حين يفشل الاحتلال في كسر الشعوب فيلجأ إلى اختراقها

عادل الحامدي
إن الرهان على المتعاونين قد يمنح الاحتلال معلومات أو مكاسب تكتيكية محدودة، لكنه لا يصنع انتصارًا حقيقيًا.. الأناضول
إن الرهان على المتعاونين قد يمنح الاحتلال معلومات أو مكاسب تكتيكية محدودة، لكنه لا يصنع انتصارًا حقيقيًا.. الأناضول
شارك الخبر
لم تكن الحروب تُخاض في التاريخ الإنساني دائمًا بالسلاح وحده. فإلى جانب الجيوش والأسلحة والحصار، وُجدت دائمًا أدوات أخرى أكثر خفاءً وأشد خطورة، تقوم على تفكيك المجتمعات من الداخل، وإضعاف الروابط الوطنية، وبث الشك والخوف بين أبناء الشعب الواحد. ومن بين هذه الأدوات، برزت ظاهرة المتعاونين مع الاحتلال باعتبارها إحدى أكثر الوسائل التي اعتمدتها قوى الاحتلال والاستعمار عبر التاريخ لمحاولة السيطرة على الشعوب التي استعصت على الإخضاع المباشر.

فالاحتلال، حين يعجز عن تحقيق أهدافه بالقوة العسكرية، يبحث عن ثغرات داخلية ينفذ منها إلى المجتمعات المقاومة. إنه يدرك أن تماسك الشعوب هو العقبة الأكبر أمام مشروعات الهيمنة، ولذلك يسعى إلى ضرب الثقة بين الناس، وتحويل بعض الأفراد إلى أدوات تخدم أهدافه الأمنية والسياسية. ومن هنا، لم تكن ظاهرة المتعاونين مع الاحتلال مجرد حالة فردية معزولة، بل جزءًا من استراتيجية طويلة اعتمدتها قوى الاحتلال في أكثر من تجربة تاريخية.

الاحتلال، حين يعجز عن تحقيق أهدافه بالقوة العسكرية، يبحث عن ثغرات داخلية ينفذ منها إلى المجتمعات المقاومة. إنه يدرك أن تماسك الشعوب هو العقبة الأكبر أمام مشروعات الهيمنة، ولذلك يسعى إلى ضرب الثقة بين الناس، وتحويل بعض الأفراد إلى أدوات تخدم أهدافه الأمنية والسياسية. ومن هنا، لم تكن ظاهرة المتعاونين مع الاحتلال مجرد حالة فردية معزولة، بل جزءًا من استراتيجية طويلة اعتمدتها قوى الاحتلال في أكثر من تجربة تاريخية.
الاستعمار القديم استخدم هذه الوسيلة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، كما استخدمتها أنظمة الاحتلال في مناطق مختلفة من العالم. فالرهان على الانقسام الداخلي كان دائمًا محاولة لتقليل كلفة المواجهة المباشرة، وتحويل المجتمع إلى ساحة صراع داخلي بدلًا من أن يبقى موحدًا في مواجهة المعتدي. غير أن التجارب التاريخية أثبتت أن هذه السياسة، رغم قدرتها على إحداث اضطراب مؤقت، لا تستطيع أن تنتصر على إرادة الشعوب حين تمتلك وعيًا جمعيًا بقضيتها.

في الحالة الفلسطينية، تبدو هذه الظاهرة أكثر تعقيدًا وأشد حساسية. فمنذ عقود، اعتمد الاحتلال الإسرائيلي على شبكات التجنيد والاختراق الأمني والاجتماعي، محاولًا استغلال الظروف الاقتصادية والضغوط الإنسانية والحاجة الفردية لتحويل بعض الأشخاص إلى أدوات مراقبة أو نقل معلومات أو خلق اضطرابات داخلية. ولم يكن الهدف أمنيًا فقط، بل سياسيًا ونفسيًا أيضًا، إذ يسعى الاحتلال إلى زرع الشك داخل المجتمع الفلسطيني، وإضعاف الثقة المتبادلة، وتحويل حالة المقاومة إلى بيئة قلقة ومتوترة.

لكن ما يلفت الانتباه أن هذه السياسة، رغم استمرارها، لم تحقق الهدف الأساسي الذي راهن عليه الاحتلال. فالمجتمع الفلسطيني، الذي عاش عقودًا طويلة تحت الحصار والاحتلال والملاحقة، طوّر قدرًا كبيرًا من الوعي تجاه أساليب الاختراق. وأصبحت ظاهرة العملاء، بدلًا من أن تكون وسيلة ناجحة لتفكيك المجتمع، عبئًا أخلاقيًا واجتماعيًا على من ينخرط فيها، لأنها تصطدم بحقيقة الانتماء الوطني والذاكرة الجماعية.

لقد شن الاحتلال، خلال السنوات الأخيرة، حربًا قاسية امتدت لأكثر من عامين، اعتمد فيها على التدمير الواسع والحصار والتجويع والاستهداف المنهجي للبنية الإنسانية والاجتماعية. ولم تكن هذه الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل محاولة شاملة لإرهاق الشعب الفلسطيني نفسيًا ومعنويًا، ودفعه نحو الانكسار أو القبول بالأمر الواقع. وفي قلب هذه الاستراتيجية، استمر الرهان على الاختراق الاجتماعي وتجنيد العملاء باعتباره وسيلة لإضعاف الجبهة الداخلية.

غير أن النتائج على الأرض بدت مختلفة عما أراده الاحتلال. فبرغم حجم المأساة، لم ينهزم الشعب الفلسطيني، ولم تتفكك هويته الجمعية، ولم تتحول معاناته إلى استسلام. بل إن سنوات الحرب والحصار كشفت عن قدرة المجتمع الفلسطيني على إعادة إنتاج التضامن الداخلي، وعلى التمسك بفكرة البقاء رغم الكلفة الباهظة.

إن ظاهرة العملاء، مهما كانت خطورتها، تبقى في النهاية تعبيرًا عن أزمة الاحتلال أكثر مما هي دليل على قوته. فالسلطة التي تحتاج إلى اختراق المجتمعات بدلًا من كسب شرعيتها، تدرك في أعماقها أنها تواجه شعبًا لا يمكن إخضاعه بسهولة. ولهذا يصبح العميل، في كثير من الأحيان، دليلًا على فشل القوة العسكرية في تحقيق أهدافها، وليس علامة على نجاحها.

التاريخ يعلمنا أن الاحتلالات التي راهنت على الانقسام الداخلي لم تنجح في ضمان بقائها إلى الأبد. فقد استخدمت الإمبراطوريات أدوات التجنيد والاختراق، لكنها في النهاية اصطدمت بحقيقة بسيطة: أن الشعوب قد تتعب لكنها لا تنسى، وقد تتألم لكنها لا تتخلى عن حقها في الحرية.

في حالة الاحتلال الإسرائيلي، فإن الصورة تتجاوز حدود الصراع التقليدي، إذ بات قادته يواجهون اتهامات تتعلق بالإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية، وهي تهم لا تمحوها السنوات ولا تسقط بالتقادم. ولهذا، فإن قوة السلاح قد تؤخر لحظة الحقيقة، لكنها لا تستطيع إلغاءها، لأن الشعوب التي تدافع عن وجودها لا تقيس الزمن بمعيار المعركة الواحدة، بل بمعيار العدالة التي تؤمن أن التاريخ سينصفها في النهاية.
وفي فلسطين، لا يبدو أن هذه القاعدة خرجت عن سياقها التاريخي. فالمجتمع الذي صمد أمام الحروب والتهجير والحصار، قادر أيضًا على مواجهة محاولات الاختراق الداخلي. لأن الهوية الوطنية، حين تكون متجذرة في الوعي والذاكرة، تصبح أقوى من كل محاولات التفكيك.

إن الرهان على المتعاونين قد يمنح الاحتلال معلومات أو مكاسب تكتيكية محدودة، لكنه لا يصنع انتصارًا حقيقيًا. فالانتصار لا يتحقق عبر الخوف أو التجسس أو تمزيق المجتمعات، بل عبر العدالة والاعتراف بالحقوق. وما دام الشعب الفلسطيني متمسكًا بأرضه وذاكرته وقضيته، فإن كل أدوات الاختراق ستظل عاجزة عن هزيمة إرادة البقاء.

وربما يعتقد البعض أن حجم الدمار الذي خلّفته حروب الاحتلال في فلسطين ولبنان، وربما في إيران أيضًا، كفيل بأن يدفع المراهنين على خيار المقاومة إلى مراجعة قناعاتهم أو القبول بما يُسمى الواقعية السياسية بوصفها الطريق الوحيد الممكن.

غير أن هذا التصور يتجاهل درسًا ثابتًا في تاريخ حركات التحرر الوطني؛ فالمحتل غالبًا ما يكون متفوقًا في السلاح والقدرة العسكرية، لكنه يبقى أضعف سياسيًا وأخلاقيًا، لأن شرعيته تقوم على القوة لا على الحق. والتاريخ يحتفظ بأمثلة كثيرة لقوى بدت في لحظة ما عصية على الهزيمة، لكنها انهارت حين فقدت مبرر وجودها الأخلاقي والإنساني.

وفي حالة الاحتلال الإسرائيلي، فإن الصورة تتجاوز حدود الصراع التقليدي، إذ بات قادته يواجهون اتهامات تتعلق بالإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية، وهي تهم لا تمحوها السنوات ولا تسقط بالتقادم. ولهذا، فإن قوة السلاح قد تؤخر لحظة الحقيقة، لكنها لا تستطيع إلغاءها، لأن الشعوب التي تدافع عن وجودها لا تقيس الزمن بمعيار المعركة الواحدة، بل بمعيار العدالة التي تؤمن أن التاريخ سينصفها في النهاية.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل