السردية الإيرانية حول استهداف دول الخليج العربية

علي باكير
حتى اليوم، لا يوجد أي دليل قاطع رسمي أو غير رسمي واحد يشير  إلى أنّ دول الخليج شاركت في الهجمات الأولى ضد النظام الإيراني في 28 فبراير بشكل يعطيه الحق بالرد عليها تحت يافطة "الدفاع عن النفس".. جيتي
حتى اليوم، لا يوجد أي دليل قاطع رسمي أو غير رسمي واحد يشير إلى أنّ دول الخليج شاركت في الهجمات الأولى ضد النظام الإيراني في 28 فبراير بشكل يعطيه الحق بالرد عليها تحت يافطة "الدفاع عن النفس".. جيتي
شارك الخبر
في 28 فبراير 2026، وعندما تعرّضت إيران لهجوم إسرائيلي وأمريكي كان بمثابة اعلان اندلاع الحرب التي لا تزال مستمة بأشكال ومستويات مختلفة حتى اليوم، قام النظام الإيراني على الفورد بالرد مستهدفاً كل دول مجلس التعاون الخليجي العربية وعدد آخر من الدول. النظام الإيراني برّر عدوانه على دول المجلس من خلال الادعاء بأنّها شاركت في الاعتداء على إيران. لاحقاً، قال النظام الإيراني أنّ استهداف الدول الخليجية هو نتيجة لاستضافتها القواعد الأجنبية، وهو ما يعطي الانطباع بأنّ الجانب الإيراني يستهدف ـ في هذه البلدان ـ القواعد الأمريكية حصراً، وأنّ هذه القواعد مشاركة في العدوان على إيران.

لكن سرعان ما تبيّن أنّ هذه السردية الإيرانية ـ بغض النظر الان عن صحتها أو عدم صحتها وهو ما سنتطرق له لاحقا ـ تعاني من عدّة مشاكل بيّنة. الأوّلى أنّها لا تتفاعل مع حقيقة أنّ إيران قصفت كل البلدان الخليجية دون استثناء بما في ذلك بلدان كانت تعتبر صديقة لإيران من بينها على سبيل المثال سلطنة عُمان، وقطر التي دفعت ثمناً باهظاً في عام 2017 حينما تم قطع العلاقات الدبلوماسية معها، وفرض حصار عليها من قبل عدّة دول بدعوى قربها من إيران.

النظام الإيراني برّر عدوانه على دول المجلس من خلال الادعاء بأنّها شاركت في الاعتداء على إيران. لاحقاً، قال النظام الإيراني أنّ استهداف الدول الخليجية هو نتيجة لاستضافتها القواعد الأجنبية، وهو ما يعطي الانطباع بأنّ الجانب الإيراني يستهدف ـ في هذه البلدان ـ القواعد الأمريكية حصراً، وأنّ هذه القواعد مشاركة في العدوان على إيران.
المشكلة الثانية هي أنّ السردية الإيرانية لا تتفاعل مع حقيقة انّ إيران لم تقصف القواعد الامريكية في تلك البلدان فقط، بل قصفت القواعد والأصول المحلّية أيضاً، وقصفت المنشآت الوطنية الاقتصادية والمالية والسيادية أيضاً، ومن بينها المنشآت الحيوية كمنشآت الطاقة، والمطارات، ومنشآت المياه والكهرباء، وبعض المؤسسات الحكومية وحتى المناطق المدنية والسكنية. أمّا المشكلة الثالثة، فهي أنّ مجموع الاستهدافات الإيرانية لدول مجلس التعاون الخليجي والأردن تفوق الـ 85% من مجمل ضرباتها لكل الأطراف مقارنة بأقل من 14% لإسرائيل، لا بل إنّ الاعتداء الإيراني على دولة صغيرة مثل الكويت كان يوازي او يفوق حجم الضربات الإيرانية لإسرائيل.

وعليه، فقد تم تحديث السردية الإيرانية لتتضمن ذرائع وادعاءات جديدة تبرر هذه الحيثيات من بينها انّ الهدف من هذا القصف هو رفع التكلفة على الدول الخليجية والأردن كي تضغط هي على واشنطن لإيقاف الحرب، ثم تبعتها بتبرير مشابه لإغلاق مضيق هرمز وهو رفع التكلفة على الولايات المتّحدة في سياساتها الداخلية وفي حساباتها الدولية. لكن أي من ذلك لم يحصل. ومع أنّ إيران تعرف ـ كما يعرف الجميع ـ أنّ إسرائيل هي من بدأ الحرب وأنّ إسرائيل هي من جر الولايات المتّحدة وليس دول الخليج، إلا أنّ تبريرها وذرائعها تتناقض مع هذه الحقيقة، كما تتناقض مع توصيف إيران لدول الخليج على انها دول تابعة لا سيادة لها، فإن كانت كذلك فكيف لها أن تؤثر على القرار الأمريكي؟!

على كل حال، بدت الذرائع والادعاءات الإيرانية بمثابة قنبلة دخانية، إذ سرعان ما تجاهلت طهران إسرائيل والعدوان الإسرائيلي، وقامت إيران بإخراج إسرائيل من المعادلة تماماً. التفاوض يجري مع الأمريكيين والقصف يتم ضد الدول الخليجية والأردن. وإذا ما حدّثنا أرقام الإعتداءات الإيرانية على هذه الدول بعد مذكرة التفاهم سنجد ربما انّ حصلة إسرائيل من مجمل الاستهدافات منذ بداية الحرب لربما انخفضت على 5%. هذه الحقيقة تخبرنا عن طبيعة السياسة الإيرانية وعن العدوان الإيراني على الدول الخليجية أكثر من أي شيء آخر، وهي رسالة كذلك إلى إسرائيل.

مع انهيار مذكرة التفاهم نتيجة لاستهداف إيران عدد من ناقلات النفط والسفن التابعة للدول الخليجية على الضفّة العُمانية من مضيق هرمز، شنّت الولايات المتّحدة ضربات مكثّفة ضد إيران على مدى أيام كانت فيها المقاتلات الامريكية تقلع من حاملات الطائرات المتمركزة في البحر غير بعيد عن إيران، ومن إسرائيل أيضاً ـ التي بدأت العدوان ضد إيران ـ، ويتم دعمها لوجستياً بقواعد غالبها في أوروبا من قبرص إلى اليونان إلى بلغاريا.

الجميع كان يرى ويسمع ويعلم ذلك باستثناء إيران التي استمرت في استهداف الدول الخليجية والأردن، واستبعاد كل الأماكن التي تنطلق منها المقاتلات الأمريكية فعليا لضرب إيران، لدرجة أنّ وزير الدفاع الإسرائيلي قال متبجحاً قبل عدّة أيام فقط أنّ المقاتلات الامريكية تقلع من إسرائيل لضرب إيران وأنّ النظام الإيراني يعلم ذلك تماماً ولا يفعل شيئا لأنّ هناك حالة ردع. أضاف الوزير الإسرائيلي متهكماً انّ الإيرانيين يطلقون النار على كل شيء في المنطقة باستثناء دولة واحدة، دولة إسرائيل، مشيراً إلى انّه إذا قررت طهران ضرب إسرائيل فإنّ الأخيرة سترد بكل قوة. ولفت الوزير إلى أنّ إسرائيل تريد تدمير منشآت الطاقة الإيرانية لكن الولايات المتّحدة لا تسمح بذلك حالياً.

ومع أنّ الوقائع والحقائق تكذّب السردية الإيرانية، إلا أنّ هناك من لا يريد مراجعتها أو التفكير فيها وذلك لأنّها تتوافق مع هواه. السردية الإيرانية غير قائمة فعليا إلاّ في أذهان من يريد لها ان تكون، فهي تعاني من مشاكل جمّة، لعل أهمّها:

أولا ـ الادعاء شيء والدليل شيء آخر مختلف تماماً. بإمكان أي أحد أن يقول أي شيء، لكن من دون دليل، لا يمكن لإيران الاعتداء على الدول العربية استناداً إلى الادعاء. حتى اليوم، لا يوجد أي دليل قاطع رسمي أو غير رسمي واحد يشير  إلى أنّ دول الخليج شاركت في الهجمات الأولى ضد النظام الإيراني في 28 فبراير بشكل يعطيه الحق بالرد عليها تحت يافطة "الدفاع عن النفس"، بما في ذلك التقارير الصحفية التي نشرتها بعض الصحف الغربية كنيويورك تايمز. لكن على افتراض أنّ بعض الهجمات الأولى انطلقت بالفعل من الكويت أو البحرين كما صوّر البعض، كيف يمكن تبرير هجوم إيران على الدول الخليجية الست والأردن معاً؟

ثانياً ـ هناك تناقض واضح بين الإتجاه الرسمي الإيراني والاتجاه الذي يسيطر عليه الحرس الثوري. في بداية الحرب خرج الرئيس الإيراني ليعتذر بشكل رسمي وعلني من استهداف الدول الخليجية، وبينما هو يفعل ذلك، قام الحرس الثوري باطلاق المزيد من الصواريخ على الدولي الخليجية.  هذا التناقض ليس له علاقة حقيقية بالمواقع التي يتم انطلاق الاعتداءات منها على إيران، وإنما بسياسة عدوانية مرسومة مسبقاً بدليل انّه كلما هددت إسرائيل أو أمريكا إيران بتدمير شيء، قام الجانب الإيراني بتهديد الدول الخليجية بتدمير نفس الشيء عندهاً. بغض النظر عن المسوغات، من الواضح أنّ إيران تتفادى الرد على مصادر التهديد الحقيقي وتعتدي على الدول الأخرى.

ليس هناك علاقة فعلية بين الأماكن التي تقوم إيران بضربها وبين الأماكن التي تنطلق منها الهجمات الأمريكية أو الإسرائيلية لضرب إيران. وعليه، فإنّ عدوان إيران على الدول الخليجية وإخراج إسرائيل من المشهد لا يخبرنا عن السياسة الإيرانية تجاه الدول الخليجية فقط وإنما عن الرسالة المراد إرسالها من إيران لإسرائيل أيضاً.
ثالثاً ـ لنفترض جدلاً أنّ الهجمات الإيرانية ـ بحق أو غير حق ـ تستهدف القواعد الأجنبية في دول الخليج العربي، فانه لا مجال للشك انّ الهجمات الإيرانية على المنشآت الحيوية في هذه الدول لاسيما ضد منشآت الماء والكهرباء هو جريمة حرب. كما انّ اعتداء إيران على سلطنة عُمان بسبب عدم موافقتها على الطرح الإيراني هو جريمة وتعديها على مياه عُمان الإقليمية في المضيق هو بمثابة غزو.

رابعاً ـ تذرّع السردية الإيرانية بعدم وجود أهداف أمريكية قريبة من إيران باستثناء دول الخليج هو أيضاً مردود عليه بدليل السفن الأمريكية المتواجدة قبالة إيران، فضلاً عن وجود أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة، وهي إسرائيل.

نفس الأمر ينطبق على ذريعة إغلاق مضيق هرمز ، علماً أنّ نفط إسرائيل يأتي من الحدود مع أذربيجان ونصف مسيّرة تكفي لإيقافه، تماماً كمان يمكن أن يؤدي قصف مدرجات المطارات الإسرائيلية أو قصف البوارج الامريكية الى إيقاف استخدام المقاتلات. لكن النظام الإيراني يعلم جيداً ان كلفة فعل أي من ذلك سيؤدي حتماً الى الإطاحة به وتدمير إيران بالكامل. لهذا السبب يقصف النظام الإيراني الدول التي يعتقد أنّها غير قادرة او غير راغبة بالرد عليه، ثم يقوم بالترويج لسرديته لتبريرها.

خلاصة القول إنه ليس هناك علاقة فعلية بين الأماكن التي تقوم إيران بضربها وبين الأماكن التي تنطلق منها الهجمات الأمريكية أو الإسرائيلية لضرب إيران. وعليه، فإنّ عدوان إيران على الدول الخليجية وإخراج إسرائيل من المشهد لا يخبرنا عن السياسة الإيرانية تجاه الدول الخليجية فقط وإنما عن الرسالة المراد إرسالها من إيران لإسرائيل أيضاً.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)