الدول الناشئة واجتماعات الربيع المالية: اقتصادات الحروب والمخاطر والديون!

محمد موسى
"مسألة إعادة الإعمار كأحد أكبر التحديات التي تواجه لبنان في المرحلة المقبلة"- جيتي
"مسألة إعادة الإعمار كأحد أكبر التحديات التي تواجه لبنان في المرحلة المقبلة"- جيتي
شارك الخبر
تشكل اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدولي 2026 محطة مفصلية في إدارة الاقتصاد العالمي في لحظة تتسم باضطراب غير مسبوق، حيث تتقاطع فيها أزمات الحرب، والتضخم، وارتفاع كلفة الدين، وتباطؤ النمو. وقد تمحورت هذه الاجتماعات حول ثلاثة عناوين رئيسية: أولا، احتواء التضخم العالمي الذي لا يزال أعلى من مستهدفات البنوك المركزية في أكثر من 60 في المئة من الاقتصادات؛ ثانيا، معالجة أزمة الديون السيادية التي تضغط على أكثر من 70 دولة نامية، حيث تجاوزت خدمة الدين في بعضها 20 في المئة من الإيرادات العامة؛ وثالثا، إعادة تنشيط النمو في ظل توقعات لا تتجاوز 2.8 في المئة عالميا، وهي من أدنى المعدلات خلال العقود الأخيرة خارج فترات الركود الحاد.

في هذا السياق، ركّز صندوق النقد الدولي على سياسات التوازن بين الاستقرار النقدي والنمو، داعيا إلى استمرار التشدد النقدي بحذر، في حين شدّد البنك الدولي على ضرورة توسيع التمويل التنموي، خاصة في مجالات الطاقة والبنية التحتية، مع الإشارة إلى فجوة تمويل سنوية تتجاوز 4 تريليونات دولار في الدول النامية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة. كما برزت قضايا الأمن الغذائي، حيث يعاني أكثر من 700 مليون شخص من نقص الغذاء، إضافة إلى تداعيات التحولات الجيوسياسية التي أعادت رسم سلاسل الإمداد العالمية.

هل تلبي هذه الاجتماعات حاجات الدول الناشئة؟ الواقع يشير إلى فجوة واضحة بين الخطاب والقدرة التنفيذية؟ فالدول النامية التي لم تكن طرفا في الأزمات الجيوسياسية، تجد نفسها تتحمل كلفة مضاعفة

غير أن السؤال الجوهري يبقى: هل تلبي هذه الاجتماعات حاجات الدول الناشئة؟ الواقع يشير إلى فجوة واضحة بين الخطاب والقدرة التنفيذية؟ فالدول النامية التي لم تكن طرفا في الأزمات الجيوسياسية، تجد نفسها تتحمل كلفة مضاعفة: ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة تجاوزت 30 في المئة في بعض الفترات، وارتفاع كلفة الاقتراض الخارجي إلى مستويات تاريخية، حيث تجاوزت الفوائد على السندات السيادية لبعض الدول 10-12 في المئة. وعلى الرغم من طرح أدوات مثل تسهيلات التمويل الميسر وإعادة هيكلة الديون، إلا أن حجم هذه المبادرات لا يزال محدودا مقارنة بحجم الأزمة، كما أن شروطها الإصلاحية تبقى قاسية في ظل أوضاع اجتماعية هشة، ما يطرح تساؤلات حول العدالة في توزيع أعباء الأزمات العالمية.

وفي هذا الإطار، تبرز مسألة التوازن بين الدول المدينة والدائنة كأحد أخطر التحديات البنيوية في الاقتصاد العالمي. فقد تجاوز إجمالي الدين العالمي 315 تريليون دولار، أي ما يعادل نحو 330 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، فيما تستحوذ الدول المتقدمة على الحصة الأكبر من الديون، لكن العبء النسبي الأقسى يقع على الدول النامية. في المقابل، تتركز القوة الدائنة في عدد محدود من الفاعلين، أبرزهم الولايات المتحدة والصين، إضافة إلى مؤسسات متعددة الأطراف مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

وتُقدّر ديون الدول النامية الخارجية بأكثر من 10 تريليونات دولار، مع ارتفاع حصة الدائنين من القطاع الخاص إلى ما يقارب 60 في المئة، ما يعقّد عمليات إعادة الهيكلة. وإذا لم تُعالج هذه الاختلالات عبر آليات أكثر مرونة وعدالة، فإن خطر التعثرات المتتالية قد يتحول إلى أزمة نظامية، تهدد الاستقرار المالي العالمي، وتعيد إنتاج أزمات شبيهة بأزمات الثمانينيات ولكن على نطاق أوسع وأكثر تشابكا.

أما بالنسبة إلى لبنان، فإن حضوره في هذه الاجتماعات يأتي في سياق البحث عن مخرج من واحدة من أعمق الأزمات المالية في العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر. وفي خطوة لافتة، وقّع ياسين جابر اتفاقية قرض بقيمة تقارب 200 مليون دولار مع البنك الدولي، مخصّصة لتمويل برنامج "أمان" للحماية الاجتماعية، الذي يستهدف دعم الأسر الأكثر فقرا في ظل التدهور الحاد في القدرة الشرائية. إلا أن هذا التمويل، رغم أهميته الاجتماعية، يبقى محدود الأثر على مستوى معالجة جذور الأزمة، حيث تُقدّر الفجوة المالية بأكثر من 70 مليار دولار، ما يعني أن مثل هذه القروض لا تتجاوز كونها أدوات تخفيف مرحلية للأزمة الاجتماعية،
التحولات الجارية، من تآكل العولمة التقليدية إلى تصاعد التكتلات الاقتصادية، تفرض إعادة نظر شاملة في قواعد النظام المالي الدولي، بما يشمل آليات تمويل أكثر عدالة، وإعادة توزيع للمخاطر، وتمكينا فعليا للدول النامية
من دون أن تشكّل مسارا فعليا للتعافي الاقتصادي الذي سيبقى عنوانه ما يجري في المنطقة من جهة، وما سيكتبه الداخل في شأن حزب الله ودوره السياسي والعسكري في المرحلة المقبلة، حيث الوضوح الدولي والعربي أنه لا تمويل بلا حلول جذرية لهذه الغاية، علما أن ما سيجري في إسلام آباد سيكون أحد المسهلات أو المعوقات في الساحة اللبنانية، فلبنان دائم الحضور على فوالق المنطقة وزلازلها السياسية والأمنية المتلاحقة.

إلى جانب ذلك، تبرز مسألة إعادة الإعمار كأحد أكبر التحديات التي تواجه لبنان في المرحلة المقبلة، خاصة في أعقاب حرب لبنان 2026، وما خلّفته من دمار واسع في البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية. وإذا أضفنا إلى ذلك الخسائر المتراكمة من حرب لبنان 2024، والتي قُدّرت بنحو 12 مليار دولار، فإن الكلفة الإجمالية لإعادة الإعمار مرشحة لتتجاوز 25 إلى 30 مليار دولار كحد أدنى، مع الأخذ في الاعتبار تضرر قطاعات الطاقة، والاتصالات، والإسكان، والسياحة. هذه الأرقام تضع لبنان أمام فجوة تمويلية هائلة، تفوق بكثير قدراته الذاتية، وتستلزم تدفقات مالية خارجية كبيرة، سواء عبر القروض الميسّرة أو المنح، وهو ما يبقى رهنا بالاستقرار السياسي وتنفيذ الإصلاحات.

في الخلاصة، تعكس اجتماعات الربيع استمرار النظام الاقتصادي الدولي في إدارة الأزمات بدلا من معالجتها جذريا. فالأدوات الحالية، رغم أهميتها، لم تعد كافية في عالم يتغير بسرعة على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية. إن التحولات الجارية، من تآكل العولمة التقليدية إلى تصاعد التكتلات الاقتصادية، تفرض إعادة نظر شاملة في قواعد النظام المالي الدولي، بما يشمل آليات تمويل أكثر عدالة، وإعادة توزيع للمخاطر، وتمكينا فعليا للدول النامية. ففي زمن لم يعد فيه الاستقرار مسلّمة، بل استثناء، تصبح الحاجة ملحّة لإعادة رسم السياسات الاقتصادية الدولية بما يتلاءم مع واقع عالم يعاد تشكيله، لا فقط اقتصاديا، بل جيوسياسيا أيضا.

[email protected]


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل