ارتدادت
نفسية وتنظيمية عميقة اهتزت معها جماعة الإخوان المسلمين بعد بدء التوقيعات على
استمارات تمرد وانتهاء بالانقلاب العسكري؛ انتقلت ظاهرة التوقيعات إلى داخل
التنظيم لكنها مختلفة في طريقتها وعنيفة في تبعاتها وأثرها خصوصا بين مجموعات
الخارج.
تمر ذكرى
حملة تمرد وما أعقبها من أحداث صيف 2013 على
مصر، بينما تبدو الساحة الإسلامية
المعارضة مختلفة جذريا عما كانت عليه قبل أكثر من عقد.
القضية
اليوم لم تعد تقتصر على تقييم ما جرى في تلك اللحظة التاريخية أو الجدل حول شرعية
هذا الطرف أو ذاك، بل تجاوزت ذلك إلى سؤال أعمق يتعلق بمصير البنية التنظيمية
والفكرية لجماعة الإخوان المسلمين، بعد سنوات طويلة من الصدام المفتوح الذي نتج عن
رفض مؤسسات الدولة المصرية للتجربة الديمقراطية الجديدة. لذلك، فإن
آثار
الانقسام الداخلي قد أصبح أكثر خطورة على مستقبل الجماعة من الضغوط الأمنية
نفسها.
لقد
اعتادت الجماعة عبر تاريخها الممتد أن تواجه موجات من القمع والملاحقة والسجون،
لكنها كانت تخرج في كل مرة محتفظة بدرجة عالية من التماسك التنظيمي واليقين
الفكري. أما ما بعد 2013، فقد بدا الوضع مختلفا على نحو غير مسبوق، فالمحنة هذه المرة لم
تضرب الأفراد فقط، بل أصابت مركز اتخاذ القرار، وقطعت أوصال المؤسسات التقليدية،
ودفعت آلاف الكوادر إلى المنافي والسجون ومناطق الشتات.
مرور السنوات كشف عن تحولات أكثر عمقا. فحين يطول أمد الأزمة، تبدأ الأسئلة المؤجلة في الظهور، وتتحول المراجعات المكتومة إلى خلافات معلنة، ثم تتطور أحيانا إلى جبهات ورؤى متعارضة
في
السنوات الأولى بعد الانقلاب على الرئيس الراحل محمد مرسي، بدا المشهد وكأنه حالة
استنفار وجودي. كانت الأولوية آنذاك للصمود والحفاظ على الحد الأدنى من التماسك،
غير أن مرور السنوات كشف عن تحولات أكثر عمقا. فحين يطول أمد الأزمة، تبدأ الأسئلة
المؤجلة في الظهور، وتتحول المراجعات المكتومة إلى خلافات معلنة، ثم تتطور أحيانا
إلى جبهات ورؤى متعارضة.
المفارقة
اللافتة أن الجماعة التي نجحت لعقود في إدارة اختلافاتها الداخلية ضمن أطرها
التنظيمية التقليدية، وجدت نفسها أمام انقسامات يصعب احتواؤها رغم أن الجميع
يتحدثون باللغة نفسها ويستندون إلى المرجعية الفكرية ذاتها. فدعوات لمّ الشمل التي
تتردد بين الحين والآخر لم تستطع حتى الآن إنتاج تسوية مستقرة، ليس بسبب غياب
الرغبة في الوحدة فحسب، بل لأن الانقسام تجاوز الأشخاص والمواقع التنظيمية ليصل
إلى مستوى فهم التجربة نفسها.
فثمة من
يرى أن ما جرى بعد 2013 كان نتيجة حتمية لاختلال موازين القوى الإقليمية والدولية،
وأن أي قيادة كانت ستواجه المصير ذاته. وفي المقابل، يعتقد آخرون أن هناك أخطاء
استراتيجية وتنظيمية وسياسية أسهمت في الوصول إلى تلك النتيجة. وبين الرأيين نشأت
مساحات واسعة من الجدل لم تُحسم حتى اليوم.
ولعل أخطر
ما أنتجته سنوات الضغط الأمني والاستخباراتي المتواصل؛ ليس فقط إنهاك القدرات
التنظيمية، بل إعادة تشكيل العقل الجمعي للحركة. فالملاحقات الممتدة والسجون
الطويلة والاغتراب القسري صنعت تجارب متباينة لأفراد ينتمون إلى التنظيم نفسه؛ لم
يعد عضو الجماعة في القاهرة يشبه نظيره في إسطنبول أو لندن أو الدوحة أو
كوالالمبور من حيث الخبرة اليومية والبيئة السياسية والهموم المباشرة. ومع مرور الوقت، بدأت تتشكل ثقافات تنظيمية
فرعية داخل الجسد الواحد. بعض هذه التيارات بات أكثر ميلا إلى العمل الحقوقي
والإعلامي، وبعضها يركز على الحفاظ على البناء التربوي، بينما يدعو آخرون إلى مراجعات
سياسية شاملة قد تصل إلى إعادة تعريف وظيفة التنظيم نفسه.
وهنا تبرز
مفارقة أخرى؛ فبينما يبدو الخارج أكثر حرية وقدرة على الحركة، فإنه أصبح أيضا أكثر
عرضة للخلافات والانقسامات. أما الداخل، فرغم الضربات الأمنية المتلاحقة، فقد حافظ
في كثير من الأحيان على درجة من التماسك النسبي، ربما لأن أولوية البقاء غلبت
أولوية الجدل، ولأن ظروف العمل القاسية لم تترك مساحة واسعة للصراعات التنظيمية
التقليدية.
إن الضغوط
الأمنية الطويلة لا تؤدي دائما إلى تفكك الحركات السياسية، لكنها تغير طبيعتها.
فالتنظيم الذي كان يفكر في إدارة الدولة يصبح منشغلا بالحفاظ على وجوده، والحركة
التي كانت تطرح مشاريع كبرى للإصلاح السياسي تجد نفسها معنية أولا بحماية شبكاتها
الاجتماعية والدفاع عن معتقليها والحفاظ على ذاكرتها الجماعية.
من هنا
يمكن فهم سبب تعثر معظم مبادرات لم الشمل، فالمشكلة لم تعد مجرد خلاف بين قيادات
أو جبهات، بل سؤال وجودي: هل المطلوب إعادة إنتاج الجماعة بصيغتها القديمة، أم
بناء نموذج جديد يتناسب مع المتغيرات التي فرضتها السنوات الماضية؟
الإجابة
عن هذا السؤال ستحدد مستقبل الجماعة خلال العقد القادم، وربما مستقبل جزء مهم من
الحركة الإسلامية العربية عموما. وفي
هذا السياق يمكن تصور عدة سيناريوهات محتملة.
السيناريو
الأول هو استمرار الوضع الراهن، أي بقاء الجبهات المختلفة قائمة مع استمرار
التنسيق المحدود جدا بينها دون الوصول إلى وحدة حقيقية أو انفصال كامل. وهذا
السيناريو يبدو الأقرب على المدى القصير، لأنه لا يتطلب تنازلات كبيرة من أي طرف،
كما أنه ينسجم مع حالة الجمود السياسي التي تعيشها المنطقة.
أما
السيناريو الثاني فيتمثل في نجاح عملية مصالحة تاريخية شاملة تؤدي إلى إعادة بناء
المؤسسات المشتركة على أسس جديدة، غير أن تحقق هذا السيناريو يتطلب مراجعات
متبادلة، واعترافا بالأخطاء، وقبولا بتوزيع مختلف للسلطة داخل التنظيم، وهي شروط
لم تنضج بالكامل حتى الآن.
تحتاج الجماعة إلى خطوات جريئة ومدروسة لفتح حوار داخلي للمحاسبة والشفافية والإجابة على الاسئلة الكبرى التي تتردد في النقاشات الجانبية او التهامسات الثنائية؛ دون أن تجد الإجابات الصادقة والواقعية والشجاعة في تحمل المسؤولية
السيناريو
الثالث هو التحول التدريجي من تنظيم مركزي إلى شبكة واسعة من الكيانات المتقاربة
فكريا والمستقلة تنظيميا. في هذه الحالة قد يبقى الاسم والمرجعية العامة، لكن دون
مركزية صارمة أو قيادة موحدة. وقد يرى بعض الباحثين أن هذا النموذج أكثر انسجاما
مع ظروف الشتات الممتد والتغيرات التي أصابت الحركة خلال السنوات الأخيرة؛ لكنه
يصطدم بواقع لا يقبل المساس بوحدة الجماعة وبنيويتها ودورها.
أما
السيناريو الرابع، وهو الأكثر تعقيدا، فيتمثل في ظهور جيل جديد يعيد تعريف المشروع
كله. فجيل ما بعد 2013 لم يعش تجربة الصعود التنظيمي التقليدي، ولم يشارك في معارك
الثمانينيات والتسعينيات، بل تشكل وعيه في ظل السجون والمنفى والانقسام. هذا الجيل
قد يطرح أسئلة مختلفة تماما حول العلاقة بين الدعوي والسياسي، وبين التنظيم
والحركة، وبين الهوية والسلطة.
وربما
يكون هذا السيناريو هو الأهم على المدى البعيد، لأن التحولات الكبرى في تاريخ
الحركات لا تنتج عادة من القرارات التنظيمية، بل من تغير الأجيال وتبدل الأولويات.
بعد أكثر
من عقد على تمرد وما تلاها من أحداث، يبدو أن التحدي الأكبر أمام جماعة الإخوان لم
يعد فقط كيفية مواجهة الضغوط الأمنية، بل كيفية الإجابة عن الأسئلة التي ولّدتها
تلك الضغوط. فالأزمات الطويلة لا تختبر قوة التنظيمات فحسب، بل تختبر قدرتها على
إعادة تعريف نفسها.
تحتاج
الجماعة إلى خطوات جريئة ومدروسة لفتح حوار داخلي للمحاسبة والشفافية والإجابة على
الاسئلة الكبرى التي تتردد في النقاشات الجانبية او التهامسات الثنائية؛ دون أن
تجد الإجابات الصادقة والواقعية والشجاعة في تحمل المسؤولية.
ولهذا فإن
السؤال الحقيقي اليوم ليس ما إذا كانت الجماعة ستعود إلى ما كانت عليه قبل 2013،
بل ما إذا كانت قادرة على إنتاج صيغة جديدة تتجاوز الانقسام وتحافظ في الوقت نفسه
على هويتها التاريخية. وحتى تتضح الإجابة، ستظل دعوات لم الشمل تتردد، وستظل
الخلافات قائمة، وسيبقى المستقبل مفتوحا على احتمالات متعددة لم تُكتب فصولها
الأخيرة بعد.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.