مع
إشراقات الصباح الأولى في سماء
غزة، اعتاد النازحون وسط الخيام المتراصة في قطاع
غزة التحلق حول جهاز راديو صغير أملا في التقاط بعض الموجات الإذاعية لمعرفة ما
يجري في غزة والعالم من حولهم. هذا الراديو هو كل ما تبقى لديهم من أجهزة للإعلام
في عصر الخوارزميات والذكاء الصناعي والثورة الرقمية الحديثة. فالإذاعة كغيرها من وسائل
الإعلام هي أداة للتواصل والاتصال بين الأفراد والمجتمعات قبل أن تكون أداة
للترفيه، والحاجة للاتصال والتواصل بين البشر باقية ما بقي البشر أنفسهم، وحين
تضيق بالناس سبل التواصل والاتصال يلجؤون لحلول بديلة للتغلب على هذه الصعوبات،
تماما كما فعل أهل غزة حين اختفت الكهرباء والإنترنت وبالتالي صعب الاعتماد على
التلفزيون والكومبيوتر كأدوات للتواصل والاتصال؛ هنا تظهر الإذاعة كبديل ومنقذ
لمهمة الإعلام في خطوة أعادت إلى الأذهان دول الإذاعة في الحرب العالمية الثانية.
يتزامن
اليوم العالمي للإذاعة الموافق 13 شباط/ فبراير من كل عام مع دور متعاظم للإذاعة
في حرب غزة، وليجيب أيضا عن سؤال غفل عنه كثيرون: فإذا كان العالم يتابع لحظة
بلحظة ما يدور من حرب مروعة وانتهاكات في قطاع غزة عبر الهواتف المحمولة وشاشات
التلفزيون، فكيف يتابع أهل غزة أنفسهم ما يجري حولهم، خاصة وأن وسائل الإعلام
الحديثة كلها تحتاج إلى كهرباء وشحن، وهذه كلها أمور عزيزة جدا في غزة، حيث لا
يملك معظم الغزيين رفاهية الوصول إليها؟
إذا كان العالم يتابع لحظة بلحظة ما يدور من حرب مروعة وانتهاكات في قطاع غزة عبر الهواتف المحمولة وشاشات التلفزيون، فكيف يتابع أهل غزة أنفسهم ما يجري حولهم
إن
متابعة المواطن الغزاوي لمجريات ما يجري حوله تختلف عن متابعة بقية الجمهور خارج
غزة، فالمعلومة بالنسبة له غالية ونفيسة لأنه سيترتب عليها نزوحه من مكان لآخر أو
معرفة أين مكان الغذاء والدواء. كما تحتاج أي سلطات محلية لمثل هذه الوسيلة
لمخاطبة الجمهور المحلي لإرسال التحذيرات ومكافحة الأوبئة والشائعات. أي أن مقومات
الحياة الأساسية والنجاة من كثير من المخاطر تعتمد على ما يتوافر لديه من معلومات،
وهي نوع أخرى من الحرب التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة تتمثل في الحرب على حق
الفلسطيني في المعرفة والمعلومة.
كانت
قناة الجزيرة سبّاقة في بث إرسالها التلفزيوني عبر موجات الإذاعة في غزة منذ بداية
العدوان الإسرائيلي عام 2023، وهي استثناء من الأصل؛ وهو أن الجميع نسى حق أهل غزة
في المتابعة الإعلامية والمعرفة والمتابعة. وقد استأجرت القناة ترددا محليا في
مدينة الخليل لضمان وصول خدمة البث الإذاعي لأهالي غزة بسبب القرب الجغرافي، لكن
للأسف الشديد توقفت هذه الخدمة بسبب إغلاق مكتب القناة في رام الله.
كما
توقفت أيضا الإذاعات التي كانت تبث من غزة بسبب الحرب بشكل شبه كامل، وباءت
محاولات البث بإمكانيات محدودة بالفشل بسبب الظروف التي يمر بها القطاع، ولم يبق
لأهالي القطاع المحاصر سوى بعض الإذاعات المحلية من الضفة الغربية. وقبل أيام قرأت
عن انطلاقة مبادرة إذاعة "هنا غزة" كمحاولة لكسر هذه العزلة الإعلامية
عن القطاع غزة، وهي مبادرة كريمة ومبشرة نتمنى أن يكتب لها الاستمرار والنجاح.
إن
دور الإذاعة في غزة حاليا هو جزء من دور الإذاعة في الكوارث والحروب، وهو جزء لا
يتجزأ من العمل الإغاثي والنشاط العام وقت الأزمات. كما أنه دال وكاشف عن أن وسائل
الإعلام تكمل بعضها بعضا ولا يمحو بعضها البعض، فقد تضطرنا الظروف السياسية أو
العسكرية أو البيئية للعودة إلى وسائل كنا نظن أنها انتهت وعفا عليها الزمن. وهذا
يكشف أيضا عن حاجة قطاع غزة لوسائل
اتصال وتواصل
محلية لا تقل أهمية عن حاجته للغذاء والدواء وإعادة الإعمار.
x.com/HanyBeshr