ضجّت
مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام بخبر حزين، هو رحيل البديع عبد الرحمن أبو
زهرة عن عالمنا، وبذلك يسطر برحيله، كآخر الرجال المحترمين، نهاية حقبة تميزت
بالازدهار والتنوير والجمال.
ولعل "أبو
زهرة" اسم على مسمى، فلقد كان الرجل يحمل في جنباته زهرة الجمال والفن
والإبداع، ولا غرو، فهو ينتمي إلى فلسفة الالتزام كخيار وجودي يجبّ ما قبله وما
بعده. فالالتزام، كقيمة إنسانية، دافع عنه أبو زهرة طيلة حياته، وهو من النادرين
الذين لم يُبهرهم بريق الماس ليتنازلوا طواعية عن التزامهم الوجودي والفلسفي.
ولعل
مصطلح الالتزام، بمعناه الفلسفي، ظهر ولمع طيلة فترة الخمسينيات والستينيات، وكان
الفنان الذي يختاره كمنهج وفلسفة يلتزم فيه بالمتن والشكل. فكان أبو زهرة نموذجا
حقيقيا لمعنى الالتزام؛ فالرجل التزم بقضايا وطنه ومجتمعه، سياسيا وفنيا، ولم
يتنازل ولم يزايد، بل تمسك بفلسفته التي شكّلت مبادئه وقناعاته منذ بداياته حتى
رحيله الحزين.
ينتمي إلى فلسفة الالتزام كخيار وجودي يجبّ ما قبله وما بعده. فالالتزام، كقيمة إنسانية، دافع عنه أبو زهرة طيلة حياته، وهو من النادرين الذين لم يُبهرهم بريق الماس ليتنازلوا طواعية عن التزامهم الوجودي والفلسفي
ولقد
تشرفت بالعمل معه، لأتعرف عن كثب إلى ندرة أخلاقه وتماسك فلسفته وجمال موهبته،
ولعل كل ما ذكرناه من قبل هو ما جعله في صدام حاد ومباشر مع كافة تيارات السلطة،
وقد دفع أبو زهرة الثمن باهظا.
ولا أحد
ينسى، في الأمس القريب، زمن بروفات
مسرحية "الحسين ثائرا وشهيدا، إخراج كرم
مطاوع على المسرح القومي، والتي عُرضت ثلاثين ليلة تحت مسمى "بروفة"،
إلى أن أدركت السلطة وقتذاك هذه الخدعة، فأوقفت البروفات وأحالت المسرحية إلى
الأزهر الشريف برئاسة الشيخ عبد الحليم محمود، الذي طلب عقد اجتماع في المسرح
القومي مع العاملين بالمسرحية، وعلى رأسهم المخرج كرم مطاوع.
وهنا ثارت
ثائرة أبو زهرة، وهاج وماج، ورفض أن تتدخل المؤسسة الدينية في شؤون الفن، واعتبرها
مراوغة من نظام السادات وقتذاك لحرمان الجمهور من عمل مسرحي يناقش قيمة الحرية
بمعناها الإنساني المطلق.
وبالطبع
لم يمر هذا المشهد مرور الكرام، وكانت تبعاته على أبو زهرة، من الإقصاء والتهميش،
واضحة لكل ذي عين.
ومرت
سنوات عجاف على أبو زهرة، لكنه لم يهتز ولم ينحنِ حتى هدأت العاصفة، وبدأت
الانفراجات تتوالى، من "المعلم سردينة" في مسلسل "لن أعيش في جلباب
أبي"، و"أوان الورد" مع كاتب هذه السطور، وغيرها من الأعمال التي
ترك بها بصمة لا تمحى، تُوِّجت باعتراف وتنويه شركة ديزني له عن تجسيده للأسد في
النسخة العربية المدبلجة. وكان نص التنويه أنه أفضل صوت جسّد الأسد على الإطلاق
بجميع اللغات.
رحم الله
ذلك الفنان الملتزم، الذي لم يتنازل أو يقايض على مبادئه في يوم من الأيام.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.