الموازنة المصرية 26/27 في الميزان (1): تساؤلات شعبية حول الخلل والغموض

محمد جمال حشمت
"تتسع الفجوة بين من يدفع أكثر ومن يحصل على أقل، وتزداد اللامساواة في الوصول إلى التعليم الجيد والرعاية الصحية والفرص الاقتصادية"- عربي21
"تتسع الفجوة بين من يدفع أكثر ومن يحصل على أقل، وتزداد اللامساواة في الوصول إلى التعليم الجيد والرعاية الصحية والفرص الاقتصادية"- عربي21
شارك الخبر
كيف يمكن قراءة أي موازنة قراءة نقدية؟

عبر 5 أسئلة: من يدفع الكلفة؟ من يستفيد؟ هل الإنفاق يعالج جذور الأزمة أم يرممها فقط؟ هل توجد عدالة في توزيع العبء؟ وهل الأرقام تعكس أولويات اجتماعية حقيقية أم مجرد توازن محاسبي؟

ثم نبدأ من هيكل الإيرادات: هل تعتمد الموازنة أكثر على الضرائب غير المباشرة التي تثقل الفقراء والطبقة الوسطى، أم على ضرائب تصاعدية على الدخل والثروة والأرباح؟ ثم بفحص جانب الإنفاق: هل تتجه الأموال إلى التعليم والصحة والبحث العلمي والاستثمار المنتج، أم إلى بنود جارية واستهلاكية تخفف الضغط السياسي فقط؟

ما هو حجم الخلل الاجتماعي؟

الخلل الاجتماعي يظهر عندما تُنقل كلفة التمويل إلى الفئات الأضعف بينما تبقى الخدمات العامة دون تحسن ملموس. في هذه الحالة تتسع الفجوة بين من يدفع أكثر ومن يحصل على أقل، وتزداد اللامساواة في الوصول إلى التعليم الجيد والرعاية الصحية والفرص الاقتصادية.

* بعض الأمثلة التوضيحية

- الصحة والتعليم والبحث العلمي

بحسب أحد التقارير عن موازنة 2025/2026، بلغت مخصصات التعليم نحو 1.043 تريليون جنيه، والصحة نحو 617.962 مليار جنيه، والبحث العلمي 173.056 مليار جنيه، بإجمالي يقارب 1.834 تريليون جنيه، أي نحو 10.7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما قيل إنه يتجاوز الحد الدستوري الأدنى البالغ 10 في المئة لهذه القطاعات مجتمعة.

نقديا، لا يكفي النظر إلى النسبة المعلنة؛ المهم أيضا هو مدى التنفيذ الفعلي، ونصيب الإنفاق من حيث الجودة والعدالة الجغرافية، وهل تصل المخصصات فعلا إلى المدارس والمستشفيات والمعامل أم تُستهلك إداريا.

- الخمور والقمار

في المثال الذي ظهر في النتائج، أشارت التغطية إلى أن الحكومة تستهدف تحصيل 149.24 مليار جنيه من ضرائب على التبغ والسجائر والمشروبات الروحية وصالات القمار في الموازنة الجديدة، بزيادة 28.3 مليار جنيه عن السنة السابقة، وهو ما يعكس اعتمادا ملحوظا على "ضرائب المزاج" كمصدر إيراد. هذه البنود عادة لا تُقاس كـ"دعم" للشعب، بل كإيرادات تُجبى من سلع/أنشطة ضارة اجتماعيا أو ترفيهية، لذلك السؤال النقدي هنا ليس فقط حجمها، بل: هل تُستخدم لتعويض نقص في الإيرادات من دون إصلاح ضريبي أوسع؟

بشكل مبسط كيف نحكم على الموازنة الحالية؟

إذا أردنا حكما نقديا قويا على الموازنة، فاحسب ثلاث فجوات: فجوة العدالة في التحصيل، وفجوة العدالة في الإنفاق، وفجوة التنفيذ الفعلي. وكلما زاد اعتماد الموازنة على إيرادات تثقل الفئات الأضعف، وبقيت الزيادة الحقيقية في التعليم والصحة والبحث العلمي شكلية أو غير منفذة، زاد الخلل الاجتماعي.

هل الموازنة يشوبها الغموض؟

نعم، قد تكون الموازنة غامضة إذا صيغت بطريقة لا تُظهر بوضوح: مصادر الإيرادات، حجم الإنفاق الحقيقي، تفاصيل الديون، أو طريقة توزيع الأموال بين البنود. هذا الغموض غالبا لا يكون في "الفكرة" نفسها، بل في عرض الأرقام والتفاصيل بحيث يصعب على البرلمان أو الجمهور معرفة الصورة كاملة

ما المقصود بالغموض هنا؟

الموازنة المصرية 2026/2027 تحمل أهدافا رقمية واضحة، لكن بعض تفاصيل الدعم ومصادر التمويل وآليات التنفيذ لا تزال أقل شفافية في العرض الأولي، ولذلك وُصفت أحيانا بأنها تحمل قدرا من الغموض.

الغموض في الموازنة يعني عادة واحدا أو أكثر من الآتي:

- إدراج بنود عامة بلا تفصيل كافٍ.

- تأخير نشر البيانات أو إخفاء أجزاء من التنفيذ.

- استخدام تقديرات واسعة تسمح بتفسير أكثر من معنى.

- ربط أموال كبيرة بصناديق أو صلاحيات تنفيذية غير واضحة

لماذا تلجأ الحكومة إليه؟

أحيانا تلجأ الحكومة إلى الغموض لأسباب عملية أو سياسية، منها:     

- توسيع هامش الحركة عند التنفيذ حتى لا تُقيَّد بتفاصيل صارمة.

- تمرير موازنة خلافية سياسيا عبر تقليل الاعتراض على الأرقام الدقيقة.

- إخفاء عجز حقيقي أو تأجيل إظهاره بشكل واضح.

- حماية خياراتها التفاوضية مع جهات داخلية أو خارجية.

- أحيانا يكون السبب أيضا ضعف الشفافية الإدارية وليس نية مقصودة
دائما

يحمي من مَن؟

الغموض عادة لا "يحمي" الدولة بالمعنى الإيجابي، بل قد يحمي الحكومة من:

- رقابة البرلمان رغم العوار الذي ينتابه في شرعية الوجود وشرعية الانتخاب.

- المحاسبة الشعبية والإعلامية.

- الاعتراضات السياسية على توزيع الأموال.

- إظهار حجم الخلل المالي أو الهدر الذي يتم في مقدرات الدولة

لكن من زاوية أخرى، قد تقول الحكومة إن بعض الغموض يحميها من الجمود الإداري أو من كشف تفاصيل تفاوضية حساسة مبكرا، غير أن هذا التبرير لا يلغي أن الغموض غالبا يضعف الشفافية

لماذا هذا الغموض (ضعف الشفافية) مهم؟

الغموض هنا ليس تفصيلا لغويا فقط؛ هو يؤثر على "الرقابة والمحاسبة". فإذا لم تكن التفاصيل واضحة، يصبح من السهل تمرير قرارات مالية كبيرة دون مساءلة دقيقة من البرلمان أو الرأي العام. كما أن وجود غموض في توقع الإيرادات أو في حساب العجز قد يدفع الحكومة إلى الاقتراض أو تأجيل مشاريع، من دون أن يلاحظ الناس السبب الحقيقي فورا.

ما الذي يحميه هذا الغموض؟

الأقرب أنه يحمي مساحة القرار السياسي للحكومة أكثر من حماية المصلحة العامة، فهو قد يقلل الضغط عليها عند إعلان أرقام غير مريحة، أو يؤجل الجدل حول العجز، أو يخفف التدقيق في الاتفاقات المالية الحساسة. لكنه في الوقت نفسه يضعف الشفافية، ولهذا تشدد أدلة شفافية المالية العامة على أن وثائق الموازنة يجب أن تكون واضحة وشاملة وقابلة للفهم والمراجعة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)