منذ انطلاق مسار
التسويات العربية-
الإسرائيلية، كان الرهان العربي يتكرر على أن
المفاوضات، مهما
طال الزمن، ستقود في النهاية إلى استعادة الحقوق أو إلى الحد الأدنى من الالتزام
الإسرائيلي بالقانون الدولي. لكن الوقائع المتراكمة منذ عقود تقول شيئا مختلفا
تماما: إسرائيل، وخصوصا مع صعود اليمين القومي والديني المتطرف، تعاملت مع
المفاوضات كأداة لإدارة الوقت، وتفكيك الخصوم، وفرض الوقائع بالقوة، لا كمسار
حقيقي نحو تسوية عادلة. وأمام هذا الواقع ومع القناعة التامة بصدق ووطنية الرئيس
العماد جوزيف عون وأمانة ومصداقية الرئيس القاضي نواف سلام، إلا أن السؤال يفرض
نفسه: مفاوضات مع مَن؟ وعلى ماذا؟ والمثل يقول: المكتوب يقرأ من عنوانه!!
وللتاريخ والذاكرة تعكس
الحالة الفلسطينية الصورة الأكثر وضوحا، فمنذ اتفاقيات أوسلو عام 1993، قُدمت
للفلسطينيين وعود بدولة مستقلة خلال سنوات قليلة، لكن ما حدث عمليا كان العكس
تماما. تضاعف الاستيطان في الضفة الغربية مرات عدة، وتم تقطيع الجغرافيا
الفلسطينية بالحواجز والجدار العازل، فيما جرى تعطيل كل الملفات الجوهرية من القدس
إلى اللاجئين والحدود.
لبنان الرسمي يذهب إلى المفاوضات من منطلق الحفاظ على الجنوب وأهله ومقدراته، ومحاولة منع الانزلاق إلى حرب مفتوحة جديدة. لكن المشكلة الأساسية لا تبدو في النوايا اللبنانية، بل في طبيعة الطرف المقابل
الحكومات الإسرائيلية
المتعاقبة، وخصوصا بقيادة نتنياهو، لم تتعامل مع الاتفاقات باعتبارها التزاما
نهائيا، بل باعتبارها مرحلة مؤقتة يمكن الانقلاب عليها عندما تتغير موازين القوى. نتنياهو
نفسه يكاد يكون النموذج الأوضح في تاريخ نسف الاتفاقات، فبعد توقيع اتفاق واي ريفر
عام 1998، تعطلت معظم الالتزامات الإسرائيلية المتعلقة بإعادة الانتشار
والانسحابات. وبعد الانسحاب من غزة عام 2005، لم تتجه إسرائيل إلى إنهاء الحصار أو
تثبيت مسار سياسي، بل إلى تحويل القطاع إلى مساحة محاصرة تخضع لحروب متكررة. وحتى
حين جرى الحديث عن "حل الدولتين"، كانت حكومات نتنياهو تدفع عمليا نحو
إنهائه عبر التوسع الاستيطاني غير المسبوق، وفرض وقائع تجعل أي دولة فلسطينية
متصلة جغرافيا شبه مستحيلة.
والأمر لا يقتصر على
الفلسطينيين، ففي
لبنان أيضا، يظهر التاريخ أن إسرائيل تنظر إلى أي تفاهمات من
زاوية أمنها ومصالحها فقط. فبعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، لم
تتوقف الخروقات الجوية والبحرية، رغم القرار الدولي 1701 لاحقا بعد
حرب 2006. وحتى
هذا القرار الذي كان يفترض أن يؤسس لمرحلة استقرار نسبي، بقي حبرا على ورق في
أجزاء واسعة منه، لأن إسرائيل لم تتعامل معه باعتباره التزاما متبادلا بقدر ما
اعتبرته إطارا يسمح لها بالتحرك متى شاءت تحت عنوان "الأمن".
اليوم، ومع الحديث عن
مفاوضات جديدة تتعلق بالحدود أو الترتيبات الأمنية أو مستقبل الجنوب اللبناني،
يعود السؤال نفسه: هل يمكن الركون إلى تجربة تاريخية أثبتت أن إسرائيل لا تقدم
تنازلات حقيقية إلا تحت الضغط المباشر، خصوصا أن الحكومة الحالية توصف بأنها
الأكثر تطرفا في تاريخ إسرائيل، حيث يهيمن اليمين الديني والقومي الذي يرفض أصلا
فكرة التنازل، ويرى في أي تسوية طويلة الأمد تهديدا لمشروعه العقائدي؟
الواقع أن لبنان الرسمي
يذهب إلى المفاوضات من منطلق الحفاظ على الجنوب وأهله ومقدراته، ومحاولة منع
الانزلاق إلى حرب مفتوحة جديدة. لكن المشكلة الأساسية لا تبدو في النوايا
اللبنانية، بل في طبيعة الطرف المقابل. فالحكومة الإسرائيلية الحالية لا تخفي
رؤيتها القائمة على فرض الوقائع بالقوة العسكرية،
بينما يسعى لبنان إلى حماية الجنوب ومنع تدمير ما تبقى من الدولة والاقتصاد، تبقى المعضلة الكبرى في وجود حكومة إسرائيلية لا تؤمن فعليا بالتسويات المتوازنة، وفي نظام دولي ما زال عاجزا أو غير راغب في فرض التزام حقيقي على إسرائيل
فيما يبقى الدور الأمريكي منحازا
بشكل واضح إلى إسرائيل سياسيا وعسكريا ودبلوماسيا. وهذا الانحياز ظهر بوضوح في
ملفات غزة، والاستيطان، واستخدام الفيتو المتكرر داخل مجلس الأمن لحماية إسرائيل
من أي مساءلة دولية حقيقية.
لذلك، فإن الرهان على
أن المفاوضات وحدها قادرة على انتزاع حقوق أو ضمانات للبنان يبدو محفوفا بالشكوك
إذا لم يقترن بعناصر قوة حقيقية وضغط دولي فعلي. فالتاريخ الحديث للمنطقة يشير إلى
أن إسرائيل غالبا ما توقع تحت الضغط، لكنها تعيد تفسير الاتفاقات أو تعطيلها أو
تجاوزها عندما تشعر بتفوقها العسكري والسياسي. ومن هنا تنبع المخاوف اللبنانية من
أن تتحول أي مفاوضات جارية اليوم إلى مجرد مرحلة لشراء الوقت أو تثبيت ترتيبات
أمنية تخدم إسرائيل أكثر مما تحفظ السيادة اللبنانية.
في المحصلة، لا يبدو
التشاؤم اللبناني تجاه فرص المفاوضات نابعا من موقف عاطفي أو رفض مسبق للحلول
السياسية، بل من قراءة طويلة لتجربة تاريخية ممتدة: اتفاقات وقرارات دولية كثيرة
وُقعت، لكن التنفيذ بقي رهينة موازين القوى والانحياز الدولي. وبينما يسعى لبنان
إلى حماية الجنوب ومنع تدمير ما تبقى من الدولة والاقتصاد، تبقى المعضلة الكبرى في
وجود حكومة إسرائيلية لا تؤمن فعليا بالتسويات المتوازنة، وفي نظام دولي ما زال
عاجزا أو غير راغب في فرض التزام حقيقي على إسرائيل.
[email protected]
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.