لبنان بلد صغير في قلب حروب كبيرة ومتعددة

محمد موسى
"المأساة تتفاقم لأن هذا النزوح يحدث في لحظة انهيار اقتصادي غير مسبوق"- الأمم المتحدة
"المأساة تتفاقم لأن هذا النزوح يحدث في لحظة انهيار اقتصادي غير مسبوق"- الأمم المتحدة
شارك الخبر
لم تعد صراعات الشرق الأوسط بالنسبة إلى لبنان أحداثا تجري خارج حدوده، فالحرب القائمة اليوم في المنطقة لم تعد مجرد مواجهة إقليمية بين دول وقوى كبرى، بل تحوّلت تدريجيا إلى صراع يتسرّب إلى داخل المجتمعات نفسها. وفي هذا المشهد، يبدو لبنان أحد أكثر البلدان التي تختبر هذه الحقيقة القاسية: صراعات الخارج أصبحت أزمات الداخل. فالبلد الذي اعتاد تاريخيا أن يتأثر بتوازنات الإقليم، يعيش اليوم مرحلة مختلفة، حيث لم تعد تداعيات الحروب تقتصر على السياسة أو الاقتصاد، بل أصبحت تمسّ النسيج الاجتماعي مباشرة. ومع اتساع رقعة الحرب في المنطقة واشتداد التوتر العسكري، تحوّل جنوب لبنان ومناطق حدودية واسعة إلى مسرح قلق يومي دفع مئات آلاف اللبنانيين إلى ترك قراهم ومنازلهم.

وبذلك دخل لبنان مرحلة نزوح داخلي واسع، حيث انتقلت عائلات كاملة من الجنوب إلى بيروت وجبل لبنان والبقاع والشمال. هذا النزوح لا يعكس فقط الخوف من الحرب، بل يكشف أيضا عن تحوّل أعمق: فالصراع الذي يبدأ في الإقليم ينتهي داخل البيوت اللبنانية. فكل بيت تركه أهله في الجنوب هو دليل على أن الحرب لم تعد مجرد خبر في نشرات الأخبار، وكل مدرسة تحولت إلى ملجأ مؤقت، وكل عائلة تبحث عن منزل للإيجار في المدن، هي صورة عن انتقال الحرب من الجغرافيا العسكرية إلى الجغرافيا الاجتماعية.

في ظل هذا المشهد، يبدو لبنان وكأنه يقف في عنق الزجاجة فعلا، فالأزمة لم تعد فقط أزمة نظام سياسي مأزوم أو اقتصاد منهك، بل أصبحت نتيجة مباشرة لاحتراق الإقليم من حوله. ومع كل تصعيد في المنطقة، يضيق هامش المناورة أمام الداخل اللبناني

لكن المأساة تتفاقم لأن هذا النزوح يحدث في لحظة انهيار اقتصادي غير مسبوق، فالاقتصاد اللبناني تقلّص إلى أقل من نصف حجمه خلال السنوات الماضية، والعملة الوطنية فقدت معظم قيمتها، فيما يعيش أكثر من 70 في المئة من اللبنانيين تحت خط الفقر أو قريبين منه. وفي ظل هذا الواقع، يتحول النزوح الداخلي إلى عبء ثقيل على المجتمع والدولة في آن واحد.

وتزداد الصورة تعقيدا عندما يُضاف إلى هذا النزوح الداخلي واقع النزوح السوري المستمر منذ أكثر من عقد. فلبنان الذي يستضيف ما يقارب مليون نازح سوري مسجل، يجد نفسه اليوم أمام موجة نزوح لبنانية داخلية جديدة، وهكذا يصبح البلد الصغير ساحة لتداخل نزوحين: نزوح خارجي قديم، ونزوح داخلي فرضته الحرب.

في هذه اللحظة، تتجلى المفارقة الكبرى للشرق الأوسط: الصراعات التي تبدأ كحروب بين دول، تتحول سريعا إلى أزمات داخلية في الدول الأضعف. فارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب يضرب الاقتصاد اللبناني مباشرة، وتعطل التجارة والسياحة يضرب مصادر الدخل، أما التوتر العسكري فيدفع السكان إلى النزوح، ويحوّل الحياة اليومية إلى حالة من القلق الدائم.

وهكذا تصبح صراعات المنطقة صراعات داخلية بامتياز، فالحرب التي تُدار على خرائط الاستراتيجيات الكبرى، تُترجم في لبنان إلى معاناة يومية: عائلة نازحة، متجر أغلق أبوابه، شاب فقد عمله، ومدينة تستقبل آلاف الوافدين الجدد بلا بنية تحتية قادرة على الاستيعاب.

وفي ظل هذا المشهد، يبدو لبنان وكأنه يقف في عنق الزجاجة فعلا، فالأزمة لم تعد فقط أزمة نظام سياسي مأزوم أو اقتصاد منهك، بل أصبحت نتيجة مباشرة لاحتراق الإقليم من حوله. ومع كل تصعيد في المنطقة، يضيق هامش المناورة أمام الداخل اللبناني.

ولهذا تبدو الحقيقة أكثر وضوحا من أي وقت مضى: المشكلة اللبنانية لم تعد تبدأ فقط من الداخل، كما أن الحل لن يولد في لبنان وحده، فلبنان اليوم يعيش داخل معادلة إقليمية مضطربة، حيث تحدد مسارات الحرب والسلام خارج حدوده، وعليه أضحى البلد يعيش في قلب حروب كبيرة ومتعددة وربما لا حول لها ولا قوة!
التعليقات (0)

خبر عاجل