الفنانون والإدمان

هشام عبد الحميد
"المدوّي في هوة الإدمان"- جيتي
"المدوّي في هوة الإدمان"- جيتي
شارك الخبر
كان الإدمان، وما زال وسيظل، حجر عثرة يحدّ ويعطّل مسيرة أي فنان مهما علا شأن موهبته، آخذا إيّاه من دروب التقدم والنجاح، وملقيا به في غياهب الفشل والنسيان، وكأنه لم يكن.

وفي مقالنا هذا، نعرض لبعض الأمثلة لنماذج حالفها الحظ وأفلتت من براثن الإدمان الذي كاد أن يقضي عليها، ونماذج أخرى فشلت وخسرت نفسها قبل أن تخسر حياتها المهنية والاجتماعية.

فمن الأمثلة العالمية، على سبيل المثال لا الحصر، المخرج الكبير مارتن سكورسيزي، الذي تعرّض لصدمة كبيرة بعد فشل فيلمه "نيويورك، نيويورك" لليزا مانيللي وروبرت دي نيرو، فانهار ووقع في دائرة الإدمان، وأصبح حبيس منزله.

وهنا جاء دور صديق عمره روبرت دي نيرو، الذي شدّ من أزره، وقدّم له قصة "الثور الهائج"، عن سيرة ملاكم، والتي رفضها سكورسيزي في البداية بدعوى أنه لا يقدّم أفلام "كروكي" على غرار سيلفستر ستالوني، الذي كان يحقق وقتها نجاحا كبيرا.

ولكن، بعد إعادة التفكير، استطاع سكورسيزي أن يجد مدخلا سينمائيا وجماليا جديدا يقدّم من خلاله رائعته، وبه كتب اسمه بأحرف من نور، هو وصديق عمره روبرت دي نيرو، ليصبح هذا الفيلم أحد أهم كلاسيكيات السينما حتى وقتنا هذا.

وبفضل الفيلم، استعاد سكورسيزي ثقته بنفسه، لينتصر به على الإدمان اللعين، ويصبح المجد والنجاح حليفَيه حتى اليوم.

وعلى عكس سكورسيزي، قد يكون النجاح الكبير والمجد المبهر أكبر من احتمال الفنان، فيفقد توازنه، وهذا ما حدث للفنانة الكبيرة ليزا مانيللي.

فلأسباب تتعلق بحياتها الشخصية المتدهورة، والتي قابلها نجاح منقطع النظير في حياتها المهنية لم تستطع استيعابه، كان السقوط المدوّي في هوة الإدمان. ولم تستطع ليزا التخلص من الإدمان، رغم كثرة المحاولات لإدخالها مصحات للعلاج الكيميائي، ولكن مع الأسف باءت جميعها بالفشل. ومعها انتهت مسيرة ليزا مانيللي العظيمة، وتحطمت، وعانت بعد ذلك من الجحود والنكران، وكذلك العوز والحاجة. إنها نهاية فنانة ملأت دنيانا بهجة وشبابا وفنا، ولكن ذلك الإدمان المدمّر لم يرحمها.

أما في مصرنا الحبيبة، فرأينا المخرج الكبير أحمد يحيى.. وهو من هو أحمد يحيى! فقد كان أصغر المخرجين سنا وأكبرهم نجاحا، وكان النجاح حليفه منذ فيلمه الأول "العذاب امرأة"، للنجم الكبير محمود ياسين ونيللي؛ التي حصلت على جائزة تمثيل عن دورها في هذا الفيلم.

ونجح الفيلم نجاحا مدويا، وأعقبه بعد ذلك نجاحات كبيرة وكثيرة، منها -على سبيل المثال لا الحصر- "حتى لا يطير الدخان" للكاتب إحسان عبد القدوس، ومن بطولة عادل إمام، وكذلك فيلم "كراكون في الشارع" لعادل إمام أيضا، وفيلم "لا تبكي يا حبيب العمر" للكبير فريد شوقي.

هكذا كان اسم أحمد يحيى تميمة الحظ لأي منتج يتطلع إلى النجاح والمجد والثروة. ولكن، كالمعتاد، وقع أحمد يحيى في هوة الإدمان السحيقة، وتفاقمت حالته إلى أن تم القبض عليه، وشكّل ذلك صدمة لنا جميعا.

وبعد ذلك، خرج أحمد يحيى، واحتفى بخروجه الكثيرون، وعُيّن من قبل إدارة قناة "ART" مديرا لمحتواها الفني تقديرا لجهوده وخبراته.

ولكن، مع كل ذلك، لم يستطع أحمد استعادة مجده وعرشه في الإخراج السينمائي، وعزف عنه النجم الكبير عادل إمام، ولم يستجب لرغبته في التعاون معه مرة أخرى. لا شك أننا فقدنا مخرجا كبيرا، ولكن هذا الإدمان اللعين.. لو كان رجلا لقتلته.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)