في كل عام تحدث معركة كلامية، وجدل وبلبلة،
تتعلق بثلاثة أهلة:
هلال رمضان، وهلال شوال، وهلال ذي الحجة، وللأسف لا تزال هذه
المعارك مستمرة، رغم محاولات كثيرة مضنية من جهات علمية وفقهية، لمحاولة تقليل هذا
الخلاف، وإنهاء هذه المعارك، والتي تحدث في المجتمع الواحد للأسف، وتحدث أكثر في
مجتمعات المسلمين في البلاد الأوربية والغربية.
في يوم التاسع والعشرين من شعبان، وقد سعت
بعض الدول العربية لاستطلاع هلال رمضان، وإذ بدول عربية تعلن أن الأربعاء هو أول
أيام رمضان، ودول أخرى أعلنت أنه الخميس، جاءتني عشرات الاتصالات، والتي كانت
معبرة عن جموع خلفها من المسلمين، كان السؤال الوحيد: مع من نصوم عند اختلاف
الرؤى؟! والغريب أن كل الاتصالات معظمها من المسلمين المتواجدين في الغرب.
لقد سعى العلماء المعاصرون، وسعت مراكز إسلامية وجهات علمية وفقهية، لتقليل مساحة الاختلاف والبلبلة التي تحدث كل عام، فقاموا بإنشاء المجلس الأوربي للبحوث والإفتاء، والذي كان يرأسه لسنوات طويلة العلامة المرحوم الشيخ يوسف القرضاوي، وكان أول مهام هذا المجلس: حل مشكلات المسلمين في الغرب، بحلول تنبع من شريعتهم، وفقههم.
وما زاد من البلبلة والجدل، أن مثل هذه
المجتمعات لا ينتسبون لجنسية واحدة، رغم حمل كثير منهم لجنسية البلد الغربي الذي
يقيم فيه، فهو يذهب لهذه البلدان ويظل متعلقا ببعض الممارسات المرتبطة بهذه
البلدان، وهو ما لا يستقيم شرعا ولا حياة، فلكل مكان وزمان حكمه وفتواه.
وزاد من الخلاف أكثر، أن بعض المساجد في هذه
البلدان، لم تقدم فقه المكان والزمان في الغرب، بل راحت تتبع
رؤية بلدان أخرى، لا
يربط بينهما مطلع جغرافي واحد، ولا قريب، فمنهم من أراد الصوم مع السعودية، ومنهم
من أراد الصوم مع بلدان أخرى عربية، ولا أدري ما وجه العلاقة بين هذه البلدان
والبلدان الغربية التي يقيم فيها هؤلاء المسلمون.
وهذه البلبلة تزداد أكثر في هلال العيد، حيث
يحدث نفس الخلاف، ونرى صلوات عيد في يومين مختلفين، لاختلاف الرؤية أيضا، ولتعصب
البعض لبلدان عربية، وهو كلام لا يستقيم كما ذكرنا لا شرعا ولا عرفا، ولا عقلا
ومنطقا، فإن المسلم في هذه البلدان يصلي حسب مواقيت البلد الذي يقطنه، ويراعي فروق
التوقيت بين مدينة وأخرى في نفس البلد الغربي! وكذلك ساعات صومه وفطره، فهو يصوم
على فجر البلد الذي يسكنه، ويفطر على مغربه كذلك، فلماذا يربط نفسه برؤية بلد لا
يرتبط بأحكامه صلاة وصوما.
لقد اختلف الفقهاء قديما وحديثا في الأخذ
بالحساب الفلكي، وذلك لشكوك ارتبطت بعلم الفلك قديما، وما لحقه من سمعة شوهته،
والخلط بينه وبين علم التنجيم والأبراج، ولكن العلم الآن أصبح له شأن كبير، والناس
تأخذ به في صلواتها، وهو ما اقتنع به كثير من المجامع الفقهية، بأنه على الأقل
يؤخذ بالحساب الفلكي في النفي، فإذا أخبرنا الفلك: أن الهلال يستحيل رؤيته في هذا
اليوم، فلا نسلم لأي أحد ادعى رؤيته.
وما كان يسوقه المانعون للأخذ بعلم الفلك
وحساباته من أدلة، لا تصلح لأن تكون دليلا شرعيا لا ينتقد، فحديث: "نحن أمة
أمية لا نكتب ولا نحسب"، هو حديث يصف واقع الأمة، ولا يأمر بذلك، وقد تحول
حال الأمة إلى الكتابة والحساب، وقوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه)،
فالشهود هنا مقصود به: دخول الشهر، وليس معناها أن كل شخص يراه، وهكذا كل الأدلة
التي سيقت للمنع، كلها مردود عليها.
لقد سعى العلماء المعاصرون، وسعت مراكز
إسلامية وجهات علمية وفقهية، لتقليل مساحة الاختلاف والبلبلة التي تحدث كل عام،
فقاموا بإنشاء المجلس الأوربي للبحوث والإفتاء، والذي كان يرأسه لسنوات طويلة
العلامة المرحوم الشيخ يوسف القرضاوي، وكان أول مهام هذا المجلس: حل مشكلات
المسلمين في الغرب، بحلول تنبع من شريعتهم، وفقههم.
ما كان يسوقه المانعون للأخذ بعلم الفلك وحساباته من أدلة، لا تصلح لأن تكون دليلا شرعيا لا ينتقد، فحديث: "نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب"، هو حديث يصف واقع الأمة، ولا يأمر بذلك، وقد تحول حال الأمة إلى الكتابة والحساب، وقوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه)، فالشهود هنا مقصود به: دخول الشهر، وليس معناها أن كل شخص يراه، وهكذا كل الأدلة التي سيقت للمنع، كلها مردود عليها.
وكذلك في أمريكا تم إنشاء مجلس شبيه به،
وكلا المجلسين يقوم على الاجتهاد لقضايا المسلمين في الغرب، علماء يجمعون بين فقه
الشريعة، ومعرفة الواقع المعيش، ويجتهدون في هذه المسائل، ليجمع المسلم بين
التزامه بقوانين هذه البلدان، وأن يكون مواطنا صالحا في المجتمع، وكذلك ملتزما
بتعاليم دينه، وفق معادلة أعلن عنها كثيرا القرضاوي بقوله: نريد مسلما يحقق هذه
المعادلة: تمسك بلا انغلاق، وانفتاح بلا ذوبان.
ومع ذلك رغم سعي هذه المؤسسات لتضييق مساحة
الخلاف في مسألة رؤية الهلال، إلا أن كثيرا من الناس لا يزال مع الانفتاح الهائل
عبر الانترنت، يتأثر بما يثار، ويتحير هنا وهناك، وقد كان من المفترض أن وجود مثل
المجلس الأوربي يكفي الناس مؤونة السؤال عن هذا الموضوع، ويتم تبني ما يعلنه من
رأي، وبخاصة أنها مسألة اجتهادية، وإذا تبعه الناس في ذلك، فلن يضرهم شيئا، بل
بالعكس تتحقق بذلك مصالح كبرى، من أهمها: وحدة التوجه الإسلامي في المكان الواحد،
وينهي مظهرا من مظاهر الاختلاف أمام المجتمع الأوربي.
لا بد للمسلمين في المجتمعات الأوروبية، من
زيادة الوعي بهذه القضايا الفقهية، التي يجهل الكثير منهم كيفية التعامل معها، ولا
بد للمجلس الأوروبي وغيره من المجالس المعنية بهذه الأمور من بذل مزيد من الوعي،
ومزيد من الانتشار عبر وسائل التواصل، سواء عن طريق علمائه وأعضائه، أو عن طريق
المراكز التي تتبعه، أو تستقي الفتوى منه.
أما المسلم المقيم في أوروبا، فيمكنه إذا
اقتنع برؤية بلد، أن يكون ذلك في خاصة نفسه، لكن مجموع الناس لا بد له من رأي
موحد، وهو ما يعاني منه الكثيرون للأسف، أن كل مسجد، وكل مركز، وكل إمام في هذه
المساجد، يتخذ رأيا مخالفا للمسجد الآخر، وهو ما يزيد من الخلاف، ويزيد من التشرذم.
فإذا أفتى العلماء من قبل أن من رأى الهلال
وحده، ولم يره الحاكم، أو السلطة، وأعلنت برؤية مخالفة، فرؤيته تلزمه وحده، وإذا
صام أو أفطر لا يعلن بذلك، حتى لا يحدث بلبلة أو فتنة بين الناس، فما بالنا ولا
أحد من هؤلاء رأى، ولا لديه أدوات للرؤية، لكنه ناقل لرؤية آخرين، وربما تدخلت
فيها أهواء سياسية، كما يحدث في بعض المواقف لبعض الدول العربية، في هلال رمضان،
وهلال شوال، وهلال ذي الحجة كذلك!!
منذ سنوات طويلة سعى الدكتور نصر فريد واصل،
حين كان مفتيا لمصر، لعمل مرصد إسلامي موحد، وسعت تركيا لعمل مؤتمر فقهي للوصول
لرؤية موحدة، ولكنها كلها جهود تتحرك ثم تقف، ربما تدخلت السياسة كذلك فأوقفت
الجهود، أو حالت دون الوصول لرؤية موحدة للجميع، وهو واجب مطلوب، إذا كانت هذه
الدول تتحد جهودها في المعلومات الأمنية، رغم ما بين الدول من عداء وخلاف، وإذا
توحدت دول دارت بينها حروب عالمية، هلك فيها ملايين البشر، فصنعوا اتحادا أوروبيا،
وعملة موحدة، وحدود زالت، فكيف بأمة مسلمة لا تستطيع أن توحد يوم صومها وفطرها
وأضحاها؟!
وإذا تعذر ذلك على الحكام، وعلى بلدان
عربية، فليس أقل من أن يتوافق المسلمون في المجتمعات الغربية، على صيغة تقرب
الرؤى، لا أن نرى مثل هذا الاختلاف، والذي لا يبنى على رؤية علمية، بل على هوى
وأمزجة في بعض الأحيان، نتمنى أن يصل المسلمون في هذه المجتمعات إلى فقه الائتلاف
لا الخلاف.
[email protected]