ماذا جرى
لإعلامنا الذي يُعدُّ الرائد في المنطقة، بلا منازع ولا نقاش، والذي ما زال وسيظل
مصدراً يفخر به كل مصري في كل مكان وزمان؟
ما يقلقني
هو تراجع المهنية والاحترافية، فالمتابع للشأن الإعلامي يدرك ذلك بكل بساطة. فعلى
سبيل المثال لا الحصر، تحولت
البرامج الحوارية التي من المفترض أن تحمل العمق،
وتستكشف جوانب شخصية الضيف عبر أسئلة ذكية ورشيقة يطرحها
المذيع، مع منح الضيف
الفرصة الكاملة للإجابة، إلى مساحات يطغى عليها الاعتداء على حضوره بالمقاطعة، أو
الاستفزاز، أو التسفيه، أو التقليل من شأنه، وغيرها من الممارسات التي ألفناها، مع
شديد الأسف والأسى، في كثير من تلك البرامج.
وعندما
تعود بي الذاكرة إلى ستينيات وسبعينيات القرن المنصرم، أتذكر كيف كانت لكل برنامج
شخصيته الخاصة، وكان التنوع والتميز عنواناً لتلك المرحلة، سواء على صعيد المحاور
أو الضيف.
تحولت البرامج الحوارية التي من المفترض أن تحمل العمق، وتستكشف جوانب شخصية الضيف عبر أسئلة ذكية ورشيقة يطرحها المذيع، مع منح الضيف الفرصة الكاملة للإجابة، إلى مساحات يطغى عليها الاعتداء على حضوره بالمقاطعة، أو الاستفزاز، أو التسفيه
فنجد
الإعلامية ليلى رستم، التي كانت صاحبة بصمة مميزة، تطرح الأسئلة العميقة على
ضيوفها من القامات الفنية والفكرية، وتشتبك معهم فكرياً بكل عذوبة وسلاسة.
فمن منا
ينسى لقاءها الطريف مع الكبير محمد عبد الوهاب؟! ومن منا ينسى لقاءها مع عبد
الحليم حافظ؟! ومن ينسى لقاءها المهم مع قامات فكرية وثقافية بحجم الدكتور طه
حسين، الذي ترأس ندوة ضمت عبد الرحمن الشرقاوي، ونجيب محفوظ، وأنيس منصور، ومحمود
أمين العالم، ويوسف السباعي، وغيرهم؟ كل ذلك في سهرة تلفزيونية بديعة.
وهكذا..
لننتقل إلى عالم السينما، حيث كان هناك برنامج "السينما والحرب"، الذي
يقدمه المخضرم أحمد سمير.
ثم نأتي
إلى عالم الطفل؛ فمن منا ينسى البديعة سلوى حجازي وبرنامجها "عصافير الجنة"؟!
ومن منا ينسى بابا ماجد، الذي تابعته أجيال متلاحقة، فصاغ وجدانها بحكاياته
البديعة والذكية؟
ثم ننتقل
إلى السبعينيات، لنجد قطبين بزغت نجوميتهما، هما سمير صبري وطارق حبيب اللذان
تمتعا باللباقة، والحضور، والثقافة الموسوعية، وفن طرح السؤال على الضيف، وكذلك فن
الاستماع إليه.
وكان هناك
أيضاً برنامج المنوعات "اخترنا لك"، الذي قدمته نجمتا الإعلام في تلك
الفترة، فريال صالح ونجوى إبراهيم، إلى جانب "كاميرا 9" للموهوبة أماني
ناشد، و"العالم يغني" لحمدية حمدي، و"نادي السينما" لدرية شرف
الدين، و"الأوسكار" لسناء منصور.
وبالطبع،
كان البرنامج الديني يتمتع بحضوره الخاص، سواء في الستينيات عبر برنامج "نور
على نور" للمتميز أحمد فراج، أو من خلال سلسلة البرامج الدينية التي ذاع
صيتها في سبعينيات القرن المنصرم.
لقد كانت
هناك خريطة برامجية واضحة المعالم للبرامج التلفزيونية، في ظل وجود مذيع ذكي، يعي
كيف يدير الحوار مع الآخر.
وليس معنى
هذه النوستالجيا أننا نبكي على اللبن المسكوب؛ فهذا ليس المقصود، وإنما هي مجرد
نقطة نظام، لكي نستعيد ما كان، وهي مهمة ليست بالصعبة ولا بالمستحيلة، وإنما تحتاج
فقط إلى الصبر، وإرادة، وعزيمة على التطوير.
ودمتم.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.