حزب الله وإسرائيل: إلى أين؟

عبد الرحمن مجدي الحداد
"بدأنا نرى قصفا متكررا لقلب تل أبيب وتدميرا ممنهجا للدبابات الإسرائيلية التي كانت تحاول التقدم"- الأناضول
"بدأنا نرى قصفا متكررا لقلب تل أبيب وتدميرا ممنهجا للدبابات الإسرائيلية التي كانت تحاول التقدم"- الأناضول
شارك الخبر
في الثاني من آذار/مارس 2026، كانت المنطقة على موعد مع تحول دراماتيكي لم يحسب له الكثيرون حسابا. فبعد مرور ثلاثة أيام فقط على اشتعال شرارة الحرب الكبرى بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية من طرف، والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من طرف آخر، وفي لحظة حرجة وصعبة لم تتوقعها الأجهزة الاستخباراتية الإسرائيلية أبدا، قام حزب الله بإطلاق 6 صواريخ باتجاه مستوطنات الشمال. هذه الرشقة الصاروخية، رغم أن البعض رآها محدودة في حينها، إلا أنها كانت بمثابة إعلان رسمي وصريح من الحزب على دخوله الحرب بشكل قطعي، ولم يتأخر الحزب كثيرا حتى أصدر بيانا رسميا ليؤكد فيه للجميع أنه بات جزءا لا يتجزأ من هذه المواجهة المصيرية.

عقب هذا الإعلان، لم يمر الأمر مرور الكرام؛ بل واجه الحزب موجة عاتية من الانتقادات والاتهامات من أطراف داخلية في لبنان ومن قوى إقليمية ودولية خارجها. وكان السؤال الأكثر ترددا على ألسنة هؤلاء هو سؤال استنكاري بامتياز: "هل يعتقد الحزب حقا أن ستة صواريخ هي التي ستحرر الأرض أو تساند الحليف الإيراني الذي يمر في ذروة صراع وجودي؟". لكن الميدان كعادته كان له رأي آخر تماما، إذ سرعان ما تدحرجت الأمور وتطورت العمليات العسكرية للحزب بشكل مذهل، وبدأنا نرى قصفا متكررا لقلب تل أبيب وتدميرا ممنهجا للدبابات الإسرائيلية التي كانت تحاول التقدم. والآن، ومع الحديث عن وقف إطلاق النار بين إيران وأمريكا، يطل السؤال الأهم برأسه: ما هو مستقبل حزب الله في ظل هذه الهدنة؟

مع الحديث عن وقف إطلاق النار بين إيران وأمريكا، يطل السؤال الأهم برأسه: ما هو مستقبل حزب الله في ظل هذه الهدنة؟

الشيخ نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله، خرج في أول خطاب له بعد دخول الحزب المعمعة ليضع النقاط على الحروف، حيث أكد بوضوح تام أن قرار الحرب كان قرارا لبنانيا خالصا ومستقلا، ولم تتدخل فيه إيران أو تُمله على الحزب. وأوضح قاسم أن الدافع الرئيسي للدخول في الحرب كان الرد على الاعتداءات الإسرائيلية الوحشية التي استهدفت الأراضي اللبنانية لأكثر من 13 شهرا متواصلة، وهي الاعتداءات التي تسببت في سقوط أكثر من 500 قتيل وجريح. كما لم يغفل الإشارة إلى أن هذه الحرب جاءت أيضا كوفاء وكرد فعل على مقتل المرشد الإيراني المرجع الشيعي علي خامنئي، مما يعطي للصراع بعدا عقائديا واستراتيجيا عميقا.

في الوقت الحالي، نعيش في ظل مفاوضات معقدة بين واشنطن وطهران تهدف للتهدئة، وهو ما انعكس على شكل هدنة هشة وغير مستقرة بين حزب الله والاحتلال الإسرائيلي. لكن الحزب لم يقف مكتوف الأيدي خلال هذه الهدنة، بل استغل كل دقيقة فيها لتطوير وتكثيف ضرباته النوعية. وهنا يبرز الدور المرعب لـ"مسيرات الألياف الزجاجية" التي يستخدمها الحزب ببراعة لتجاوز الرادارات الإسرائيلية المتطورة. وبحسب الإحصائيات الميدانية، فقد وصل عدد الدبابات الإسرائيلية التي دمرها الحزب منذ دخوله الحرب إلى ما يزيد عن 170 دبابة، وهو رقم يعكس حجم النزيف الذي يعاني منه جيش الاحتلال.

وبناء على هذه المعطيات، يمكننا أن نرسم ثلاثة سيناريوهات للمرحلة القادمة على جبهة الجنوب:

السيناريو الأول: استمرار الاحتلال الإسرائيلي لمناطق في جنوب لبنان، وما يتبعه من استمرار المقاومة المسلحة من قبل الحزب. في هذا السيناريو، نحن بصدد رؤية حرب استنزاف قاسية وطويلة الأمد، تشبه إلى حد كبير ما حدث في فترة الثمانينات والتسعينات، ولكن مع فارق كبير في التكنولوجيا. فالحزب اليوم يُدخل أسلحة لم تكن موجودة سابقا، مثل مسيّرات الألياف الزجاجية، بجانب أسلحة "كلاسيكية" أثبتت فاعليتها مثل العبوات الناسفة التي يتم زرعها بدقة. ولا يجب أن ننسى أبدا الترسانة الصاروخية المرعبة التي يمتلكها الحزب؛ فوفقا لتقارير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) يمتلك حزب الله ما بين 130 إلى 150 ألف صاروخ وقذيفة، تتنوع ما بين القصير والمتوسط والبعيد المدى، ناهيك عن الصواريخ المضادة للسفن والطائرات والدروع. هذا السيناريو هو الأقرب للمنطق والواقعية، لأن الحزب لن يسمح ببقاء جندي إسرائيلي واحد على أرضه.

إسرائيل التي تدعي القوة، تدرك في قرارة نفسها أنها لا تجيد حرب العصابات أمام مقاتلين متمرسين، وهي تتكبد خسائر فاضحة في الأرواح والمعدات كل يوم. وفي المقابل، فإن حزب الله يتعرض أيضا لضربات قاسية واغتيالات تطال قادته ومقاتليه بشكل يومي. لذا، قد يجد الطرفان أن هذا الانسحاب هو الخيار الأفضل لوقف هذا النزيف المستمر وتجنب انفجار المنطقة بشكل كامل

السيناريو الثاني: قبول إسرائيل بالانسحاب من الجنوب اللبناني عبر طاولة المفاوضات. لقد بدأت بالفعل بعض التحركات الدبلوماسية المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية في مقر وزارة الخارجية بواشنطن، لكن الغريب والمثير للجدل كان غياب أي ممثل رسمي عن حزب الله في هذه الاجتماعات، وهو الأمر الذي تسبب في توتر شديد في العلاقات بين الحزب والحكومة اللبنانية. هذا السيناريو يبقى مستبعدا بشكل كبير جدا، والسبب بسيط: إسرائيل عبر تاريخها الطويل لم تنسحب من جنوب لبنان أو من قطاع غزة أبدا عن طريق الورق أو الكلام الدبلوماسي، بل كانت تنسحب دائما عندما يتم استنزافها عسكريا وبشريا وتصبح كلفة البقاء أعلى من كلفة الرحيل. أضف إلى ذلك أن حزب الله، وهو اللاعب الأساسي في هذه الحرب، أعلن رفضه التام لهذه المفاوضات واعتبرها مجرد تنازلات مجانية للعدو.

السيناريو الثالث: الانسحاب الإسرائيلي الفوري والمفاجئ دون الدخول في دوامة حرب استنزاف أو انتظار نتائج مفاوضات عقيمة. هذا السيناريو، رغم صعوبته، إلا أنه قد يكون "المخرج المريح" لجميع الأطراف المعنية. فإسرائيل التي تدعي القوة، تدرك في قرارة نفسها أنها لا تجيد حرب العصابات أمام مقاتلين متمرسين، وهي تتكبد خسائر فاضحة في الأرواح والمعدات كل يوم. وفي المقابل، فإن حزب الله يتعرض أيضا لضربات قاسية واغتيالات تطال قادته ومقاتليه بشكل يومي. لذا، قد يجد الطرفان أن هذا الانسحاب هو الخيار الأفضل لوقف هذا النزيف المستمر وتجنب انفجار المنطقة بشكل كامل.

في الختام، يبقى الميدان هو الكلمة الفصل، ومع استمرار صمود المقاومة وتطور أدواتها، يظل مستقبل الجنوب اللبناني مرهونا بمدى قدرة الحزب على مواصلة الاستنزاف، ومدى قدرة الاحتلال على تحمل الضربات الموجعة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل