بين القضاء والتسوية.. هل خسرت ليبيا معركة العدالة الانتقالية؟

نزار كريكيش
كان السؤال هل القضاء الليبي غير قادر أو أن القضاة الليبيين تنقصهم النزاهة؟وهل القوانين الليبية قاصرة عن محاكمة الجناة؟
كان السؤال هل القضاء الليبي غير قادر أو أن القضاة الليبيين تنقصهم النزاهة؟وهل القوانين الليبية قاصرة عن محاكمة الجناة؟
شارك الخبر
تكشف الأحكام الأخيرة الصادرة في القضية رقم 630 لسنة 2014، المعروفة بقضية قمع متظاهري ثورة فبراير، عن أزمة أعمق من مجرد نزاع قضائي؛ إذ تعكس حدود العدالة الانتقالية في ليبيا حين تصطدم ببنية سياسية ومؤسسية ما تزال عاجزة عن الحسم والمحاسبة. فالقضية لم تعد تتعلق فقط ببراءة متهمين أو إدانة آخرين، بل بما تكشفه هذه الأحكام من هشاشة في تصور الدولة لمعنى العدالة، ومن استمرار التوتر بين مطلب الإنصاف ومنطق التسويات السياسية في مرحلة انتقالية لم تستقر بعد.

الأمر يتعلق بالقضية رقم 630 لسنة 2014، المعروفة بقضية قمع متظاهري ثورة فبراير. وقد أصدرت محكمة استئناف طرابلس، برئاسة المستشار رمضان علي بلوط، حكماً ببراءة عدد من المتهمين، من بينهم عبد الله السنوسي، أحد أبرز المسؤولين في جهاز المخابرات الليبي السابق والمطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، إلى جانب عدد من رموز النظام السابق، مثل البغدادي المحمودي ومنصور ضو ومحمد أبوالقاسم الزوي ومحمد أحمد الشريف، الذين تقلدوا مناصب أمنية ومدنية خلال حكم القذافي.

أعاد هذا الحكم إلى الواجهة قضايا جوهرية تتصل بالعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، كما أثار تساؤلات حول مدى قدرة النظام القضائي الليبي على إنصاف المتضررين من أعمال القتل والقمع والاغتصاب التي رافقت ثورة فبراير.
كما أسقطت المحكمة، بسبب الوفاة، الدعوى عن سيف الإسلام القذافي وآخرين. ويأتي هذا الحكم بعد أن كانت المحكمة قد قضت عام 2015 بالإعدام على عدد من المتهمين، قبل أن ترى لاحقاً أن الحكم السابق لم يستند إلى أدلة كافية. ووفقاً لما جرى تداوله، في ظل عدم نشر تسبيب الحكم حتى الآن، فقد يكون سبب البراءة مرتبطاً بعدم كفاية الأدلة أو باعتبار الأفعال محل الاتهام مشمولة بتبريرات قانونية تتعلق باعتداء المتظاهرين على مؤسسات الدولة.

دلالات الحكم على مسار العدالة الانتقالية

أعاد هذا الحكم إلى الواجهة قضايا جوهرية تتصل بالعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، كما أثار تساؤلات حول مدى قدرة النظام القضائي الليبي على إنصاف المتضررين من أعمال القتل والقمع والاغتصاب التي رافقت ثورة فبراير.

ومن زاوية أوسع، يثير هذا التطور أسئلة أعمق تتعلق بالبنية الفكرية التي قامت عليها إدارة الأزمة الليبية. فعلى الرغم من التقدم في بعض المسارات السياسية، ظل التأصيل الفكري لعملية التحول هشاً وضعيفاً، وهو ما انعكس على فهم العدالة والمصالحة ومعايير بناء الدولة في مرحلة ما بعد الصراع. تاريخيا وحتى بعد ثورة فبراير لم تستطع مفاهيم العدالة الانتقالية أن تحل محل المصالحة المطلقة التي سيطرت على عقول مشايخ القبائل والسياسيين، فكان هناك حالة من التنافر المعرفي، فبينما تقر الوثائق الصادرة عن المجلس الوطني الانتقالي الذي تشكل بعد ثورة فبراير إلى اعتبار تلك الأعمال ضد المتظاهرين أو المعارضين جرائم وصدرت عديد القوانين لتوطين العدالة الانتقالية بالتعاون مع مؤسسات دولية إلا أن فكرة نسيان الماضي والمصالحة على أي حال ظلت هي السائدة.

جورج باور في كتابه (داخل العقل السياسي) (2024) الخبير السياسي البريطاني والمعني بالإصلاح السياسي في الدول الهشة، يشرح تجربته في ليبيا ويفسر الواقع الليبي بشكل مثير حين يقول: "هذه الهياكل واللوائح هي عادةً ما تتركّز عليه جهود الإصلاح بالكامل تقريبًا.لكن تحت السطح توجد كتلة أكبر بكثير من الجليد، تتكوّن من المعتقدات الثقافية، والمعايير المؤسسية، والممارسات العملية المتعارف عليها، والتي تشكّل المنطق الداخلي للمؤسسة.ولأن معظم هذه العناصر غير مكتوب وضمني ـ ناتج عن ممارسات متكررة، وتفاعلات يومية، وتفسيرات متراكمة للقواعد ـ فإنه يسهل على من هم خارج المؤسسة أن يغفلوه، وغالبًا ما يتم تجاهله أو إساءة فهمه عند محاولة الإصلاح".

هذه الممارسات هي أشبه بالأعراف المؤسسية والمعتقدات التي لا يمكن للمسؤولين الإفصاح عنها لأنها ربما تبدو متناقضة مع المعارف التي تنشأ من النخبة و هذا التناقض مخيف جداً، وربما  هذا ما  يجعل الموظفين والقضاة وغيرهم يشعرون بحاجة للانسجام مع حاجة المسؤولين في المراحل الانتقالية لمؤسسات ضعيفة، في الجانب القضائي هذا يسمى الجمود البنيوي في المراحل الانتقالية.

الجمود البنيوي في المراحل الانتقالية

في اليوم التالي لمحاكمة رموز النظام كانت هناك جلسات تأكيد التهم  لخالد محمد الهيشيري أحد أبرز قادة المليشيات في طرابلس في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مرتبطة بسجن معيتيقة في طرابلس.  في هذه المحاكمات النمط مختلف تماماً، والنظام مصمم لمثل هذه القضايا السياسية والجرائم التي تؤثر في بنيةالدولة والمرحلة الانتقالية. 

لذا كان السؤال هل القضاء الليبي غير قادر أو أن القضاة الليبيين تنقصهم النزاهة؟وهل القوانين الليبية قاصرة عن محاكمة الجناة؟ كل ذلك كان محل جدل، وكالعادة كانت العاطفة هي السائدة بين من يرى أن التسليم بحكم القضاء نوع من الوطنية أو أطراف أخرى تريد أن تتشفى من الواقع السيء لليبيا  من خلال تبرئة أنصار النظام السابق، أو أطراف أخرى تريد أن يحاكم أنصار النظام دون بذل جهد حقيقي لتقديم ملفات واضحة للقضاء للحكم من خلالها. لكن المعضلة تبدو في قضية أكبر من ذلك بكثير وهي مفهوم الجمود البنيوي في المراحل الانتقالية.

هذا المفهوم يقتضي أن:

ـ التأخير المفرط في القضايا الحساسة، ليس بسبب "كسل"، بل لأن النظام غير قادر على التعامل مع حجم الأدلة وتعقيد الملفات.

ـ التردد في إدانة شخصيات نافذة القاضي يخشى رد الفعل السياسي، غياب الحماية، الطعن في شرعيته، خلق سابقة تهزّ النظام

ـ ضعف حماية الشهود

ـ النظام القديم لم يكن يهتم بالشهود، والنظام الجديد لم يبنِ آليات جديدة. وهذا بعكس ما هو معمول به في محكمة الجنايات الدولية وكثير من دول العالم.

سيطرة فكرة المصالح والخلط بين التحالفات السياسية والعدالة الانتقالية، وتقديم العدالة كقربان في سياق التحالفات السياسية سيخلق في المستقبل مجموعة قوى جديدة يمكنها أن تزيد من تعقيد المشهد في ليبيا
ـ الالتزام ا الحرفي بالنصوص القديمة حتى لو كانت النصوص غير مناسبة للمرحلة الانتقالية. فمثلاً يتمسك المحامي والقاضي في القضية بمشروعية تطبيق قرارات السلطات في حماية مؤسسات الدولة دون الالتفات لما قامت به الدولة نفسها ممثلة في المسؤولين من خيانة لمسؤولياتهم بالحفاظ على مقتدرات الدولة، أو  كما حدث وتحدث به محامي المتهمين بأن المحكمة اعتمدت تقارير الطب الشرعي في زمن القذافي والتي قالت بأن المتهمين أطلق عليهم النار من الخلف، وهذا بالطبع لم يكن بعد نجاح الثورة إنما في زمن القذافي ، والطب الشرعي في ليبيا بالطبع كان تحت سيطرة النظام.

ـ إصدار أحكام "آمنة" أحكام لا تُغضب أحدًا، ولا تُحدث تغييرًا، ولا تحقق عدالة حقيقية. وهذا ما أثار كثيرين بأن السلطات القائمة تريد أجواء يمكن من خلالها كسب طل الأطراف السياسية سواء فبراير أو سبتمبر أو مجموعة حفتر في الشرق الليبي.

المسار السياسي والمسار القانوني

سيطرة فكرة المصالح والخلط بين التحالفات السياسية والعدالة الانتقالية، وتقديم العدالة كقربان في سياق التحالفات السياسية سيخلق في المستقبل مجموعة قوى جديدة يمكنها أن تزيد من تعقيد المشهد في ليبيا، وهكذا تبدو الزبائنية أساسا للشرعية في العقل السياسي الليبي، سنخرجكم من السجن وستدعموننا، أو أننا سنتقاسم المناصب وننهي الأزمة، هكذا يبدو تسوية النزاعات على حساب بناء السلام وتحويل النزاع لحالة انطلاق لبناء الدولة مالم يتغير العقل السياسي وينسجم سلوكه مع الفكر المؤسسي للدولة فإن ليبيا تدور في دورة مغلقة، كما أن الاتفاقات والتوافقات التي لا تنتبه للفرق بين اللوائح والأعراف، أو تبدع أفكار اً تحوّل تدريجيا تلك المفاهيم البالية لتقترب من الفكر المؤسسي او أهداف المجتمع العليا ، فإن التغيير سيكون أمرا بعيد الاحتمال.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)