التصنيف الائتماني بزمن الحروب: بين قياس المخاطر وتسييسها في سياق الشرق الأوسط المضطرب

محمد موسى
"استمرار الحرب أو توسعها ليشمل الداخل اللبناني بشكل أعمق من شأنه أن يفاقم الانكماش الاقتصادي"- جيتي
"استمرار الحرب أو توسعها ليشمل الداخل اللبناني بشكل أعمق من شأنه أن يفاقم الانكماش الاقتصادي"- جيتي
شارك الخبر
في لحظات الاضطراب الجيوسياسي الحاد، كما هو الحال في الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، تتجاوز وظيفة وكالات التصنيف الائتماني دورها التقني كأداة لقياس الجدارة الائتمانية، لتغدو فاعلا مؤثرا في تشكيل التوقعات الاقتصادية وإعادة توجيه تدفقات رأس المال.

في هذا السياق، تبرز تقارير كل من ستاندرد آند بورز وموديز وفيتش ليس فقط كمرايا تعكس المخاطر، بل كأدوات قد تساهم في تضخيمها أو إعادة إنتاجها ضمن منظومة مالية عالمية تتأثر بدورها بالاعتبارات السياسية والاستراتيجية. تنطلق الأدبيات الاقتصادية التقليدية من فرضية حياد هذه الوكالات، على اعتبار أنها تعتمد نماذج كمية ونوعية لتقييم مخاطر التخلف عن السداد، تشمل مؤشرات الدين العام، والنمو الاقتصادي، والاستقرار النقدي، وكفاءة المؤسسات. غير أن هذا الافتراض يتعرض لاختبارات قاسية في أزمنة الحروب، حيث تتداخل العوامل الاقتصادية مع الاعتبارات الجيوسياسية، ويصبح تقدير "المخاطر السيادية" مسألة تأويلية بقدر ما هي حسابية. فالحرب في الشرق الأوسط لا ترفع فقط احتمالات تعثر الدول القريبة من بؤر التوتر، بل تعيد تعريف مفهوم المخاطر ذاته، ليشمل عناصر مثل أمن الممرات البحرية، واستقرار إمدادات الطاقة، واحتمالات توسع النزاع إقليميا.

تقارير كل من ستاندرد آند بورز وموديز وفيتش ليس فقط كمرايا تعكس المخاطر، بل كأدوات قد تساهم في تضخيمها أو إعادة إنتاجها ضمن منظومة مالية عالمية تتأثر بدورها بالاعتبارات السياسية والاستراتيجية

في هذا الإطار، تظهر أولى ملامح التحيز في "توقيت" قرارات التصنيف. إذ تشير تجارب سابقة، لا سيما خلال الأزمة المالية العالمية 2008، إلى أن وكالات التصنيف قد تتأخر في الاستجابة لمخاطر متراكمة في بعض الاقتصادات المتقدمة، بينما تُسارع إلى خفض تصنيفات اقتصادات ناشئة عند أول إشارة اضطراب. وقد وثّقت دراسات أكاديمية لاحقة أن هذه الوكالات أخفقت في تقييم أدوات مالية معقدة قبيل الأزمة، ما أدى إلى تضليل المستثمرين وإعادة إنتاج المخاطر على نطاق عالمي. هذه السابقة التاريخية تُستخدم اليوم كحجة نقدية للتشكيك في حيادية التقييمات، خاصة عندما تتقاطع مع مصالح مراكز القوة المالية.

يتجلى التحيز أيضا في كيفية تقييم المخاطر الجيوسياسية، فالدول المرتبطة بالنظام المالي العالمي أو التي تتمتع بعلاقات استراتيجية مع القوى الكبرى قد تُمنح "هامش ثقة" أوسع، حتى في ظل ظروف موضوعية متشابهة مع دول أخرى تتعرض لخفض تصنيف أسرع. هذا لا يعني وجود تواطؤ مباشر، بل يعكس ما يمكن تسميته بـ"التحيز البنيوي"، حيث تتشكل النماذج التحليلية ضمن بيئة فكرية واقتصادية معينة، تعطي وزنا أكبر لعوامل مثل ثقة الأسواق الغربية واستقرار العلاقات مع المؤسسات الدولية.

ففي الحالة اللبنانية، تبدو مقاربة وكالات التصنيف أكثر تعقيدا وخصوصية، إذ إن لبنان يقبع أصلا في أدنى درجات التصنيف الائتماني منذ إعلان التعثر في سداد ديونه السيادية عام 2020، ما يجعله فعليا خارج دائرة التقييم التقليدي ومحروما من الوصول إلى الأسواق المالية الدولية. في ظل الحرب المفتوحة في المنطقة، لا يُتوقع أن يكون هناك خفض إضافي جوهري في التصنيف بقدر ما تتركز تقارير الوكالات على "النظرة المستقبلية" التي تميل إلى التشاؤم الحاد، حيث يتم ربط أي احتمال للتعافي الاقتصادي بإعادة الاستقرار السياسي ووقف التصعيد الإقليمي.

وتشير التقديرات الضمنية إلى أن استمرار الحرب أو توسعها ليشمل الداخل اللبناني بشكل أعمق من شأنه أن يفاقم الانكماش الاقتصادي، ويؤدي إلى مزيد من تآكل الاحتياطيات، وتسريع الدولرة، وتعميق أزمة القطاع المصرفي. في المقابل، فإن أي تسوية إقليمية أو تهدئة قد تفتح نافذة محدودة لإعادة إدراج لبنان ضمن أجندة الدعم الدولي، لكن ذلك يبقى مشروطا بإصلاحات بنيوية طال انتظارها.

وعليه، فإن نظرة وكالات التصنيف إلى لبنان لا تتحرك فقط وفق المؤشرات الاقتصادية التقليدية، بل تُختزل اليوم في عامل حاسم واحد: المسار الجيوسياسي للحرب، باعتباره المحدد الأول لإمكانية الخروج من الانهيار أو الانزلاق نحو مزيد من التفكك المالي والمؤسساتي.

وعند إسقاط هذا التحليل على دول الشرق الأوسط، تتضح الفوارق بشكل جلي. فدول مثل لبنان، تعاني أصلا من تعثر مالي وانهيار مؤسساتي، تقع خارج نطاق التقييم التقليدي أو في أدنى درجاته، ما يجعل أي خفض إضافي محدود الأثر من حيث التصنيف، لكنه بالغ الخطورة من حيث ترسيخ العزلة المالية.

في المقابل، تواجه دول مثل مصر ضغوطا متزايدة نتيجة ارتفاع كلفة الطاقة وتراجع تدفقات النقد الأجنبي، ما يجعلها عرضة لتعديل النظرة المستقبلية أو خفض تدريجي في التصنيف، رغم استمرار قدرتها على الوصول إلى التمويل الدولي. أما الأردن، فيمثل نموذجا للدول "الهشة المستقرة"، حيث يحافظ على تصنيف مقبول بفضل الدعم الدولي، لكنه يبقى عرضة لأي صدمة إقليمية، خصوصا في حال تدفق اللاجئين أو تراجع المساعدات.

في المقابل، تستفيد دول نفطية مثل السعودية من ارتفاع أسعار الطاقة، ما يعزز إيراداتها المالية ويدعم تصنيفاتها، رغم تعرضها لمخاطر أمنية محتملة في حال توسع النزاع.

تكمن خطورة التحيز في التصنيف الائتماني في كونه لا يكتفي بوصف الواقع، بل يساهم في تشكيله. فخفض التصنيف يؤدي إلى ارتفاع كلفة الاقتراض، ما يزيد من أعباء الدين، ويضعف الثقة، في حلقة مفرغة قد تتحول إلى نبوءة تحقق ذاتها

هذا التباين يعكس كيف يمكن للعوامل الجيوسياسية أن تعمل في اتجاهين متعاكسين، بحسب موقع الدولة في خريطة الطاقة والتحالفات. أما أطراف الحرب المباشرة، مثل إسرائيل وإيران، فتخضع لتقييمات أكثر تعقيدا. فبالنسبة لإسرائيل، قد تؤدي الحرب إلى ضغوط مالية قصيرة الأجل، لكنها تستفيد من قاعدة اقتصادية قوية ودعم دولي، ما يحد من احتمالات خفض حاد في التصنيف. في المقابل، تواجه إيران تحديات مركبة نتيجة العقوبات والعزلة المالية، ما يجعل تصنيفها منخفضا أصلا وهو خارج طلبها ورغبتها، علما أنه يحد من تأثير أي تقييم جديد، لكنه يعمق صعوبة اندماجها في النظام المالي العالمي.

وهنا بيت القصيد، حيث تكمن خطورة التحيز في التصنيف الائتماني في كونه لا يكتفي بوصف الواقع، بل يساهم في تشكيله. فخفض التصنيف يؤدي إلى ارتفاع كلفة الاقتراض، ما يزيد من أعباء الدين، ويضعف الثقة، في حلقة مفرغة قد تتحول إلى نبوءة تحقق ذاتها. هذا ما أشار إليه عدد من الباحثين في الاقتصاد السياسي، الذين اعتبروا أن وكالات التصنيف تمارس نوعا من "السلطة غير المنتخبة" على اقتصادات الدول، دون خضوع مباشر للمساءلة الديمقراطية. مع ذلك، لا يمكن اختزال كل تقييمات هذه الوكالات في إطار التحيز أو التسييس. فهي تعتمد بالفعل على بيانات وتحليلات معمقة، وتلعب دورا مهما في تقليل عدم اليقين لدى المستثمرين. غير أن الإشكالية تكمن في ضرورة قراءة هذه التقييمات ضمن سياقها الأوسع، وفهم حدودها المنهجية، خاصة في بيئة تتسم باضطراب جيوسياسي حاد.

في المحصلة، يفرض الواقع الراهن في الشرق الأوسط مقاربة نقدية متوازنة للتصنيف الائتماني، تقوم على الاعتراف بأهميته كأداة تحليل، دون التسليم المطلق بحياديته. فالشك، في هذا السياق، ليس موقفا عدميا، بل ضرورة معرفية تتيح تفكيك الخطاب المالي وفهم تداخلاته مع السياسة. وبينما تستمر الحرب في إعادة رسم خرائط النفوذ والمخاطر، تبقى تقارير موديز وفيتش وستاندرد آند بورز إحدى الساحات غير المرئية التي تُخاض فيها معركة أخرى، لا تقل تأثيرا عن المواجهات على الأرض، لأنها تحدد في نهاية المطاف كلفة البقاء والتي غالبا عنوانها اقتصادي مالي وقالبها سياسي.

 [email protected]


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)