قافلة الصمود وخوف العسكر من الحشود

علي العسبلي
"تبقى هذه المبادرات مهمة حتى عندما تفشل"- إكس
"تبقى هذه المبادرات مهمة حتى عندما تفشل"- إكس
شارك الخبر
لا أحد يخفى عليه ما يحصل في غزة، فنحن كما يقولون أمام أول إبادة جماعية تُبث مباشرة على الشاشات والهواتف، ربما للمرة الأولى في التاريخ بهذا الوضوح والكم الهائل من الصور والفيديوهات؛ عشرات الآلاف قُتلوا تحت أنظار حكومات العالم، التي اكتفى كثير منها بالمشاهدة، أو بالتعاطف العاجز في أفضل الأحوال.

لكن وسط هذا المشهد المأساوي ظهرت أشكال مختلفة من التضامن، ليس من الحكومات طبعا، فهذه قصة أخرى، بل من الشعوب، من الناس العاديين، من الشوارع والجامعات والنقابات، ومن مبادرات وقوافل برية وأساطيل بحرية حاولت، حتى بشكل رمزي، أن تقول إن فلسطين وغزة ليستا وحدهما.

من بين هذه المبادرات جاءت "قافلة الصمود"، التي ضمت نشطاء من دول شمال أفريقيا ومتضامنين أمميين من أنحاء العالم، بهدف لفت الانتباه إلى المجاعة والحصار والإبادة، ومحاولة إيصال مساعدات إلى معبر رفح. وكما تابع الجميع، انتهى الأمر باعتراض القافلة في سرت واعتقال بعض المشاركين فيها، بعدما سبقتها حملات تخوين وتشويه وتحريض.

أي تجمع خارج السيطرة يثير خوف الأنظمة العسكرية وأجهزتها الأمنية، أي مشهد فيه جماهير تتحرك من تلقاء نفسها، بلا أوامر ولا تنسيق أمني، يبدو مقلقا، حتى لو كانوا يحملون مساعدات وأعلام فلسطين

المثير في المشهد ليس القافلة نفسها، بل حجم الذعر منها. مرة يصبح المشاركون "إسلاميين متطرفين"، ومرة "ملحدين ومنحلين"، ومرة "عملاء مخابرات"، ثم "متسولين" أو "مثيري فوضى". التهم تتنوع وتتغير بسرعة لدرجة أن السلطات نفسها لم تعرف ماذا تتبنى منها، المهم فقط خلق عدو لتبرير القمع.

ثم تكرر المشهد مرة أخرى مع "قافلة الصمود 2" قبل أيام قليلة. القافلة مرت عبر دول وحدود وبوابات تفتيش عديدة، قبل أن تتوقف مجددا عند تخوم مناطق سيطرة عائلة حفتر، وتحديدا في سرت.

وهنا يصبح السؤال الأهم: لماذا تتحول سرت كل مرة إلى خط أحمر؟ ولماذا يبدو تحرك مدني رمزي بهذا القدر من الإزعاج لسلطات الشرق؟

في تقديري، مثل هذه المبادرات لا تشكل أي تهديد حقيقي لعائلة حفتر وسلطات الأمر الواقع في الشرق. بالعكس، لو كانوا يفكرون بعقلية سياسية باردة لفتحوا الطريق للقافلة حتى الحدود المصرية، وتركوا القاهرة تتحمل مسؤولية قرار المنع أو السماح. لكن المشكلة ليست في الخطر الأمني أصلا، بل في فكرة الحشود نفسها، وفي العبارة التي أطلقها السيسي عام 2020 عندما قال إن "سرت خط أحمر".

أي تجمع خارج السيطرة يثير خوف الأنظمة العسكرية وأجهزتها الأمنية، أي مشهد فيه جماهير تتحرك من تلقاء نفسها، بلا أوامر ولا تنسيق أمني، يبدو مقلقا، حتى لو كانوا يحملون مساعدات وأعلام فلسطين. لا أتفق مع الذين يقولون إن سرت حدود "إسرائيل الكبرى"، لكن أستطيع القول بثقة إن سرت هي حدود النفوذ المصري؛ من يؤمّن سرت، يؤمّن القاهرة.

القافلة الثانية تحديدا كانت أقل زخما من الأولى؛ الحرب في غزة دخلت مرحلة مختلفة، والناس أنهكها طول المجازر، كما أن بعض التيارات الإسلامية، خصوصا المحسوبة على المفتي الصادق الغرياني، حاولت القفز على المبادرة وتقديم نفسها كواجهة لها، ما نفّر جزءا من الناس في الشرق والغرب، حيث هذه التيارات منبوذة أصلا.

وفي المقابل، بدا الحضور الجزائري في واجهة القافلة أكثر بروزا، بطريقة جعلت البعض يشعر أن القضية الفلسطينية تُستعمل أيضا في تصفية حسابات سياسية مع مصر على الأرض الليبية. وهذا ليس جديدا في المنطقة، فلطالما وُجدت أنظمة تتصارع باسم فلسطين، بينما لا تجرؤ على فعل شيء حقيقي أو تقديم شيء ملموس للفلسطينيين.

لكن أحدا لم يقل إن المحاولة بلا معنى، لأن مجرد التضامن بحد ذاته شكل من أشكال المقاومة

حفتر لم ينطق تقريبا بكلمة واحدة عن غزة منذ 7 أكتوبر، ونظام السيسي يتعامل مع الإبادة بمنطق دبلوماسي بارد، وسفارة إسرائيل ما زالت تعمل في القاهرة بشكل طبيعي، بينما دول مثل كولومبيا وبوليفيا وجنوب أفريقيا ذهبت إلى المحاكم الدولية واتخذت مواقف سياسية وأخلاقية واضحة، دون ضجيج أو مزايدات. وفي الجهة الأخرى، يواصل عبد المجيد تبون خطاب "افتحوا الحدود"، وهو يعرف جيدا أن الهتاف لفلسطين أسهل من الاشتباك مع الواقع.

ورغم كل ذلك، تبقى هذه المبادرات مهمة، حتى عندما تفشل؛ عشرات القوارب والأساطيل البحرية حاولت كسر الحصار عن غزة ولم تصل، وتم اعتراض المشاركين فيها واعتقالهم، وفي أحيان أخرى فقد بعضهم حياته. لكن أحدا لم يقل إن المحاولة بلا معنى، لأن مجرد التضامن بحد ذاته شكل من أشكال المقاومة.

المشكلة عندنا في بلدان شمال أفريقيا ليست غياب التضامن أو المقاومة، بل كثرة "الملاومة"، المزايدة، والمتاجرة بالقضية، واستعمال فلسطين كسلاح داخلي ضد الخصوم، أو وسيلة لتنويم الحشود والسيطرة على عواطفها.

الجميع يريد أن يبدو ثوريا أمام الكاميرا، لكن حين يتعلق الأمر بأخذ المبادرة، يعود الجميع إلى أماكنهم بسرعة، كأن فلسطين تحولت عند كثيرين إلى موسم للمزايدات، لا قضية تحرر.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)