أزمة مصرف لبنان في ضوء كلام صندوق النقد: الحوكمة معركة وجود لحماية أموال اللبنانيين والدولة معا

محمد موسى
"حقوق الناس في المصارف ليست أرقاما قابلة للشطب ولا ودائع يمكن أن تذوب مع الوقت"- الأناضول
"حقوق الناس في المصارف ليست أرقاما قابلة للشطب ولا ودائع يمكن أن تذوب مع الوقت"- الأناضول
شارك الخبر
لم يعد ممكنا مقاربة أزمة مصرف لبنان باعتبارها مجرد أزمة سيولة أو انهيار مالي ناتج عن تراكم الدين العام وتراجع التدفقات النقدية، لأن ما كشفته تقارير صندوق النقد الدولي والتدقيقات المتتالية يؤكد أن جوهر الأزمة أعمق بكثير، ويتعلق ببنية الحوكمة نفسها داخل المصرف المركزي وآليات اتخاذ القرار والرقابة والإفصاح. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ بضخ الأموال ولا بإعادة هيكلة الأرقام فقط، بل يبدأ أولا بالحوكمة والشفافية ورفع الحصانات وتحديد الصلاحيات ومنع التجاوزات وإعادة بناء مفهوم المساءلة داخل المؤسسة النقدية الأكثر حساسية في الدولة اللبنانية. ذلك أن أي محاولة للإنقاذ المالي من دون إصلاح إداري وقانوني عميق ستبقى مجرد إعادة إنتاج للنموذج الذي قاد إلى الانهيار.

فالأرقام وحدها تكشف حجم الكارثة البنيوية التي أصابت لبنان. فمنذ انفجار الأزمة في عام 2019، فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 90 في المئة من قيمتها، فيما انكمش الناتج المحلي من نحو 55 مليار دولار قبل الأزمة إلى مستويات تدور حول 20 إلى 28 مليار دولار. كما تراجعت احتياطات العملات الأجنبية بصورة حادة، وتبخرت عشرات مليارات الدولارات من الودائع، في وقت تشير فيه التقديرات إلى فجوة مالية تتجاوز 70 مليار دولار داخل النظام المالي والمصرفي اللبناني.

الهندسات التي رُوّج لها على أنها أدوات استثنائية لحماية الاستقرار النقدي تحولت مع الوقت إلى نموذج مكلف لإخفاء الخسائر وتأجيل الانفجار، فيما كانت الفجوة المالية تتضخم داخل النظام المصرفي والدولة معا

أما القطاع المصرفي الذي كان يُقدَّم لعقود باعتباره أحد أعمدة الاقتصاد اللبناني، فقد تقلصت أصوله بشكل كبير بعد أن كانت تقارب 250 مليار دولار قبل الانهيار، فيما هبطت الودائع من نحو 170 مليار دولار إلى مستويات أدنى بكثير، مع استمرار القيود غير الرسمية على أموال المودعين.

لكن الأخطر من حجم الخسائر نفسها أن هذه الفجوة لم تكن نتيجة صدمة مفاجئة فقط، بل نتيجة نموذج إدارة سمح بتراكم المخاطر من دون رقابة فعلية. فالأزمة لم تكن فقط في السياسات النقدية التي اتُّبعت، بل في غياب التوازن المؤسسي داخل عملية اتخاذ القرار، بحيث تركزت السلطات النقدية والمالية بيد الحاكم ضمن نظام شديد المركزية وضعيف الرقابة الداخلية. ففي الوقت الذي يفترض فيه أن يشكّل المجلس المركزي هيئة رقابية وتقريرية مستقلة نسبيا، كان الحاكم نفسه يرأس المجلس ويملك التأثير الأكبر على جدول الأعمال والمعلومات والقرارات، ما جعل الفصل بين السلطة التنفيذية والرقابة شبه غائب عمليا. فهذه البنية سمحت بظهور ما يمكن وصفه بـ"شخصنة القرار النقدي"، أي انتقال السياسة النقدية من إطار مؤسساتي جماعي إلى إدارة ترتبط إلى حد كبير بخيارات فردية واسعة الصلاحيات. وهذا ما يفسّر كيف أمكن تمرير سياسات مالية ونقدية ضخمة، من بينها الهندسات المالية، من دون وجود آليات تدقيق مستقلة وقادرة على محاسبة القرار أو تقييم مخاطره بصورة شفافة.

فالهندسات التي رُوّج لها على أنها أدوات استثنائية لحماية الاستقرار النقدي تحولت مع الوقت إلى نموذج مكلف لإخفاء الخسائر وتأجيل الانفجار، فيما كانت الفجوة المالية تتضخم داخل النظام المصرفي والدولة معا. ومن هنا يأتي التركيز الدولي المتكرر على مسألة الإفصاح المحاسبي والشفافية المالية، لأن الأزمة لم تكن فقط في الخسائر بل أيضا في طريقة عرضها وإدارتها داخل البيانات المالية. فعندما يُطرح ملف ضعف الشفافية، فهذا يعني أن جزءا من العمليات والالتزامات لم يكن يظهر بالصورة الكاملة التي تسمح للأسواق والرأي العام والجهات الرقابية بفهم الحجم الحقيقي للمخاطر. وهذا الأمر ضرب صدقية مصرف لبنان داخليا وخارجيا، لأن الثقة بالمصارف المركزية تقوم أساسا على وضوح البيانات واستقلالية القرار وقدرة المؤسسات على التدقيق والمحاسبة.

وفي موازاة ذلك، برزت إشكالية العلاقة المعقدة بين الحكومة والمصرف المركزي. فوجود ممثلين عن الحكومة داخل المجلس المركزي، وإن كان يهدف نظريا إلى التنسيق بين السياسات المالية والنقدية، إلا أنه في الحالة اللبنانية ساهم في تداخل المصالح السياسية بالقرار النقدي، خصوصا في ظل اعتماد الدولة لعقود على التمويل غير المباشر من المصرف المركزي لتغطية العجز وتمويل الإنفاق العام. ولذلك تبدو استقلالية مصرف لبنان في التجربة اللبنانية استقلالية ملتبسة؛ فهو لم يكن خاضعا بالكامل للحكومة، لكنه أيضا لم يكن مستقلا كمؤسسة محكومة بضوابط جماعية صارمة، بل أقرب إلى استقلالية الحاكم نفسه داخل نظام سياسي هش.

استعادة الثقة تبدأ من الاعتراف بالخسائر، وتحديد المسؤوليات، ورفع الحصانات، وإعادة بناء دولة المؤسسات، لأن أي نظام مالي لا يقوم على الشفافية والحوكمة والمساءلة محكوم عاجلا أم آجلا بالسقوط مهما طال الزمن

كذلك، فإن قانون النقد والتسليف، رغم أهميته التاريخية، يظهر اليوم عاجزا عن مواكبة التعقيدات الحديثة للقطاع المالي والنقدي، خصوصا أنه يمنح صلاحيات واسعة جدا للحاكم من دون إنشاء منظومة رقابة متوازنة وفعالة داخل المصرف. وهذا ما جعل العديد من القرارات الكبرى تمر ضمن هامش قانوني واسع يفتقر إلى الضوابط المؤسسية الحديثة التي تعتمدها المصارف المركزية الكبرى حول العالم، حيث توجد لجان مستقلة للتدقيق وإدارة المخاطر والسياسة النقدية، إضافة إلى آليات مساءلة واضحة ومحددة.

ومن هنا، فإن الإصلاح المطلوب اليوم لا يمكن اختصاره بإجراءات تقنية أو إدارية فقط، لأنه يمسّ جوهر التوازن السياسي والمالي الذي حكم لبنان طوال العقود الماضية. فإعادة هيكلة مصرف لبنان تعني عمليا إعادة توزيع النفوذ داخل الدولة نفسها، وتقييد القدرة على استخدام المصرف المركزي كأداة لتمويل السلطة السياسية أو إدارة التسويات المالية بعيدا عن الرقابة. لذلك فإن أي خطة إنقاذ حقيقية لا بد أن تبدأ بإصلاح الحوكمة داخل المصرف المركزي، وإعادة بناء منظومة رقابة فعلية، وتعزيز الشفافية والإفصاح، وفرض تدقيق مستقل، وتحديد المسؤوليات بوضوح، ومنع التفرّد بالقرار النقدي.

وفي حال سلكت الإصلاحات طريقها الفعلي، فإن دور الحاكم سيتغير جذريا مقارنة بما كان عليه تاريخيا. فالحاكم لن يبقى مركز القرار شبه المطلق، بل سيصبح جزءا من منظومة مؤسساتية أكثر توازنا، تخضع فيها السياسات النقدية لرقابة داخلية وخارجية أوضح، وتُحدد فيها الصلاحيات بصورة تمنع التجاوزات أو تحويل المؤسسة إلى سلطة فوق المحاسبة. وهذا يعني أن لبنان قد يكون فعلا أمام مرحلة إعادة تأسيس كاملة لدور مصرف لبنان بعد الانهيار، ليس فقط على المستوى المالي، بل على مستوى مفهوم الدولة النقدية نفسها، حيث تصبح الحوكمة والإفصاح والمحاسبة شروطا لبقاء أي نظام مالي قابل للحياة.

خلاصة الكلام من تقرير صندوق النقد الدولي مضافا إليها كل الوقائع تقول: لم يعد الإصلاح في لبنان ترفا سياسيا ولا مادة للنقاش النظري أو للمماطلة بين القوى المتصارعة، بل أصبح واجبا وجوديا لحماية ما تبقى من الدولة والمجتمع والاقتصاد. فحقوق الناس في المصارف ليست أرقاما قابلة للشطب ولا ودائع يمكن أن تذوب مع الوقت تحت ضغط الأمر الواقع، بل هي حقوق قانونية وأخلاقية ووطنية عصيّة على النسيان والإلغاء. وكل محاولة للالتفاف على المحاسبة أو إعادة إنتاج النظام نفسه ستعني ببساطة تأجيل الانفجار المقبل لا أكثر. لذلك فإن استعادة الثقة تبدأ من الاعتراف بالخسائر، وتحديد المسؤوليات، ورفع الحصانات، وإعادة بناء دولة المؤسسات، لأن أي نظام مالي لا يقوم على الشفافية والحوكمة والمساءلة محكوم عاجلا أم آجلا بالسقوط مهما طال الزمن.

 [email protected]


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)