يكثر الحديث في المرحلة
الراهنة عن بناء الدولة وعن الفرصة التاريخية المتاحة أمام العهد الجديد لإعادة
تثبيت الاستقرار السياسي وترسيخ مفهوم السيادة والمؤسسات، وهذا ما أشار إليه رئيس
المجلس الوطني للإعلام الأستاذ عبد الهادي محفوظ في مقالته الاخير. وهي عناوين
أساسية لا خلاف عليها، بل تشكل المدخل الطبيعي لأي مشروع إنقاذي في بلد أنهكته
الحروب والأزمات والانقسامات. غير أن السؤال الذي يجب أن يواكب هذا النقاش هو: أي
دولة نريد؟ وهل يكفي بناء المؤسسات الأمنية والإدارية إذا لم يترافق ذلك مع
استعادة الدور
اللبناني الذي غاب وتراجع خلال العقود الماضية؟
إن الدولة ليست مجرد
مؤسسات دستورية أو أجهزة إدارية، بل هي أيضاً وظيفة وطنية ودور اقتصادي وثقافي
وتربوي ومالي في محيطها الإقليمي والعالمي. ولبنان لم يكن يوماً مجرد مساحة
جغرافية أو ساحة لتقاطع المصالح الدولية، بل كان نموذجاً اقتصادياً ومالياً
وتعليمياً وإعلامياً امتد تأثيره إلى العالم العربي بأسره.
التقاطعات الإقليمية والدولية المستجدة، والانفتاح الذي تشهده المنطقة، والحاجة الدولية إلى استقرار شرق المتوسط، تضع لبنان أمام فرصة جديدة للخروج من منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء الدولة
في ستينيات القرن
الماضي، نجح الرئيس فؤاد شهاب في وضع أسس دولة المؤسسات، لكن أهمية التجربة
الشهابية لم تكن فقط في إصلاح الإدارة العامة أو تفعيل مجلس الخدمة المدنية، بل في
محاولة تحويل لبنان إلى دولة حديثة قادرة على إنتاج التنمية وصناعة النخب واستقطاب
الرساميل والاستثمارات. وقد اصطدمت تلك المحاولة بمقاومة البنية الطائفية
التقليدية التي رأت في الإصلاح تهديداً لمصالحها ونفوذها.
اليوم، تبدو الظروف
مختلفة وإن كانت تحمل بعض أوجه الشبه. فالتقاطعات الإقليمية والدولية المستجدة،
والانفتاح الذي تشهده المنطقة، والحاجة الدولية إلى استقرار شرق المتوسط، تضع
لبنان أمام فرصة جديدة للخروج من منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء الدولة، وتمنح
رئيس الجمهورية العماد
جوزاف عون فرصة نادرة لتحويل ما ورد في خطاب القسم إلى
مشروع وطني جامع يتجاوز
الانقسامات التقليدية. غير أن نجاح هذا المشروع لا يقاس
فقط بمدى قدرة الدولة على فرض القانون أو ضبط الحدود أو معالجة الملفات السياسية
العالقة، بل يقاس أيضاً بقدرتها على استعادة الدور اللبناني المفقود. فلبنان خسر
خلال السنوات الماضية مكانته كمركز مالي عربي، وتراجع حضوره كمحطة استثمارية
إقليمية، وتعرض قطاعه التربوي الذي كان مصدر فخره التاريخي إلى اهتزازات غير
مسبوقة، كما فقد جزءاً كبيراً من قدرته على إنتاج النخب والكفاءات بفعل موجات
الهجرة المتتالية.
إن بناء الدولة يجب أن
يقترن بإعادة بناء الاقتصاد المنتج، واستعادة الثقة بالقطاع المصرفي على أسس جديدة
وشفافة، وإطلاق ورشة إصلاح مالي حقيقية تعيد وصل لبنان بالاقتصاد العالمي. كما يجب
أن يقترن بخطة وطنية لإنقاذ التعليم الرسمي والخاص واستعادة موقع الجامعات اللبنانية
التي خرّجت أجيالاً ساهمت في نهضة العالم العربي لعقود طويلة. فالبلدان لا تُقاس
فقط بقدرتها على تجنب الحروب، بل أيضاً بقدرتها على إنتاج الفرص والأفكار والمعرفة
والثروة. ومن هنا فإن التماسك الاجتماعي الحقيقي لا يتحقق عبر الخطابات والشعارات،
بل عبر شعور المواطن بأن دولته توفر له مستقبلاً وفرصة عمل وتعليماً جيداً وحماية
اجتماعية وعدالة متساوية.
الرهان المطروح أمام العهد يتجاوز مسألة إدارة مرحلة انتقالية أو تحقيق استقرار سياسي مؤقت، إنه رهان استعادة لبنان لدوره الطبيعي
لذلك فإن الرهان
المطروح أمام العهد يتجاوز مسألة إدارة مرحلة انتقالية أو تحقيق استقرار سياسي
مؤقت، إنه رهان استعادة لبنان لدوره الطبيعي كمنصة للحوار والثقافة والتعليم
والاقتصاد والخدمات المالية في المنطقة. وإذا نجح العهد في الجمع بين بناء الدولة
واستعادة هذا الدور، فإنه يكون قد وضع لبنان على سكة التعافي الحقيقي. أما إذا
اقتصر الإنجاز على إدارة التوازنات القائمة من دون إعادة إحياء الوظيفة التاريخية
للبنان، فإن الدولة ستبقى ناقصة مهما تحسنت مؤسساتها، وسيبقى اللبنانيون يشعرون
بأن شيئاً أساسياً من رسالتهم ودورهم قد فُقد.
من هنا، وفي زمن
المفاوضات المباشرة في واشنطن والمواربة في سويسرا تبدو الفرصة المتاحة اليوم أكبر
من مجرد فرصة رئاسية أو عهد سياسي جديد. إنها فرصة لإعادة تعريف لبنان نفسه، فرصة
قد لا تتكرر قريباً، ونجاحها يحتاج إلى إرادة إصلاحية وشراكة واسعة بين الدولة
والنخب والمجتمع بكل الوانها البيضاء والصفراء والزرقاء وغيرها. أما خسارتها
فستعني ضياع سنوات إضافية من عمر وطن لم يعد يحتمل المزيد من الفرص المهدورة، وهذا
تحديداً ما لا يتمناه اللبنانيون ولا كل المحبين للعهد وسيده.
[email protected]
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.