استنساخ مأساة غزة في جنوب لبنان

هاني بشر
"إخلاء، أو بالأحرى نزوحٍ قسري للسكان، في انتهاك صارخ يعد جريمة حرب"- إكس
"إخلاء، أو بالأحرى نزوحٍ قسري للسكان، في انتهاك صارخ يعد جريمة حرب"- إكس
شارك الخبر
في خضم الحروب الكبيرة، تنصرف الأذهان عن مآسي حروب أصغر حجما، وفي ظل انشغال العالم بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وشظاياها التي طالت دول الخليج العربي، يزحف الجيش الإسرائيلي متوغلا في جنوب لبنان، ليعيد إنتاج مأساة أوائل الثمانينيات، ولكن في ظروفٍ سياسية مختلفة وسياقٍ إنساني متشابه.

كنا نعتقد أن العالم، الذي لم يفق بعد من صدمة الحرب على غزة وبشاعتها، والتي قوضت الأوضاع الإنسانية هناك، سيسعى إلى فرملة إسرائيل ووقفها عند حدها، فإذا بوزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، يقول بكل وقاحة إنه يريد السيطرة على أراض شاسعة من لبنان مثلما تسيطر إسرائيل على 55 في المئة من قطاع غزة.

وهذا ليس كلاما أجوف؛ إذ تؤكده الوقائع العسكرية والميدانية على الأرض، من خلال توغل مستمر للقوات الإسرائيلية، يترافق مع إخلاء، أو بالأحرى نزوحٍ قسري للسكان، في انتهاك صارخ يعد جريمة حرب. ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يمتد إلى تدمير البيوت ومقدرات المواطنين اللبنانيين في الجنوب. وقد ذكرت القناة 12 الإسرائيلية الأسبوع الماضي أن إسرائيل تعتزم احتلال الخط الأول من القرى في جنوب لبنان، تحت ذريعة إطلاق صواريخ منها. وقد بدأت إسرائيل بالفعل في توجيه إنذارات بالإخلاء لسكان مناطق معشوق وصور وبرج الشمالي، في مشهد يعيد إلى الأذهان ما جرى في غزة.

الذي يحدث حاليا في الجنوب اللبناني من إعادة احتلال يسير بخطى بطيئة؛ إذا مر مرورا عاديا سيكون مرشحا للتكرار ليس في أجزاء أخرى من لبنان وإنما في أجزاء جديدة من العالم العربي. فغزة التي لا تزال تنزف حاليا يراد لها أن تكون حالة طبيعية مقبولة يمكن تكرارها

يبدو أنه يراد تصدير نموذج غزة، ليس فقط عبر التصريحات الرسمية، بل أيضا من خلال التحركات العسكرية على الأرض في لبنان، وتحديدا في الجنوب. بل إن الأمر قد يكون أكثر خطورة، إذ إن الإنذارات التي وصلت إلى السكان تتحدث عن إخلاء لأجل غير مسمى، وهو ما يعكس احتمال استنساخ تجربة الاحتلال الإسرائيلي طويل الأمد والذي استمر 22 عاما في جنوب لبنان.

لا يبدو أن هناك هدفا ميدانيا واضحا منطقيا للقوات الإسرائيلي في جنوب لبنان من خلال البيانات والتصريحات الرسمية، فالغموض هو سيد الموقف، وهو ما يثير مخاوف إضافية حول طبيعة المرحلة المقبلة. فغياب الوضوح في الأهداف غالبا ما يكون مؤشرا على نوايا مفتوحة، قد تتجاوز مجرد العمليات العسكرية المحدودة إلى إعادة رسم واقع ميداني جديد.

إن تكرار السيناريو الغزّيّ في جنوب لبنان لا يعني فقط توسيع رقعة الصراع، بل يهدد أيضا بإعادة إنتاج كوارث إنسانية جديدة تحت ذريعة محاربة حزب الله. وقد صرح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بوضوح قبل أسبوعين بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد يرتكب جريمة إبادة جماعية في لبنان. وهذا أخطر تصريح يصدر من مسئول رسمي حول الوضع في لبنان.

في أوائل الثمانينات كانت الذريعة هي المسلحين الفلسطينيين ولم يكن هناك وقتئذ حزب الله، أي أن ما يحدث لا يمكن اختزاله في صراع بين حزب الله المدعوم من إيران وبين إسرائيل. ومهما كانت حدة الاستقطابات السياسية والحزبية في الداخل اللبناني، فإنه حتى مع غياب حزب الله تماما عن المشهد فإن الوضع غير الشرعي وغير القانوني لإسرائيل في الجنوب سيفرز أشكالا أخرى من المقاومة.

وهذا الذي يحدث حاليا في الجنوب اللبناني من إعادة احتلال يسير بخطى بطيئة؛ إذا مر مرورا عاديا سيكون مرشحا للتكرار ليس في أجزاء أخرى من لبنان وإنما في أجزاء جديدة من العالم العربي. فغزة التي لا تزال تنزف حاليا يراد لها أن تكون حالة طبيعية مقبولة يمكن تكرارها، وهي النموذج التطبيقي العملي لنوايا إسرائيل في تعاملها مع المحيط الجغرافي العربي القريب والبعيد.

x.com/HanyBeshr


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل