بعد عودة الحرب على إيران: هل دفع لبنان الثمن؟!

محمد موسى
"دفع لبنان أثماناً باهظة للحروب والصراعات الإقليمية"- الأناضول
"دفع لبنان أثماناً باهظة للحروب والصراعات الإقليمية"- الأناضول
شارك الخبر
مع عودة المواجهة الأمريكية- الإيرانية إلى واجهة الأحداث الإقليمية، يجد لبنان نفسه مرة جديدة في قلب معادلة تتجاوز حدوده وقدراته. فالجغرافيا السياسية التي جعلت منه على مدى عقود ساحة تلاقٍ وتصادم للمصالح الإقليمية والدولية، لا تزال تضعه أمام تحدٍ وجودي يتمثل في كيفية حماية استقراره وسيادته وسط صراعات لا يملك القدرة على التحكم بمساراتها أو نتائجها. المفارقة أن لبنان يدخل هذه المرحلة وهو في وضع أكثر هشاشة مما كان عليه في المحطات السابقة. فالأزمة الاقتصادية والمالية المستمرة منذ سنوات، والتداعيات الاجتماعية العميقة، والخسائر البشرية والمادية التي نتجت عن المواجهات الأخيرة على الحدود الجنوبية، كلها عوامل تجعل أي انزلاق جديد نحو التصعيد الإقليمي تهديداً مباشراً لما تبقى من مقومات الصمود الوطني.

وفي الداخل اللبناني، لا يزال الانقسام قائماً حول دور حزب الله وموقعه في المعادلة الإقليمية. فهناك من يرى أن الحزب يشكل عنصر ردع أساسياً في مواجهة إسرائيل وأن وجوده مرتبط بالتوازنات الأمنية التي فرضتها عقود من الصراع. في المقابل،
هناك من يرى أن الحزب يشكل عنصر ردع أساسياً في مواجهة إسرائيل وأن وجوده مرتبط بالتوازنات الأمنية التي فرضتها عقود من الصراع. في المقابل، ترى قوى لبنانية أخرى أن استمرار ارتباط لبنان بمحاور المنطقة يجعله عرضة لدفع أثمان صراعات لا تخدم مصالحه
ترى قوى لبنانية أخرى أن استمرار ارتباط لبنان بمحاور المنطقة يجعله عرضة لدفع أثمان صراعات لا تخدم مصالحه الوطنية المباشرة، وأن الأولوية يجب أن تكون لحصر قرار الحرب والسلم بمؤسسات الدولة اللبنانية. لكن رغم حدة هذا الانقسام، فإن الواقع الميداني والسياسي أظهر خلال الأشهر الماضية وجود قاسم مشترك بين معظم اللبنانيين، يتمثل في رفض الانزلاق إلى حرب شاملة جديدة. فالمجتمع الذي أنهكته الأزمات الاقتصادية والنقدية، لم يعد يمتلك القدرة على تحمل دمار إضافي أو موجات نزوح جديدة أو انهيارات اقتصادية أكثر عمقاً.

في المقابل، تبدو المواقف الدولية أقل من مستوى التحديات التي يواجهها لبنان. فالدول الكبرى تؤكد باستمرار دعمها لاستقرار البلاد وسيادتها، لكنها في الوقت نفسه لم تنجح في فرض آليات فعالة تمنع الاعتداءات الإسرائيلية أو توفر ضمانات حقيقية لحماية المدنيين والبنية التحتية اللبنانية. وبين البيانات الدبلوماسية والتحركات السياسية، بقي اللبنانيون يشعرون بأن المجتمع الدولي يتعامل مع استقرار لبنان باعتباره هدفاً نظرياً أكثر منه التزاماً عملياً قابلاً للتنفيذ.

أما إسرائيل، فتتعامل مع التطورات الإقليمية من زاوية أمنية وسياسية داخلية في آن واحد. فالحروب في المنطقة لا تُقرأ فقط من منظور المواجهة العسكرية، بل أيضاً من منظور الحسابات السياسية والانتخابية والتوازنات الداخلية الإسرائيلية. وهذا ما يجعل لبنان عرضة لأن يصبح جزءاً من معادلات لا ترتبط دائماً بما يجري على أرضه، بل بما تحتاجه الأطراف المختلفة لتثبيت مواقعها أو تحسين شروطها السياسية.

وسط هذه الصورة المعقدة، يبرز السؤال الأساسي: من يستطيع إخراج لبنان من موقع الرهينة بين مشاريع الإقليم؟ الإجابة لا تبدو مرتبطة بطرف واحد أو بقرار خارجي منفرد، فالتحرر من منطق الساحات المفتوحة يحتاج أولاً إلى توافق لبناني داخلي على تعريف المصلحة الوطنية العليا،
جميع الأطراف الإقليمية والدولية تتحدث عن استقرار لبنان، لكنها غالباً ما تنظر إليه من خلال مصالحها الخاصة. ولذلك يبقى العبء الأكبر على اللبنانيين أنفسهم في إنتاج رؤية وطنية
وإلى إعادة بناء مؤسسات الدولة وقدرتها على إدارة الملفات السيادية والأمنية والاقتصادية. كما يحتاج إلى دعم عربي ودولي حقيقي يترجم إلى ضمانات سياسية واستثمارات اقتصادية ومساندة فعلية للاستقرار، لا مجرد مواقف إعلامية أو بيانات دبلوماسية. وربما تكمن المعضلة الأساسية في أن جميع الأطراف الإقليمية والدولية تتحدث عن استقرار لبنان، لكنها غالباً ما تنظر إليه من خلال مصالحها الخاصة. ولذلك يبقى العبء الأكبر على اللبنانيين أنفسهم في إنتاج رؤية وطنية تقلل من قدرة الآخرين على استخدام لبنان ساحة لتصفية الحسابات.

لقد دفع لبنان خلال العقود الماضية أثماناً باهظة للحروب والصراعات الإقليمية، دفعها من اقتصاده، ومن مؤسساته، ومن استقراره الاجتماعي، ومن دماء أبنائه. وخلال السنوات الأخيرة تحديداً، تحمل البلد كلفة تفوق بكثير قدراته المالية والبشرية، في وقت كانت فيه المنطقة تشهد تحولات كبرى وإعادة رسم للتوازنات. ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كان لبنان قادراً على تحمل مواجهة جديدة، بل ما إذا كان المجتمع الدولي والإقليم مستعدين للاعتراف بأن هذا البلد الصغير قد دفع بالفعل قسطه الأعلى من أثمان الصراعات، وأن مصلحته ومصلحة المنطقة تقتضيان تحييده عن الحروب المقبلة، لا تحويله مرة أخرى إلى ساحة ورهينة للصراعات التي لم ولن تنتهي في المنطقة حتى معالجة جذور الازمة في القضية الأم (فلسطين).

[email protected]


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل