"عندما يسكن
المهرج القصر، لا يتحول إلا ملك، إنما يُحول القصر إلى سيرك" يقفز هذا المثل
التركي لينطبق بشكل كبير على الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب الذي حوَّل القصر
الرئاسي هنا، أي البيت الأبيض، إلى سيرك بعروض بهلوانية وتهريجية يومية! وإن كان
ترامب يتصرف أيضا كأنه "ملك" مطلق الصلاحيات بدون اعتبارات للمؤسسات
التشريعية والقضائية. وفي هذا السياق شهدت الولايات المتحدة سلسلة احتجاجات بشعار
"لا ملوك"، ضد ما يصفها المحتجون بـ"
سياسات ترامب الاستبدادية
والفساد في إدارته".
بدا لافتا أن الاحتجاجات بدأت في 14 يونيو
2025، وسُميت بيوم "لا ملوك" من قبل المشاركين، في نفس اليوم الذي أقيم
فيه عرض الذكرى 250 لتأسيس الجيش الأمريكي، والذي اختار ترامب أن يكون بالتزامن مع
عيد ميلاد ميلاده التاسع والسبعين. وقد أخذت هذه الاحتجاجات بعدا دولياً أيضاً،
وأصبحت تنظم في كثير من دول العالم بالتزامن مع احتجاجات "لا ملوك" في
الولايات المتحدة باسم احتجاجات "لا دكتاتوريين" أو "لا طغاة".
هذا الخيار الذي ربط فيه ترامب الاحتفال
بعيد ميلاده بعيد ميلاد الجيش الأمريكي يقول ما يقول عن نرجسيته وحبه للظهور
وتصرفاته الغريبة، التي زادت بشكل كبير في ولايته الثانية، والتي لم تعد تثير
السخرية فقط، إنما القلق في الولايات
المتحدة والعالم، حول "قدراته العقلية" و"اختلاله النفسي"،
وحتى "علامات على إصابته بالخرف" مع تقدمه السن، هو الذي سيبلغ في 14
يونيو المقبل الثمانين من العمر. وهو العمر الذي يقول فيه الشاعر زهير بن أبي
سلمى:
سَئِمتُ تَكاليفَ الحَياةِ وَمَن يَعِش ثَمانينَ حَولاً لا أَبا لَكَ يَسأَمِ..
رَأَيتُ المَنايا خَبطَ عَشواءَ مَن تُصِب تُمِتهُ وَمَن تُخطِئ يُعَمَّر فَيَهرَمِ.
لكن لا يبدو أن ترامب "يسأم" من
تصريحاته المتناقضة بشكل "جنوني" مثلما ظهر مؤخرا مع الحرب على إيران،
و"خرجاته" و"طلعاته" الغريبة، خاصة على منصته على مواقع
التواصل الاجتماعي، من بينها مثلا نشره صورة تشبهه بالمسيح، وصورة أخرى لنفسه وكأن
المسيح يعانقه، وهجومه على البابا ليو الرابع عشر بسبب موقف الأخير الرافض للحرب
على إيران.
لا يبدو أن ترامب "يسأم" من تصريحاته المتناقضة بشكل "جنوني" مثلما ظهر مؤخرا مع الحرب على إيران، و"خرجاته" و"طلعاته" الغريبة، خاصة على منصته على مواقع التواصل الاجتماعي، من بينها مثلا نشره صورة تشبهه بالمسيح، وصورة أخرى لنفسه وكأن المسيح يعانقه، وهجومه على البابا ليو الرابع عشر بسبب موقف الأخير الرافض للحرب على إيران.
قبل أيام فقط أكدت ماري ترامب، ابنة شقيق
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهي محللة نفسية أن عمها يُظهر علامات الخرف، وهي
الحالة نفسها التي شُخِّص بها والده فريد ترامب في أوائل التسعينيات. وفي حوار
مباشر على قناة ABC الأمريكية،
شددت ماري على أنها ترى "الكثير" من جدها الراحل في دونالد الآن.
وقالت: "كان جدي في عمر دونالد
تقريبًا، ربما أصغر قليلًا... ربما كان جدي في منتصف السبعينيات من عمره عندما
بدأت تظهر عليه علامات الخرف. كما تعلمون، فقدان الذاكرة قصيرة المدى، ومشاكل في
التحكم بالانفعالات، وما إلى ذلك".
وكانت ماري ترامب، أصدرت في 2020، وخلال
الولاية الأولى لترامب، كتابا بعنوان "الكثير جدًا ولا يكفي أبدًا: كيف صنعت
عائلتي أخطر رجل في العالم"، وصفت فيه عمها بـ"أنه محتال ومتنمر".
وأكدت ماري، وهي حاصلة على درجة الدكتوراه
في علم النفس السريري، أن عمها " يُظهر جميع سمات النرجسية ..بل و يتجاوز
بكثير النرجسية العادية".
وقد رفعت عائلة ترامب دعوى قضائية لمنع نشر
الكتاب، لكن القضاء الأمريكي رفضها. وقد أثار الكتاب ضجة كبيرة وحقق مبيعات قياسية.
اللافت أنه في الولاية الأولى لترامب (2017 ـ
2021) ورغم تصرفاته، وتصريحاته الغريبة، لكن كانت هناك شخصيات مدنية وعسكرية قوية
في إدارته استطاعت لحد كبير كبحه، لكن في ولايته الثانية، التي بدأها في 20 يناير
2025، أحاط ترامب نفسه بمجموعة من الخاضعين له، لا يقلون غرابة واختلالا عنه، مثل وزير الحرب "المسيحي الصهيوني"
بيت هيغسيث، الذي تحول، مثل ترامب، إلى مادة دسمة للسخرية، بعد اقتباسه نصا مزيفا
من فيلم على أنه من “الكتاب المقدس"، هو الذي يدعي بأنه إنجيلي ملتزم.
ومثل ابنة أخ دونالد ترامب يخشى كثير من
الأمريكيين من أن "أخطر رجل في العالم" ـ كما وصفته الطبيبة النفسية ـ
لم يحول البيت الأبيض فقط، بل الولايات المتحدة الأمريكية لـ"سيرك كبير"
في الذكرى الـ250 لتأسيسها، وأن وصول ترامب نفسه لرئاسة الولايات المتحدة
الأمريكية، يعد من أشد "أعراض المرض" التي تعيشه أكبر قوة في العالم.
وقد ظل موضوع "أفول، بل وحتى سقوط
الأمبراطورية الأمريكية" المتوقع، محل نقاش منذ عقود، لكن لم يكن متوقعا أن
يحدث "تهاويها" بهذا الشكل الاستعراضي الذي يقوده ترامب وسط تشبيهات
بسقوط "الأمبراطوية الرومانية" على يد نيرون آخر أباطرتها، الذي اشتهر
بتصرفاته الجنونية وحرقه مدينة روما القديمة!
*كاتب جزائري مقيم في لندن
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.