).
وأما ابن عبد البر، فذهب لمعاني تؤكد ما سبق
ذكره عند علماء آخرين، وزاد معنى آخر مهما، وهو: الدلالة على قرب الوصول للمدينة،
وهي مستقره صلى الله عليه وسلم، وأما الإمام القرطبي فنظر نظرة من وجه عدة للحديث
سواء على المجاز أو الحقيقة، أو المعجزة، فقال: (وقوله لأُحُدٍ: هذا جبل يحبنا
ونحبه، ذهب بعض الناس إلى أن هذا الحديث محمول على حقيقته، وأن الجبل خُلِق فيه
حياة ومحبَّة حقيقية. وقال: هو من معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا لا
يصدر عن مُحقق؛ إذ ليس في اللفظ ما يدل على ما ذكروا، والأصل بقاء الأمور على مستمر
عاداتها حتى يدل قاطع على انخراقها لنبي أو ولي على ما تقرر في علم الكلام.
وإمَّا مِن باب الاستعارة؛ أي: لو كان ممن
يعقل لأحبنا. أو على جهة مطابقة اللفظ اللفظ. أو لأنه استُشهد به من أحبَّه النبي
- صلى الله عليه وسلم - كحمزة وغيره من الشهداء الذين استشهدوا به يوم أحد رضي
الله عنهم).
نظرات المعاصرين للحديث:
ولم أجد فيما اطلعت من المعاصرين من تعرض
لهذا النص النبوي، سوى اثنين من العلماء المعاصرين، وهما: الشيخ أحمد حسن
الباقوري، والدكتور يوسف القرضاوي، الأول، في كتاب عن السيرة النبوية، والآخر في
كتاب عن البيئة.
يقول الباقوري: (معنى كلمة (أحد)، وهو الجبل
المعروف بالمدينة، وربما سمي بهذا الاسم لتوحده وانقطاعه عن جبال أخر هنالك. وقد
قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه جبل يحبنا ونحبه". والرسول
يريد بهذا الحديث أهل الجبل وهم الأنصار، فأطلق الجبل وأراد مجاوريه على سبيل
التوسع في لغة العرب.
وقد كان صلوات الله عليه يحب الاسم الحسن،
ولا أحسن من اسم مشتق من الأحدية. وقد سمي هذا الجبل بهذا الاسم، تقدمة لما أراده
الله سبحانه من مشاكلة، اسمه ومعناه، إذ كان أهله وهم الأنصار قد نصروا التوحيد،
والمبعوث بدين التوحيد استقر عنده حيا وميتا. وكان من عادته صلوات الله عليه أن
يستعمل الوتر ويحبه في شأنه كله، استشعارا للأحدية، فقد وافق اسم هذا الجبل أغراضه
عليه السلام ومقاصده).
يقول الباقوري: (معنى كلمة (أحد)، وهو الجبل المعروف بالمدينة، وربما سمي بهذا الاسم لتوحده وانقطاعه عن جبال أخر هنالك. وقد قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه جبل يحبنا ونحبه". والرسول يريد بهذا الحديث أهل الجبل وهم الأنصار، فأطلق الجبل وأراد مجاوريه على سبيل التوسع في لغة العرب.
أما القرضاوي فقد نظر لزاوية مختلفة تماما
عمن سبقوه، تلتقي في بعضها وتختلف في أخرى، وهي متعلقة بعلاقة المسلم بالبيئة
والكون من حوله، وبخاصة في زمن طغت فيه الفلسفة الغربية، والتي في مفرداتها في
العلاقة مع الكون، وهي علاقة صدامية، فقال: (من أجمل ما جاء به الإسلام في علاقة
الإنسان بالبيئة وبالكون عامة من حوله: إنشاء عاطفة الود والحب لما حول الإنسان من كائنات جامدة
أو حية، فالأحياء والدواب والطيور يراها أمما أمثالنا، لكل أمة خصائصها وطرائقها،
كما نبه على ذلك القرآن الكريم بقوله: (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير
بجناحيه إلا أمم أمثالكم) الأنعام: 38.
وغير الأحياء من الكائنات يراها ساجدة مسبحة
لله تعالى، كما قال تعالى: (ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض
والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس) الحج: 18. فلا عجب
أن يضمر لهذه الكائنات الساجدة المسبحة لله: الود والحب، لأنها تعبد الله، كما
يعبده هو.
وقد عبر النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا
الود، وهذا الأنس بهذه المخلوقات بهذا الحديث الرائع الذي قاله، وهو عائد إلى
المدينة من غزوة تبوك، وقد أشرف على المدينة، ولاح له جبل أحد، فقال: "هذه
طابة، وهذا أحد، جبل يحبنا ونحبه"!
هذا مع أن الجبل وقعت بجواره غزوة أحد، التي
استشهد فيها سبعون من المسلمين، على رأسهم عمه حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد
رسوله، وربما لو كان أحد غيره لتشاءم من هذا الجبل، ولكنه عبر عن عاطفته نحوه بهذه
الجملة المبينة الرائعة: (يحبنا ونحبه)، فكأنما جعل من الجبل كائنا حيا عاقلا له
قبل يحس ويحب، فلم يكتف بأنه يحب أحدا، بل قال عن الجبل: (يحبنا) فما أجملها
وأروعها وأصدقها من علاقة. فأي أنس
بالبيئة، وأي إيناس لها أوضح مما دل عليه هذا التعبير النبوي الجميل).
ويقول الدكتور عبد الوهاب الطريري: (وقد
ارتبط ذكر جبل أحد بغزوة أحد التي جرت في سفحه، فقد كان الحصن الذي تبوأه النبي
صلى الله عليه وسلم في بداية
المعركة، ثم كان القلعة التي احتمى بها صلى الله عليه
وسلم في نهاية المعركة حين أوى إلى شِعْبه.
ومع الذكرى المريرة للمصيبة التي أصيب بها
النبي صلى الله عليه وسلم عند أحد، إلا أنه لم يجعل المصيبة عنده ذكرى شؤم، فقد
بقي يذكره بحب، ويتبادل معه الحب، ويستبشر بمرآه على المدينة).
غزة تحبنا ونحبها
وما يمكن أن نضيفه هنا لما قاله علماؤنا
الأجلاء قديما وحديثا، أن الحديث هنا في نظرته الواسعة، تبين مدى أنس النبي صلى
الله عليه وسلم بالكون من حوله، بكل مكونات هذا الكون، من الإنسان، والحيوان،
والجماد، فهو متصالح تماما معه، ولذا وجدنا نظرته لكل هذه المكونات نظرة تقدير،
ونظرة رعاية، ونظرة حب لا بغض، ومن ذلك تسمية حيواناته، وإبله، وسيوفه بأسماء
معينة. بل نهيه عن لعن ما في الكون، إنسانا كان أو حيوانا أو جمادا، معنويا كان أم
حقيقيا، فنهى الإسلام عن سب الدهر.
ويمكننا الانطلاق من هذا المعنى بالنظر لغزة
وما حدث فيها، فلا ترتبط في أذهان الناس بما يعانونه من مأساة، أو مجازر غير
مسبوقة، بل يزداد حب كل ثرى غزة في قلوب أهلها، وقلوب المسلمين والأحرار في كل
العالم، فننهل من نظرة النبي صلى الله عليه وسلم لأحداث سيرته، بما يعيننا في
أحداث حياتنا.
[email protected]