مفارقة سجن قرنادة في ليبيا: بين "حسن النية" وغياب العدالة

علي العسبلي
"نحن لا نتحدث عن وزارة عدل، أو جهة قضائية مستقلة، أو شرطة قضائية تشرف على السجون وفق القانون؛ نحن نتحدث عن كيان يفترض أنه مؤسسة عسكرية"
"نحن لا نتحدث عن وزارة عدل، أو جهة قضائية مستقلة، أو شرطة قضائية تشرف على السجون وفق القانون؛ نحن نتحدث عن كيان يفترض أنه مؤسسة عسكرية"
شارك الخبر
قبل أيام، أُعلن عن الإفراج عن 250 سجينا من سجن قرنادة في شرق ليبيا، في خطوة قُدمت باعتبارها "بادرة حسن نية" و"دعما للمصالحة الوطنية". وبالطبع، لا يمكن لأي إنسان طبيعي إلا أن يرحب بخروج معتقل إلى عائلته بعد سنوات من الغياب والاحتجاز، لكن خلف مشاهد الإفراج والابتسامات أمام الكاميرات، هناك سؤال أكبر بكثير من عدد المفرج عنهم: كيف وصل هؤلاء إلى السجن أصلا؟ ومن يملك سلطة اعتقالهم وإخفائهم لسنوات ثم إعادة حريتهم بقرار من العسكر؟

هنا تبدأ القصة الحقيقية؛ حين تعتقل السلطات خارج القانون، ثم تطلب منا التصفيق حين تخلي سبيل بعض ضحاياها، حتى صار الإفراج عن السجناء يُقدَّم كأنه منحة كريمة من السلطة، لا تصحيح متأخر لظلم طويل.

نعم، يجب الترحيب بهذه الخطوة، لكن دون أن ننجر ونتحول إلى جمهور يصفق للحظة مجتزأة وينسى المشهد الكامل. يجب أن ننظر إلى ما قبل لحظة الإفراج نفسها. من يعتقل؟ وكيف يعتقل؟ ولماذا يعتقل؟ ومن يقرر مصير المعتقلين؟ وأين القانون والقضاء من كل هذا أساسا؟

تعتقل السلطات خارج القانون، ثم تطلب منا التصفيق حين تخلي سبيل بعض ضحاياها، حتى صار الإفراج عن السجناء يُقدَّم كأنه منحة كريمة من السلطة، لا تصحيح متأخر لظلم طويل

أغلب الظن أن عددا كبيرا من السجناء المفرج عنهم لم يُعرضوا على النيابات المدنية، ولم يحصلوا على محاكمة عادلة، وبعضهم لم يُعرف حتى مكان احتجازه لفترات طويلة. هناك معتقلون سياسيون، وأشخاص احتُجزوا بسبب آرائهم أو انتماءاتهم الفكرية أو خلافاتهم مع سلطات الأمر الواقع المسيطرة بالقوة. أعرف ذلك جيدا؛  ليس من التقارير الحقوقية أو الصحفية فقط، بل من التجربة الشخصية أيضا.

قبل أكثر من عشر سنوات، كنت واحدا من السجناء داخل زنزانة ضيقة رثة في سجن قرنادة نفسه. اعتُقلت من قبل "القيادة العامة"، وخرجت بقرار من "القيادة العامة" أيضا. طوال 120 يوما لم أُعرض على محكمة، لم يكن لدي محامٍ، لم تكن هناك إجراءات قانونية واضحة، لم تكن هناك حتى محاولة لإعطاء الاعتقال شكلا قانونيا مقنعا؛ مجرد قرار اعتقال من شخص ذي نفوذ، ثم أشهر من الاحتجاز، ثم قرار إفراج لا يقل اعتباطا عن قرار الاعتقال نفسه.

لهذا، حين أقرأ اليوم أن الإفراج تم "بتعليمات القائد العام" و"بمتابعة نائبه"، لا أستطيع تجاهل المفارقة الثقيلة هنا، نحن لا نتحدث عن وزارة عدل، أو جهة قضائية مستقلة، أو شرطة قضائية تشرف على السجون وفق القانون؛ نحن نتحدث عن كيان يفترض أنه مؤسسة عسكرية، أو جهة تقول إنها جيش، وهي التي تقوم بالاعتقال والإفراج وإدارة السجون بشكل مباشر. وهذه ليست تفصيلة صغيرة يمكن تجاوزها.

من المفترض أن وظيفة الجيوش، في كل العالم تقريبا، هي حماية الحدود والدفاع عن البلاد، لا إدارة السجون والتحكم في مصائر الناس وسلب حريتهم؛ لكن عندنا الوضع مختلف، القيادة العامة للقوات المسلحة، المتمثلة فعليا في عائلة خليفة حفتر، أصبحت فوق كل السلطات؛ تعتقل، وتفرج، وتقرر، وتمنح العفو، بينما لا نكاد نسمع أي ذكر لوزارة العدل أو المحامي العام أو النائب العام.

القائد العام خليفة حفتر يملك صلاحيات مفتوحة تقريبا، أقرب إلى صلاحيات إمبراطور، ونائبه صدام حفتر، الذي يُقدَّم كوريث وكامتداد عائلي لهذا النفوذ، بات مهيمنا على مشهد تختلط فيه المؤسسة العسكرية بالأمن والقضاء والسياسة والاقتصاد وحتى "المصالحة الوطنية".

ولكن هذا لا يعني أن الإفراجات الأخيرة بلا قيمة؛ بالعكس، أي شخص يخرج من السجن إلى عائلته وذويه هو مكسب كبير. لا شيء يعادل فرحة أم بابنها، أو زوجة بزوجها، أو أسرة بعودة غائبها بعد سنوات؛ لكن السؤال الحقيقي يبدأ بعد التصفيق والتقاط الصور والبيانات الرسمية: من سيعوض هؤلاء عن السنوات التي قضوها داخل السجون ومن سيجبر الضرر الذي لحق بهم؟ من سيحاسب على الاعتقالات التعسفية؟ من سيحقق في التعذيب وسوء المعاملة والحرمان من الزيارات والمحامين؟ ومن يضمن أن هؤلاء أنفسهم، أو غيرهم، لن يُعتقلوا مجددا بعد أشهر بالطريقة ذاتها؟

الإفراج لا يمحو الضرر، ولا يعيد السنوات، ولا يلغي مسؤولية من حوّل حرية الناس إلى ورقة مساومة على طاولات السياسة وتقاسم النفوذ.

المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية ليست إطلاق سراح دفعات متفرقة من السجناء كل فترة، وليست عملية علاقات عامة لتحسين صورة السلطات أمام الخارج أو امتصاص الغضب الداخلي. العدالة الانتقالية تعني الاعتراف بالانتهاكات أولا، ثم محاسبة المسؤولين عنها، ثم تعويض الضحايا، وضمان عدم تكرار ما حدث.

ثم إن الانتقائية هنا تطرح أسئلة كثيرة: لماذا هؤلاء تحديدا؟ ما هي قضاياهم؟ ما المعايير التي استُخدمت؟ من راجع الملفات؟ هل وجدت شفافية حقيقية في العملية؟ لأن الإفراج عن 250 شخصا لا يلغي وجود مئات، وربما آلاف، ما يزالون يغيبون داخل السجون، ليس في قرنادة فقط، بل في سجون الشرق والغرب والجنوب، وفي ظروف لا إنسانية وكارثية.

إذا كانت هذه الخطوة جادة فعلا، فيجب أن تكون بداية لمسار أوسع يشمل كل السجون في ليبيا، يجب إنهاء الاعتقالات التعسفية فورا، وإحالة كل المحتجزين إلى قضاء مستقل يضمن المحاكمة العادلة وفق المعايير الدولية، مهما كانت التهم الموجهة إليهم. حتى المتهمون في أخطر وأبشع الجرائم لهم حقوق، وهذه ليست رفاهية حقوقية، بل الحد الأدنى لأي دولة يُفترض أن يحكمها القانون.

ويجب فتح السجون أمام الرقابة المستقلة، يجب السماح للمحامين بالدخول بحرية، والسماح لعائلات المحتجزين والسجناء بالزيارة، والسماح للمنظمات الحقوقية المحلية والدولية، وللجنة الدولية للصليب الأحمر، وبعثة الأمم المتحدة، بزيارة أماكن الاحتجاز بحرية، دون ترتيبات تجميلية مسبقة أو زيارات مصممة للكاميرات.

أما أوضاع السجون نفسها، فهي قصة أخرى. كثير من السجون الليبية لا يصلح أصلا للاستخدام البشري؛ بسبب الاكتظاظ، والقذارة، وسوء الطعام، والتعذيب، والإهمال الطبي، والحرمان من التواصل، وانعدام الرقابة. والغريب أن الدولة ما زالت تسمي هذه الأماكن "مؤسسات الإصلاح والتأهيل"، فوسط هذه الظروف، تبدو التسمية أحيانا أقرب إلى الكوميديا السوداء.

رسالة واضحة: قد تتأخر المحاسبة، وقد يعتقد كثيرون أن السلاح والنفوذ يوفران الحماية الكاملة، لكن التجارب تثبت أن ذلك ليس صحيحا دائما

لهذا، لا يكفي الإفراج عن عدد هنا وهناك كل فترة، غالبا ضمن ترتيبات سياسية أو حملات تلميع أو محاولات لاحتواء الضغط والانتقادات. المطلوب هو تفكيك المنظومة القمعية التي أنتجت هذه الانتهاكات من الأساس، يجب علاج أصل المرض، لا الاكتفاء بتخفيف أعراضه.

أخطر ما يمكن أن يحدث في ليبيا هو أن نعتاد على فكرة أن الاعتقال التعسفي والاحتجاز غير القانوني أمر طبيعي، وأن الإفراج يصبح "مكرمة" من السلطة، لا حقا قانونيا ناتجا عن غياب أساس قانوني للاعتقال أو ثبوت البراءة أو انتهاء مدة الاحتجاز.

وفي النهاية، هناك حقيقة يجب ألا ينساها أحد داخل منظومات الظلم والاضطهاد، وهي أن الإفلات من العقاب ليس مضمونا إلى الأبد. فقضية خالد الهيشري، أحد أبرز مسؤولي سجن معيتيقة السابقين، الذي يقف اليوم أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، ليست تفصيلا بعيدا عن هذا النقاش. فهي رسالة واضحة: قد تتأخر المحاسبة، وقد يعتقد كثيرون أن السلاح والنفوذ يوفران الحماية الكاملة، لكن التجارب تثبت أن ذلك ليس صحيحا دائما.

ولهذا، إذا كانت هناك رغبة حقيقية في المصالحة والعدالة الانتقالية، فالبداية ليست من مبادرات إخلاء سبيل السجناء وحدها، بل من إنهاء الاعتقال خارج القانون من الأساس، وتحسين ظروف الاحتجاز، وتعزيز الرقابة، وإعادة القضاء إلى مكانه الطبيعي.

المصالحة الوطنية والنوايا الحسنة لا تبدأ من الإفراج عن بعض السجناء، بل من إنهاء فكرة أن حرية الناس يمكن أن تبقى أصلا بيد العسكر.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)