لبنان: ضرورات الأنظمة وخيارات الشعوب في ظل ضيق الأفق

محمد موسى
"أي تصعيد غير محسوب قد يفتح الباب أمام حرب شاملة ذات كلفة تدميرية عالية على لبنان"- جيتي
"أي تصعيد غير محسوب قد يفتح الباب أمام حرب شاملة ذات كلفة تدميرية عالية على لبنان"- جيتي
شارك الخبر
في لحظة إقليمية تتسارع فيها التحولات وتضيق فيها الهوامش إلى حدودها القصوى، يعود النقاش حول علاقة "ضرورات الأنظمة" بـ"خيارات الشعوب" بوصفه إطارا تفسيريا أساسيا لفهم ما يجري في لبنان. غير أنّ هذا النقاش لم يعد نظريا كما كان في السابق، بل بات محكوما بوقائع ميدانية ضاغطة، في ظل العدوان الإسرائيلي المستمر، وعجز دولي واضح عن فرض توازنات رادعة، ما يجعل كل الأطراف اللبنانية أمام معادلة قاسية تختزلها فكرة واحدة: إدارة الخسائر بدل صناعة الخيارات.

في هذا السياق، يقف الرئيس جوزيف عون على تقاطع دقيق بين متطلبات الدولة وإكراهات الواقع. فالرئاسة، بوصفها الموقع الجامع رمزيا، تجد نفسها مطالبة بالحفاظ على الحد الأدنى من تماسك المؤسسات، ومنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة لا يملك لبنان مقوماتها، في وقتٍ يتآكل فيه النفوذ السيادي تحت ضغط الوقائع العسكرية والاقتصادية. هذا التضييق لا يعكس فقط محدودية الأدوات، بل يعكس أيضا طبيعة المرحلة التي لم تعد تسمح برفاهية القرار المستقل الكامل، بل تفرض مقاربة براغماتية تحاول تأجيل الانفجار بدل منعه جذريا.

الحزب الذي راكم على مدى سنوات معادلة ردع في مواجهة إسرائيل، يجد نفسه اليوم أمام بيئة استراتيجية متحولة، حيث تتراجع فاعلية الردع التقليدي تحت ضغط المتغيرات الإقليمية والدولية

الحكومة، من جهتها، تتحرك ضمن الإطار ذاته، وإن بقدرة تنفيذية أكثر هشاشة. فهي محكومة بتوازنات داخلية معقدة، وبضغوط خارجية متشابكة، وبشارع يرزح تحت أعباء اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة. وعليه، فإن قدرتها على المبادرة تكاد تكون معدومة، لتتحول إلى إدارة يومية للأزمة، لا أكثر. هذا الواقع يعيد إنتاج معادلة تقليدية في الدول الهشة، حيث تصبح السلطة التنفيذية أداة لاحتواء التداعيات بدل أن تكون فاعلا في تغيير المسارات.

في المقابل، يواجه حزب الله تضييقا من نوع مختلف، لكنه لا يقل حدة. فالحزب الذي راكم على مدى سنوات معادلة ردع في مواجهة إسرائيل، يجد نفسه اليوم أمام بيئة استراتيجية متحولة، حيث تتراجع فاعلية الردع التقليدي تحت ضغط المتغيرات الإقليمية والدولية. إن أي تصعيد غير محسوب قد يفتح الباب أمام حرب شاملة ذات كلفة تدميرية عالية على لبنان، في حين أن أي انكفاء قد يُفسَّر كاختلال في ميزان القوة. هكذا يصبح القرار محكوما بحسابات دقيقة، تتجاوز البعد العسكري إلى البعد الوجودي للحاضنة الاجتماعية والبيئة الوطنية الأوسع.

أما على مستوى المجتمع، فإن شريحة واسعة من اللبنانيين تعيش حالة من الانكشاف المركّب، حيث تتقاطع المخاوف الأمنية مع الانهيار الاقتصادي، ومع فقدان الثقة بالمؤسسات. في هذا الإطار، لم تعد "خيارات الشعوب" تعبيرا عن قدرة فعلية على التأثير في القرار السياسي، بل تحولت إلى محاولة مستمرة لتفادي الأسوأ. إن هذا التحول يعكس اختلالا عميقا في العلاقة بين الدولة والمجتمع، حيث تفقد السياسة معناها كأداة تغيير، لتصبح مجرد إدارة للبقاء.

يزداد هذا المشهد تعقيدا مع العجز الدولي عن لجم إسرائيل، رغم وضوح المخاطر التي يحملها استمرار التصعيد. فالنظام الدولي، الذي يفترض به أن يشكل إطارا ناظما للصراعات، يبدو عاجزا عن فرض قواعد اشتباك مستقرة، أو تقديم ضمانات حقيقية تحول دون الانزلاق إلى مواجهة أوسع. هذا العجز لا يترك للبنان هامشا إضافيا للمناورة، بل يدفعه أكثر نحو موقع المتلقي لتداعيات صراع لا يملك أدوات التحكم به.

وحدة المؤسسة العسكرية تبقى الخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه، نظرا لدورها المحوري في منع التفكك وضبط التوازنات الداخلية

في ضوء ما تقدم، تتجدد فكرة "ضرورات الأنظمة وخيارات الشعوب" في صيغة أكثر حدة: الجميع محكوم بضرورات قاهرة، والجميع محدود الخيارات إلى درجة الاختناق. فلا الأنظمة قادرة على فرض مسارات حاسمة، ولا الشعوب قادرة على تعديل التوازنات القائمة، ما يخلق حالة من الجمود المتوتر، القابل للانفجار في أي لحظة. غير أنّ هذا الانسداد، على قسوته، يفرض في المقابل مجموعة من الثوابت التي لا تحتمل المساومة. وفي مقدمتها أن الصدام الداخلي لم يعد خيارا سياسيا يمكن النقاش حوله، بل خطرا وجوديا يهدد ما تبقى من الكيان.

إن السلم الأهلي، في هذه المرحلة، ليس مجرد قيمة أخلاقية أو شعار سياسي، بل هو شرط بقاء الدولة والمجتمع معا. كما أنّ وحدة المؤسسة العسكرية تبقى الخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه، نظرا لدورها المحوري في منع التفكك وضبط التوازنات الداخلية. وعليه، فإن الخلاصة التي تفرض نفسها ليست توصية سياسية بقدر ما هي تحذير وجودي: إن أي انزلاق إلى صدام داخلي، أو أي مساس بوحدة الجيش، لن يؤدي إلى إعادة تشكيل التوازنات كما يظن البعض، بل إلى انهيار شامل لا يُبقي ولا يذر. ففي لحظة كهذه، لن يبقى في لبنان ما يمكن الدفاع عنه أصلا؛ لا دولة تُحكم، ولا مقاومة تُمارَس، ولا شعب يصمد، ولا أرض تحمى.. كل عام وأنتم بظروف أحسن.. حمى الله لبنان وكل الأقطار العربية.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)