لضرورات
العمل والبحث أتابع نشاطات التيارات اليمينية
العنصرية والإسلاموفوبية المتطرفة في
أمريكا وأوروبا، لكني أعترف أن اليمين الإسلاموفوبي الفرنسي المتطرف لا يتوقف عن
مفاجأتي بحلقات مسلسله الذي فيه ما فيه من "كوميديا سوداء"! آخر هذه الحلقات عودة حرب
هذا اليمين المتطرف التي لا تتوقف على منتجات
الحلال وخاصة اللحم، إلى الواجهة.
جاء ذلك
بعد إعلان سلسلة مطاعم "KFC"
أنها ستبدأ، اعتبارا من 21 يناير 2026، تقديم وجبات حلال في 24 مطعما من أصل نحو
400 فرع في
فرنسا، بهدف تلبية الطلب المتنامي على منتجاتها الحلال والتي لا تشمل
بالضرورة الزبائن
المسلمين لوحدهم، إنما من غير المسلمين الذين يؤمنون أن اللحم
الحلال لذيذ وصحي.
وتأتي هذه
الخطوة من "KFC "
بعد أن سبقتها سلاسل أخرى، مثل "Quick " التي اعتمدت الحلال عام 2021، ثم"Popeyes"، إضافة إلى "Five Guys " التي أضافت وجبات
الحلال إلى قوائمها في عدد من مطاعمها خلال الأشهر الماضية.
وقد أثار
قرار الشركة الأمريكية هجوما هستيريا من اليمين الفرنسي الذي يعتبر "اللحم
الحلال" مؤامرة وتهديدا إسلاميا "وجوديا" لفرنسا وقيمها وثقافتها
و"لائكيتها" (علمانيتها). والمفارقة أن هذه التهجمات تستهدف بشكل خاص
اللحم الحلال، وليس لحم "كوشير" اليهودي وهما يعتمدان نفس الطريقة، بل
أن ملاك أكبر شركات اللحم الحلال في فرنسا هم رجال أعمال يهود!
أثار قرار الشركة الأمريكية هجوما هستيريا من اليمين الفرنسي الذي يعتبر "اللحم الحلال" مؤامرة وتهديدا إسلاميا "وجوديا" لفرنسا وقيمها وثقافتها و"لائكيتها" (علمانيتها). والمفارقة أن هذه التهجمات تستهدف بشكل خاص اللحم الحلال، وليس لحم "كوشير" اليهودي وهما يعتمدان نفس الطريقة، بل أن ملاك أكبر شركات اللحم الحلال في فرنسا هم رجال أعمال يهود!
هذه
التهجمات على منتجات الحلال ليست جديدة، ولعلنا نذكر كنموذج صارخ وزير العدل
الفرنسي الحالي جيرالد موسى دارامانان، والذي يحمل اسم جده موسى واكيد، الجزائري
الأصل، الذي كان تم تجنيده في الجيش الفرنسي وخاض معه الحرب العالمية الثانية. وكان
دارامانان صرح، عندما كان وزيرا للداخلية في 2022 "أن وجود المنتجات الحلال
في المتاجر يصدمه"، واعتبرها عنوانا لـ"الانفصالية الإسلامية"!
وذهب موسى
دارمانان، حينها وفي دفاعه على رئيسه إيمانويل ماكرون، خلال حملة الانتخابات
الرئاسية آنذاك في التهجم على الإسلام، للمزايدة على مرشحة اليمين المتطرف مارين
لوبان نفسها، والتي هاجمت اللحم الحلال، وادعت أنه فرض سيطرته في فرنسا، وتوعدت
بمنع الذبح الحلال في حال فوزها بالرئاسة. وكانت أعلنت قبلها بسنوات منع تقديم
اللحم الحلال في مدارس البلديات التي يسيطر عليها حزبها، وفرض لحم الخنزير في
الطعام المقدم!
وقد اتُهمت
مارين لوبان مرارا بالنفاق في هذه القضية، خاصة بعد الكشف أن واحدا من أكبر
المقربين إليها والداعمين الماليين لحزبها، هو رجل الأعمال الفرنسي بول لامواتييه،
الذي يعتبر من أكبر ملاك شركات اللحم الحلال في فرنسا!
ويأخذ
التهجم على اللحم الحلال في الأذرع الإعلامية الإسلاموفوبية الفرنسية، وفي مقدمها
قناة "سي نيوز"، بعدا مثيرا للسخرية. وقد خصصت القناة حيزا كبيرا للحديث
عن الموضوع كما كان متوقعا، واستضافت طباخا مشهورا ادعى في كذبة مفضوحة أنه أعد
طبقا باللحم مؤخرا، وأنه لما تذوقه وجد طعم اللحم غير لذيذ، فأبلغه صديقه المسلم
أن ذلك يعود لأنه لحم حلال!
المفارقة
أن هذه القناة اليمينية العنصرية المتطرفة تعيش على وقع فضيحة مدوية بقرارها
الإبقاء على جان مارك مورانديني في منصبه كمذيع برنامج رئيس في القناة، رغم صدور
حكم نهائي ضده قبل أيام بالسجن لمدة عامين مع وقف التنفيذ، بتهمة التحرش
والاستغلال الجنسي لقاصرين.
وقد أبقت
القناة على تمسكها بالمذيع الذي عرف ببرامجها التي تعج بالخطاب العنصري
والإسلاموفوبي بدعم من مالكها وصاحب القرار الفعلي فيها، إمبراطور الإعلام الفرنسي
الملياردير فانسون بولوري (تبلغ ثروته 9 مليارات دولار) الذي يقدم نفسه كمتدين
مسيحي!
وقد برزت
"سي نيوز" في السنوات الأخيرة بمحتواها التحريض العنصري والمعادي
للمهاجرين وخاصة المسلمين، بإسلاموفوبية مفضوحة، كما كانت منذ تشرين الأول/ أكتوبر
2023 كواحدة من الأذرع الإعلامية الفرنسية، التي تمارس أسوأ أنواع الدعاية
الصهيونية لتبرير حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة.
لم يكن
ذلك مفاجئا من القناة التي تبث لسنوات سمومها العنصرية والإسلاموفوبية. والمفارقة
أن القناة التي ظلت تزعم الدفاع عن "اللائكية" (العلمانية الفرنسية) من
التهديد الإسلامي، تبث على المباشر الصلوات المسيحية الكاثوليكية، وبرامج دينية
مسيحية على هوى مالكها الكاثوليكي المتدين كما يزعم!
ورغم أن
بولوري، البالغ من العمر 72 عاما، أعلن قبل ثلاث سنوات تقاعده وتسليم إدارة أعماله
لأولاده (3 أبناء وبنت)، لكنه ظل يفرض سلطته وتوجهاته الأيديولوجية على وسائل
الإعلام الكثيرة المكتوبة (مثل صحيفة جورنال دو ديمانش الأسبوعية) والمسموعة (مثل
إذاعة أوروبا 1) والمرئية التي يسيطر عليها.
وإلى جانب
إمبراطوريته الإعلامية، يسيطر على جزء كبير من دور النشر، بينها دار
"فايار" التابعة للمجموعة الكبيرة "هاشيت". وكانت
"فايار" أوقفت نشر كتاب "التطهير العرقي لفلسطين" للمؤرخ
الإسرائيلي المعادي للصهيونية إيلان بابيه، بعد أن نفدت طبعاته، في موقف واضح داعم
للكيان الصهيوني من بولوري.
وينحدر
فانسون (المولود عام 1952) من عائلة بولوري البورجوازية من منطقة
"بروتوني". وهو ابن رجل الصناعة ميشيل بولوريه ومونيك فولوت، ابنة
الطيار والصناعي هنري فولوت ونيكول غولدشميت، سليلة عائلة غولدشميت اليهودية.
وكوَّن
بولوري ثروته الكبيرة أساسا بالاستثمار في عدد من الدول الأفريقية، التي استفاد
كثيرا فيها بعلاقاته مع حكامها الفاسدين. وقد اتُهم بالتربح على حساب استغلال
العمال الأفارقة، وبينهم أطفال.
وبعد
تزايد ثروته وتوسع أعماله اقتحم بولوري قطاع الإعلام واستطاع في فترة قصيرة
السيطرة على حصة معتبرة منه، وهو يفرض بصماته الأيديولوجية الآن بوضوح على المشهد
الإعلامي الفرنسي.
والمفارقة
أن بولوري الذي يدعي الدفاع عن القيم المسيحية، كان قد انفصل عن زوجته وأم أبنائه
صوفي فوسوريه في تشرين الثاني/ نوفمبر 2004. وقد أقام علاقة مع فلورنس فوسوريه،
إحدى أخوات صوفي. ثم عاش بولوري في عيش مشترك (بدون زواج رسمي أو ديني) مع الممثلة
والروائية أناييس جانيريت قبل الانفصال عنها.
وبالحديث
عن الرواية وبنفس المنظار التراجيكيوميدي الذي أتابع به فصول قضية المذيع المتحرش
بالقاصرين مورانديني، يبدو لي الملياردير بولوري أقرب إلى شخصية
"العراب"، عراب اليمين العنصري المتطرف والمتحرش، في فصول رواية سريالية
يمكن أن يكون عنوانها "العراب بولوري"!.