في ظلّ
التصعيد العسكري
المفتوح على
لبنان، والذي يتّسع نطاقه الجغرافي وشدّته يوما بعد يوم، يبرز سؤال
وجودي يتجاوز الحسابات العسكرية الآنية ليطال بنية الدولة والمجتمع: هل يتّجه هذا
المسار إلى تحويل لبنان إلى نموذج شبيه بقطاع
غزة، عبر التدمير المنهجي، وفرض
مناطق عازلة، ودفع السكان نحو النزوح والهجرة؟ أو أن لأمريكا دونالد ترامب رؤية
السلام عبر القوة المفرطة، ومن هنا جاء الحديث عن المفاوضات رغم أن الرئيس جوزاف
عون دعا إلى ذلك منذ زمن طويل وقوبل إسرائيليا بالتجاهل مراتّ!!
ما يعزّز هذا القلق من
المفاوضات التي قد تكون فخا يفجر بالداخل أنّ أي تفاهمات أو تهدئة بين الولايات
المتحدة وإيران -رغم ضبابيتها وضياع نسخها- لم تشمل لبنان بشكل واضح، ما جعله
عمليا خارج أي مظلة ردع أو احتواء، وكأنّه تُرك وحيدا في مواجهة آلة عسكرية أثبتت
تجارب سابقة أنّها لا تتقيّد بسقوف القانون الدولي.
التوسّع في ضرب العمق المدني يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت الغاية تتجاوز الضغط العسكري إلى إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والجغرافي، عبر خلق بيئة طاردة للسكان وخلق الفتنة داخليا والسعي لصيغة مفاوضات عنوانها ومضامينها تودي نحو صراع في الداخل اللبناني
في هذا السياق، لا يمكن إغفال
السوابق، سواء في غزة أو في جنوب لبنان خلال حروب سابقة، حيث اعتمدت
إسرائيل
استراتيجيات قائمة على "الأرض المحروقة" وتدمير البنى التحتية المدنية
لفرض وقائع سياسية وأمنية جديدة بالرغم من كل ما قدمته السلطة الفلسطينية!
إن الأحداث الأخيرة،
ولا سيما استهداف مناطق في بيروت ومحيطها وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا بين شهداء
وجرحى، تعكس تصعيدا نوعيا، ليس فقط في الأدوات العسكرية المستخدمة، بل في طبيعة
الأهداف أيضا. فالتوسّع في ضرب العمق المدني يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت الغاية
تتجاوز الضغط العسكري إلى إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والجغرافي، عبر خلق بيئة
طاردة للسكان وخلق الفتنة داخليا والسعي لصيغة مفاوضات عنوانها ومضامينها تودي نحو
صراع في الداخل اللبناني.
اقتصاديا، يأتي هذا
التصعيد في لحظة هشّة للغاية. فمنذ عام 2019، يعيش لبنان واحدة من أسوأ الأزمات
الاقتصادية في تاريخه الحديث، حيث فقدت العملة الوطنية أكثر من 90 في المئة من
قيمتها، وانهار النظام المصرفي، وتراجع الناتج المحلي من نحو 55 مليار دولار إلى
ما يقارب 20 مليار دولار فقط. ومع كل جولة تصعيد، تتفاقم الخسائر: شلل في القطاعات
الإنتاجية، تراجع في السياحة، ارتفاع إضافي في معدلات البطالة والفقر التي تجاوزت
بالفعل 70 في المئة وفق تقديرات دولية.
من الواضح أن ما يريده
الإسرائيلي بالرغم من حديث المفاوضات في هذا التوقيت المتزامن مع ما يجري في إسلام
آباد بين إيران وأمريكا جلي المعاني، وهو إما مفاوضات بشروط إسرائيلية أو الحديث
الإسرائيلي عن "منطقة عازلة" (buffer zone) بمنحى أكثر من مجرد إجراء أمني مؤقت؛ إذ قد يتحوّل إلى آلية قضم
تدريجي للأراضي، كما حصل في تجارب سابقة، مع ما يرافق ذلك من تهجير قسري للسكان.
الخشية كل الخشية في ظل هذه الفوضى الدولية والضغط العسكري وسياسات القضم الإسرائيلية غير المسبوقة من أن يتحول لبنان أو بعضه الى فلسطين جديدة، وأن يتحول شعبه أو جزء منه إلى فلسطينيين جدد
هذا السيناريو، إن تحقق، لا يعني فقط خسارة جغرافية، بل يفتح الباب أمام أزمة نزوح
لبنانية جديدة، ما يهدد بتفكيك ما تبقى من التوازنات الاجتماعية والاقتصادية.
في المقابل، يطرح غياب
المساءلة الدولية في ظل ما يجري علامة استفهام كبيرة. فرغم توثيق انتهاكات متكررة،
يبقى الردّ الدولي في كثير من الأحيان محدودا أو سياسيا، ما يعزّز شعور الإفلات من
العقاب، ويشجّع على استمرار العمليات دون رادع فعلي ويكون حديث المفاوضات ذرا
للرماد في العيون، فحذارِ الأزمنة الرمادية.
خلاصة القول، إنّ لبنان
يقف اليوم عند مفترق خطير: بين استمرار التصعيد الذي قد يدفع نحو سيناريو "غزّة
ثانية" بكل ما يحمله من دمار وتهجير، وبين إمكانية احتواء الانفجار عبر
تدخلات دولية جدية تفرض وقفا شاملا لإطلاق النار يشمل الأراضي اللبنانية، ولكن على
قاعدة المفاوضات بالطريقة الترامبية والشروط الإسرائيلية الذي يستغل كل هذا الواقع
العربي والدولي واللبناني الداخلي. إن الخشية كل الخشية في ظل هذه الفوضى الدولية
والضغط العسكري وسياسات القضم الإسرائيلية غير المسبوقة من أن يتحول لبنان أو بعضه
الى فلسطين جديدة، وأن يتحول شعبه أو جزء منه إلى فلسطينيين جدد، وبدل أن نعالج
نكبة نصبح أمام نكبتين والقاتل واحد والمستفيد واحد والغطاء والدعم أيضا من مكان
واحد!! نسأل الله السلامة..
[email protected]
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.