تعود هذه الأيام ذكرى ما سمي بـ"
الربيع
الأمازيغي" في جزائر يسميها الخطاب الرسمي "جديدة ومنتصرة"، ولكن
في الواقع يديرها النظام الحاكم نفسه في حلقة مفرغة.
في 20 أبريل 1980 تفجرت أحداث ما ستعرف
لاحقا بـ"الربيع البربري (الأمازيغي)" في منطقة القبائل بعد قرار تعسفي
بمنع محاضرة للكاتب مولود معمري عن الشعر الأمازيغي في جامعة تيزي وزو.. ثم عادت
الأحداث وبصورة أكثر مأساوية في المنطقة، بما سمي بـ"الربيع الأسود" في
2001 وبحصيلة كارثية بمائة وسبعة وعشرين قتيلًا، عدد منهم بإعاقات مدى الحياة.
عادت هذه الذكرى في "جزائر جديدة"
لا يبدو أنها تعلمت دروس وعبَر الماضي، فقد أعاد التاريخ نفسه من منع محاضرة إلى
منع كتاب، حيث منعت الشرطة جلسة بيع بالتوقيع لكتاب للباحثة في علم الاجتماع فاطمة
أوصديق بعنوان "الهويات المتمردة"، بمكتبة "الفنون الجميلة"
في العاصمة، وقد قامت الشرطة بحجز نسخ من الكتاب وإغلاق المكتبة، وتردد أنها طالبت
بإعادة كل الكتب التي تم شراؤها.
في 20 أبريل 1980 تفجرت أحداث ما ستعرف لاحقا بـ"الربيع البربري (الأمازيغي)" في منطقة القبائل بعد قرار تعسفي بمنع محاضرة للكاتب مولود معمري عن الشعر الأمازيغي في جامعة تيزي وزو.. ثم عادت الأحداث وبصورة أكثر مأساوية في المنطقة، بما سمي بـ"الربيع الأسود" في 2001 وبحصيلة كارثية بمائة وسبعة وعشرين قتيلًا، عدد منهم بإعاقات مدى الحياة.
أثار الكتاب جدلا وكالعادة عادت طواحين
المعارك الثقافية والهوياتية لتدور بالمناسبة، وترتفع جعجعها، بالتزامن، أكثر
بانتشار كالنار في الهشيم لمقال على مواقع التواصل الاجتماعي للكاتب والروائي أمين
الزاوي لا يقل تطرفا في المزايدة على الدفاع عن أمازيغية
الجزائر، وإقصاء البعد
العربي فيها من "أقرانه" في التيار الإقصائي العروبي البعثي ـ الإسلاموي
الطاعن في الأمازيغية، والذي مثله المؤرخ محمد لمين بلغيث، الذي سجن ـ قبل الإفراج
عنه بعفو رئاسي بعد رسالة اعتذار منه للرئيس تبون ـ بسب وصفه الأمازيغية بأنها
"صنيعة صهيونية ـ فرنسية". اتضح أن مقال الزاوي نشر قبل عشر سنوات
بالفرنسية، ليتم تدويره الآن مترجما للعربية كنفايات سامة كانت مردومة، قبل أن
يعاد نبشها وترتفع رائحتها النتنة لتزيد الجو تسميما.
المفارقة أن كثيرا من المحسوبين على التيار
العروبي الذين هاجموا الزاوي دفاعا عن البعد العربي للجزائر لا يتوقفون، مع حرب
إيران، عن مهاجمة عرب الخليج والتشفي في اعتداءات إيران المدانة عليهم، ويتمنى
بعضهم لو تحتلهم حتى إيران، مع مفارقة أن بعض هؤلاء من الصحافيين والكتاب
والأكاديميين كان تمنى بعضهم الظفر بفرصة عمل في دول الخليج العربية نفسها، وتسابق
بعضهم على التنافس على جوائزها الثقافية والأدبية!
المفارقة هنا، حتى لا نقول
"المُنافقة" كذلك أن الروائي أمين الزاوي، الذي هاجم "الغزاة
(العرب) الذين كانوا يحملون كتاباً ولغةً وديناً وسيوفاً"، كما جاء في مقاله،
هو نفسه يتسابق للمنافسة على جائزة "الرواية العربية" الممولة من قبل
إمارة أبوظبي بعدما كان قبل سنوات فقط يصرح "أن المال الخليجي يشكل خطرا ويتربص بالرواية العربية، وأن هذا المال حاصر النخب التنويرية في مصر وهو
اليوم يحاصر النخب المثقفة في البلدان المغاربية"!
فلاش باك.. شهادة طفل عرف قبل أن يكبر!
في 20 أبريل 1980 كنت في العاشرة من العمر..
سنسمع لماما لاحقا في أحاديث عائلية أو في الشارع بأحداث في منطقة القبائل ستعرف
بعدها بـ"الربيع البربري" في منطقة كانت تبدو لي بعيدة في تيزي وزو
بمنطقة "قبائل النيغاس"، كما نسميها.. و في نفس الوقت قريبة في
التلفزيون بفريق جمعية "إليكترونيك تيزي وزو" كما كانت تمسى "شبيبة
القبائل" JSK حينها،
التي كان يعجبني لعبها وتمثل الجزائر
بالنسبة لي بلاعبيها المميزين كالجناح الطائر بلحسن.
ورقة التفرقة المحروقة نفسها واصلت السلطات عليها كما اتضح وانفضح في ضرب الحراك الشعبي في 2019.. والسياسة التي انتهجها الأجهزة الأمنية في منطقة القبائل انتجت في النهاية مسخا اسمه حركة "الماك" الانفصالية".. الحركة نفسها التي تقاطعت مع القوة الصلبة في معاداة الحراك الوطني الشعبي الوحدوي الجامع لكل الجزائريين.
كنا صغارا في مسقط رأسي بضواحي قسنطينة
وسكانها في الغالب من "قبائل الحضرة" وهم أمازيغ أيضا يقع مجالهم شرق
منطقة القبائل، تعربوا لظروف تاريخية، والمفارقة يسمون مثلا زيت الزيتون بزيت عرب!
واللافت أنه رغم أنهم أمازيغ وحتى دارجتهم المعربة بلكنات واضحة إلا أن اتجاه
الانتساب للعروبة، وأسطورة الأصول الفينيقية ومعاداة الأمازيغية بارزة لدى كثيرين
منهم.
"قبائل
الحضرة" أو قبائل "كتامة" يجب الإشارة أنهم كانوا عمليا هم عماد
الدولة الفاطمية وساهموا حتى في تأسيس القاهرة، وكان لهم دور في المشرق وبينها في
فلسطين.
بالعودة للرييع الأمازيغي في 1980 كنا نسمع
إشاعات في الشارع، وأعتقد أن الأمر ينطبق على مناطق أخرى من الجزائر من قبيل أن
"قبائل النيغاس، لا يصومون رمضان وأحرقوا العلم والمصحف ويتآمرون على الجزائر!.. كنا نسمع بعدها عن
"الجهوية" المزعومة للمدرب محي الدين خالف مدرب المنتخب الوطني في كأس
العالم 1982، الذي اختار ابن منطقة القبائل علي فرقاني قائدا للمنتخب لأنه قبائلي
وأختار لاعبين (ليسوا في المستوى للمنتخب فقط لأنهم قبائل مثل الحارس عمارة أو
المدافع لحسن لارباس ( رحمه الله) الذي كاد قلبي الصغير ان يتوقف عندما وقف من
كرسي الاحتياط للتحمية في مباراة منتخبنا ضد ألمانيا في كأس العالم 1982! سيقول لي
صديق من منطقة القبائل لاحقا أن في منطقة القبائل كان يقال لهم أن "اللاعب
محيوز كان يُفرض على الفريق الوطني لأنه عربي"، حتى يكتشف لاحقا أن محيوز في
الحقيقة "قبائلي"!
بفطرتي كانت تبدو لي هذه الأشياء التي تُقال
غير مستصاغة في عقلي الصغير.. كنت أحب لعب جمعية "اليكترونيك تيزي وزو" JET ، وكانت تمثل
بالنسبة لي الجزائر، و يعجبني لعبها.
لحسن الحظ ربما أن شقيقي الأكبر رحمه الله،
الذي سيصبح طالبا جامعيا، وكان حينها مثقفا يساريا محبا للآداب..سيحب ويتزوج
قبائلية بعدها، سيقدم لي صورة مغايرة حينها.. كان يقول لي: ستكبر وستعرف.. لكني
يبدو أنني عرفت قبل أن أكبر!
عرفت بحدسي الصغير حينها أن هذا النظام
مستعد للتلاعب، بزرع قنابل خطيرة، مثل قنبلة الهوية للتفريق بين الجزائريين، ليسود.
ورقة التفرقة المحروقة نفسها واصلت السلطات عليها كما اتضح وانفضح في ضرب الحراك
الشعبي في 2019.. والسياسة التي انتهجها الأجهزة الأمنية في منطقة القبائل انتجت في النهاية مسخا اسمه حركة "الماك"
الانفصالية".. الحركة نفسها التي تقاطعت مع القوة الصلبة في معاداة الحراك الوطني
الشعبي الوحدوي الجامع لكل الجزائريين.
ألم يحن الوقت لهذه الطواحين التفريقية أن
تتوقف، ولهذا الكابوس "الدونكيشوتي" أن يتعلم الدروس والعبر وأن يسمح
لربيع الجزائر أن يزهر.. جزائر متصالحة مع نفسها، غنية بتنوعها، وتسع الجميع.
*كاتب جزائري مقيم في لندن
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.