الأزمة الليبية.. قراءة براغماتية للتحركات السياسية الأخيرة

سعد أحمد سلامة
"في عام 2011، اعتقد قطاع واسع من الليبيين أن سقوط النظام السابق سيقود بصورة طبيعية إلى بناء دولة حديثة ومستقرة"- الأناضول
"في عام 2011، اعتقد قطاع واسع من الليبيين أن سقوط النظام السابق سيقود بصورة طبيعية إلى بناء دولة حديثة ومستقرة"- الأناضول
شارك الخبر
بعد خمسة عشر عاماً من اندلاع الأزمة الليبية، ربما أصبح الدرس الأهم الذي ينبغي استحضاره عند قراءة أي تطور سياسي جديد هو ضرورة التعامل بحذر مع موجات التفاؤل التي ترافق عادة كل مبادرة أو مسار أو اتفاق جديد؛ ليس لأن التفاؤل في حد ذاته أمر سلبي، وإنما لأن التجربة الليبية الطويلة أظهرت أن الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع العملي كانت في معظم الأحيان أوسع بكثير مما بدا للمتابعين في لحظات الإعلان الأولى.

خلال الأيام الأخيرة، شهد الملف الليبي حراكاً سياسياً مكثفاً، تمثل في صدور تقرير الحوار المهيكل، واستمرار اجتماعات لجنة (4+4)، وإحاطة المبعوثة الأممية هانا تيتيه أمام مجلس الأمن، والتصريحات التي أدلى بها المبعوث الأمريكي مسعد بولس لصحيفة فايننشال تايمز، ثم اجتماع القاهرة الذي جمعه بوزراء خارجية مصر وتركيا والسعودية، وما تلاه من زيارة لرئيس جهاز المخابرات المصرية اللواء حسن رشاد إلى طرابلس ولقائه عبد الحميد الدبيبة، إضافة إلى الحديث المتزايد عن رؤية أمريكية جديدة تنظر إلى ليبيا باعتبارها فرصة استراتيجية واعدة في قطاع الطاقة والاستثمار.

للوهلة الأولى، قد تبدو هذه التطورات وكأنها تمهد لمرحلة جديدة مختلفة عن المراحل السابقة، وربما تدفع بعض المراقبين إلى الاعتقاد بأن البلاد أصبحت أقرب من أي وقت مضى إلى تسوية سياسية تنهي حالة الانقسام وتفتح الطريق أمام الانتخابات، غير أن القراءة البراغماتية الهادئة تدفع إلى نتيجة مختلفة تماماً، فالتاريخ القريب للأزمة الليبية يعلمنا أن أكثر اللحظات التي شهدت مستويات مرتفعة من التفاؤل كانت في كثير من الأحيان مقدمة لموجات جديدة من الإحباط.

تتغير الأسماء والوساطات والعواصم الراعية، لكن الفكرة تبقى واحدة: الحديث عن فرصة تاريخية أخيرة، أو نافذة نادرة للحل، أو لحظة توافق غير مسبوقة. ثم لا تلبث الوقائع اللاحقة أن تكشف أن ما جرى لم يكن حلاً للأزمة بقدر ما كان إعادة ترتيب لموازين القوى داخلها

في عام 2011، اعتقد قطاع واسع من الليبيين أن سقوط النظام السابق سيقود بصورة طبيعية إلى بناء دولة حديثة ومستقرة. كان الخطاب العام آنذاك مشبعاً بالوعود الكبرى، غير أن الأداء السياسي للمجلس الوطني الانتقالي كشف منذ وقت مبكر عن حالة من الهشاشة السياسية والمؤسسية. ولم تكن المشكلة في النوايا وحدها، بل أيضاً في افتقار أعضاء المجلس الوطني الانتقالي، وهو الجسم الذي أُنيطت به مسؤولية إدارة البلاد في واحدة من أكثر مراحلها حساسية، حتى إلى الحد الأدنى من الخبرة والفهم السياسي اللازمين للتعامل مع دولة خارجة من انهيار نظام حكم استمر أكثر من أربعة عقود، وتواجه في الوقت نفسه تحديات أمنية ومؤسسية واجتماعية غير مسبوقة.

بعد ذلك بسنوات، جاء اتفاق الصخيرات عام 2015 وسط موجة جديدة من التفاؤل. يوم التوقيع بدا المشهد وكأن ليبيا تقف على أعتاب نهاية الأزمة، فقد حظي الاتفاق بدعم دولي غير مسبوق، وجرى تقديمه باعتباره الإطار القادر على توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام. لكن السنوات اللاحقة أثبتت أن كثيراً من الرهانات التي بنيت عليه لم تتحقق، لم تنته الأزمة، ولم تتوحد المؤسسات، بل دخلت البلاد في جولات جديدة من الاستقطاب والصراع.

وتكرر المشهد مرة أخرى مع ملتقى الحوار السياسي في جنيف عام 2020 وما نتج عنه من سلطة تنفيذية جديدة غارقة في الشبهات برئاسة عبد الحميد الدبيبة. آنذاك أيضاً جرى الحديث عن مرحلة مختلفة وعن طريق مختصر نحو الانتخابات والاستقرار، غير أن ما حدث لاحقاً كان استمراراً للأزمة بأدوات جديدة؛ لم تجر الانتخابات، وتعمق الانقسام، وتضخمت المؤسسات الموازية، وازدادت حالة الشلل السياسي.

لهذا، فإن المتابع لمسار الأزمة الليبية خلال السنوات الخمس عشرة الماضية يلاحظ نمطاً يكاد يتكرر بصورة منتظمة. في كل مرة تصل فيها الأزمة إلى حالة من الجمود أو الإرهاق، تبدأ حركة سياسية جديدة، وتُطرح مبادرة مختلفة، ويُعاد إنتاج خطاب الأمل ذاته تقريباً. تتغير الأسماء والوساطات والعواصم الراعية، لكن الفكرة تبقى واحدة: الحديث عن فرصة تاريخية أخيرة، أو نافذة نادرة للحل، أو لحظة توافق غير مسبوقة. ثم لا تلبث الوقائع اللاحقة أن تكشف أن ما جرى لم يكن حلاً للأزمة بقدر ما كان إعادة ترتيب لموازين القوى داخلها.

غير أن هناك جانباً آخر لا يقل أهمية وكثيراً ما يتم تجاهله في موجة التفاؤل الحالية، فجزء كبير من النقاش الدائر -في ليبيا على الأقل- يفترض بصورة ضمنية أن الانخراط الأمريكي المتصاعد في الملف الليبي يمثل نقطة ارتكاز صلبة يمكن البناء عليها. والمفارقة اللافتة أن كثيراً من الفاعلين الليبيين يتعاملون مع هذا التحرك الأمريكي وكأنه مسار راسخ ومستقر ومضمون النتائج، والحقيقة أن مراجعة سلوك الإدارة الأمريكية الحالية في عدد من الملفات الدولية لا تسمح بهذه الدرجة من اليقين. فالإدارة التي يقودها دونالد ترامب تقدم منذ عودتها إلى البيت الأبيض نموذجاً شديد البراغماتية، لكنه في الوقت نفسه يتسم بدرجة مرتفعة من السيولة وعدم الانضباط الاستراتيجي؛ مواقف تتغير بسرعة، وأولويات يعاد ترتيبها بصورة مفاجئة، وقرارات تتأثر أحياناً باعتبارات اقتصادية أو انتخابية آنية أكثر من تأثرها برؤية طويلة المدى.

الأهم من كل ذلك، أن جانباً من النقاش الدائر حول التسوية المحتملة يتعامل مع الملف الليبي كما لو أنه دخل مرحلة الهيمنة الأمريكية الكاملة، وكأن بقية الأطراف الإقليمية أصبحت على هامش المشهد. غير أن الوقائع المتراكمة منذ عام 2011 تقول شيئاً مختلفاً تماماً، فليبيا كانت ولا تزال إحدى أكثر الساحات تشابكاً من حيث تداخل المصالح والنفوذ الإقليمي والدولي، الأمر الذي يجعل من الصعب تصور نشوء تسوية مستقرة وقابلة للاستمرار من دون مراعاة حسابات القوى المنخرطة فعلياً في هذا الملف.

فمن الملاحظ أن قدراً كبيراً من الاهتمام انصرف إلى اجتماع القاهرة الذي جمع مؤخرا الولايات المتحدة ومصر وتركيا والسعودية، بينما مرّ غياب الإمارات دون نقاش جدي يوازي أهميته. وقد يكون من المبكر البناء على هذا الغياب للوصول إلى استنتاجات نهائية، إلا أن من الصعب تصور إعادة تشكيل المشهد السياسي الليبي من دون معرفة موقع أبو ظبي من أي ترتيبات يجري العمل عليها، أو مستوى قبولها بها، أو حدود استعدادها لدعمها. فالسنوات الخمس عشرة الماضية لم تقدم الإمارات باعتبارها طرفاً ثانوياً في الأزمة الليبية، بل باعتبارها أحد أكثر الفاعلين الإقليميين حضوراً وتأثيراً في مساراتها السياسية والأمنية والاقتصادية. ولهذا تبدو أي قراءة لمستقبل الأزمة تتجاوز وزن العامل الإماراتي أو تقلل من أثره أقرب إلى قراءة تتجاهل حقائق تشكلت على الأرض طوال سنوات الصراع أكثر من كونها قراءة تستند إلى موازين القوى الفعلية.

والحقيقة أن هذا الأمر لا يقتصر على الإمارات وحدها، فالتجارب التاريخية المتعلقة بالدول التي تشهد أزمات ممتدة وصراعات مركبة تكشف أن التسويات الكبرى لا تُصاغ عادة بمعزل عن القوى الخارجية المنخرطة في الصراع. وكلما ازدادت مستويات التدخل الخارجي، ازدادت حاجة أي تسوية مستقبلية إلى مراعاة مصالح تلك القوى وضمان حد أدنى من توافقها. ولهذا السبب يصعب تصور نشوء واقع سياسي جديد في ليبيا دون أن تجد القوى الدولية والإقليمية الأساسية مكاناً لها داخله، سواء بصورة مباشرة أو عبر حلفائها وشركائها المحليين. بل إن التأمل الهادئ في التجربة الليبية منذ عام 2011 يقود إلى ملاحظة ربما تكون غير مريحة للبعض. فمنذ الأداء السياسي الهزيل الذي اتسمت به تجربة المجلس الوطني الانتقالي في سنوات الأزمة الأولى، برزت حقيقة ظلت تتكرر بأشكال مختلفة حتى اليوم، وهي أن فهم سلوك ومواقف جزء كبير من النخب والقوى الليبية المتنفذة لا يبدأ من داخل المشهد الليبي وحده، بل يقتضي البحث أولاً عن امتدادات شبكات علاقاتها الإقليمية والدولية ومصادر الدعم التي تستند إليها.

فجزء معتبر من هذه القوى لم يتعامل مع الدعم الخارجي باعتباره أداة مساعدة مؤقتة، بل تحول في كثير من الأحيان إلى جزء من بنية النفوذ ذاتها. ومع مرور الوقت أصبحت قدرة العديد من الفاعلين المحليين على الحفاظ على مواقعهم مرتبطة بدرجات متفاوتة باستمرار هذه الشبكات والعلاقات، الأمر الذي جعل الحدود الفاصلة بين النفوذ المحلي والتأثير الخارجي أكثر تداخلاً مما تبدو عليه في الخطاب السياسي المعلن.

أما السؤال الأكثر أهمية فلا يتعلق فقط بمدى نجاح الحراك الأمريكي الجاري في ليبيا، بل بقدرته على إنتاج مساحة توافق بين الأطراف الليبية من جهة، وبين القوى الإقليمية والدولية المؤثرة من جهة أخرى. وحتى الآن لا تبدو الإجابة إيجابية بصورة كاملة، فإننا نقول بأن معظم المؤشرات المتاحة حاليا تدلل بوضوح على أن البنية السياسية التي أنتجت الأزمة لا تزال قائمة. الأطراف الرئيسية ما زالت هي نفسها تقريباً، وشبكات المصالح الأساسية لم تتغير، والخلافات الجوهرية المتعلقة بتوزيع السلطة والثروة والنفوذ ما تزال حاضرة وإن بأشكال مختلفة.

وهنا تكتسب الملاحظات التي طرحتها كبيرة المحللين في مجموعة الأزمات الدولية، كلوديا جازيني، عند تعليقها على الحديث المتزايد عن فرص التسوية السياسية في ليبيا، أهمية خاصة، فجوهر ما ذهبت إليه لا يتعلق برفض المبادرات أو التقليل من شأن الحراك الدبلوماسي الجاري، بل بالتشكيك في الفرضية الأساسية التي تستند إليها موجة التفاؤل الحالية. فهي -جازيني- ترى أن التسويات السياسية لا تنجح لأن المجتمع الدولي يريد لها النجاح، ولا لأن القوى الإقليمية تدعمها، وإنما لأنها تعكس تحولاً حقيقياً في حسابات الأطراف المحلية. وحتى الآن لا تبدو المؤشرات المتاحة كافية للقول إن مثل هذا التحول قد حدث بالفعل.

الأزمة الليبية، في جوهرها، كانت ولا تزال، ويبدو أنها ستظل في المدى المنظور، تُدار باعتبارها ملفاً أمنياً أكثر من كونها قضية سياسية خالصة، ولذلك فإن القرارات المهمة المتعلقة بها داخليا وخارجيا تُصنع في داخل الفضاء السياسي وحده، بل داخل شبكات أمنية واستخباراتية محلية وإقليمية ودولية متداخلة

فإذا كانت النتيجة النهائية التي تتجه إليها البلاد بعد خمسة عشر عاماً من الصراع هي إعادة إنتاج جزء مهم من البنية السلطوية السابقة بأسماء جديدة، فإن ذلك يفرض أسئلة صعبة حول المسار الذي سلكته ليبيا منذ عام 2011، وحول الكلفة الاجتماعية والاقتصادية والأمنية الهائلة التي دفعتها خلال هذه السنوات.

وإذا كان مآل العملية السياسية هو العودة إلى حكم يغلب عليه الطابع العسكري من جهة، أو إعادة تدوير شخصيات تنتمي إلى دوائر السلطة القديمة من جهة أخرى، فإن السؤال الذي سيظل مطروحاً لدى أعداد كبيرة من الليبيين لا يتعلق فقط بمن سيحكم، بل بما إذا كانت كل هذه التضحيات والخسائر قد قادت البلاد فعلاً إلى وضع أفضل. أما إذا انتهى الأمر إلى أوضاع لن تكون المقارنة بينها وبين أوضاع ما قبل عام 2011 في صالح الحاضر، فإن من حق كثيرين أن يتساءلوا عن الثمن الذي دُفع، وما الذي تحقق فعلاً في مقابل هذه الكلفة البشرية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية الهائلة. فإسقاط الأنظمة لا يكون هدفاً في حد ذاته، وإنما وسيلة للانتقال إلى واقع أفضل وأكثر استقراراً وقدرة على تلبية تطلعات المواطنين. فالدول لا تقيس تحولات تاريخها بعدد الاتفاقات التي وُقعت، ولا بعدد الحكومات التي تشكلت، وإنما بحجم المسافة التي قطعتها بين ما كانت عليه وما أصبحت عليه.

في المجمل، فإن القراءة البراغماتية للتطورات الأخيرة في الأزمة الليبية، ربما لا تقود إلى التشاؤم، لكنها لا تسمح أيضاً بالتفاؤل المفرط. فليبيا قد تكون بالفعل أمام مرحلة سياسية جديدة، لكن الجديد فيها لا يتمثل بالضرورة في اقتراب الحل النهائي، وإنما في انتقال إدارة الأزمة إلى مستوى مختلف من الترتيبات الإقليمية والدولية. فالأزمة الليبية، في جوهرها، كانت ولا تزال، ويبدو أنها ستظل في المدى المنظور، تُدار باعتبارها ملفاً أمنياً أكثر من كونها قضية سياسية خالصة، ولذلك فإن القرارات المهمة المتعلقة بها داخليا وخارجيا تُصنع في داخل الفضاء السياسي وحده، بل داخل شبكات أمنية واستخباراتية محلية وإقليمية ودولية متداخلة.

وفي ظل هذه الحقيقة تبدو السياسة والاقتصاد، في كثير من الأحيان، امتداداً لما يُرسم في تلك الدوائر أكثر من كونهما نقطة البداية في صناعة القرار. وعليه، قد يكون من الحكمة التعامل مع المؤشرات الإيجابية الحالية باعتبارها فرصاً محتملة تستحق المتابعة، لا باعتبارها نتائج محسومة. فالتجربة الليبية علمتنا مراراً أن الحركة السياسية ليست بالضرورة دليلاً على اقتراب الحل، كما علمتنا أيضا أن أكثر اللحظات التي ارتفعت فيها التوقعات كانت في كثير من الأحيان مقدمة لخيبات أمل جديدة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)