حروب ترسم المستقبل وحقوق تُمحى من الخريطة

عادل الحامدي
إن التاريخ يعلمنا أن الأمم التي تفشل في قراءة لحظات التحول الكبرى، تدفع ثمن ذلك لعقود طويلة.
إن التاريخ يعلمنا أن الأمم التي تفشل في قراءة لحظات التحول الكبرى، تدفع ثمن ذلك لعقود طويلة.
شارك الخبر
في لحظةٍ لم تجف فيها بعد دماء غزة، ولم تتوقف فيها صور الأطفال تحت الأنقاض عن ملاحقة الضمير الإنساني، يتكشف مشهد عالمي أكثر قسوة وتعقيدًا. هناك، في الشرق الأوروبي، تتقدم روسيا داخل أوكرانيا، في حربٍ أعادت إلى الواجهة أشباح الصراعات الكبرى، بينما هنا، في قلب الشرق الأوسط، تُفتح جبهة جديدة أكثر خطورة مع تصاعد المواجهة الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران. وكأن العالم، الذي لم يتعافَ أصلًا من إرث الحرب العالمية الثانية، يُعاد تشكيله اليوم على وقع الدماء، لا عبر التوافقات أو القانون الدولي، بل عبر منطق القوة الصلبة وفرض الوقائع.

إن هذه الحرب، التي اختارها دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو في توقيت بالغ الحساسية، لا يمكن قراءتها بمعزل عن مشروع أوسع لإعادة هندسة النظام الدولي. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تأسس نظام عالمي قائم ـ نظريًا ـ على قواعد القانون الدولي، وسيادة الدول، وحقوق الإنسان. غير أن ما نشهده اليوم هو عملية نحت تدريجية لمعالم نظام جديد، تُكسر فيه تلك القواعد حين تتعارض مع مصالح القوى الكبرى، ويُعاد تفسير القانون الدولي بما يخدم موازين القوة لا مبادئ العدالة.

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تأسس نظام عالمي قائم ـ نظريًا ـ على قواعد القانون الدولي، وسيادة الدول، وحقوق الإنسان. غير أن ما نشهده اليوم هو عملية نحت تدريجية لمعالم نظام جديد، تُكسر فيه تلك القواعد حين تتعارض مع مصالح القوى الكبرى، ويُعاد تفسير القانون الدولي بما يخدم موازين القوة لا مبادئ العدالة.
تاريخيًا، لم تكن الحروب الكبرى مجرد صراعات عسكرية، بل كانت دائمًا لحظات إعادة تعريف للعالم. الحربان العالميتان الأولى والثانية أنتجتا خرائط جديدة، ومؤسسات دولية، وتحالفات أعادت ترتيب مراكز النفوذ. واليوم، يبدو أن الحرب على إيران، بما تحمله من احتمالات توسع إقليمي وانعكاسات اقتصادية عالمية، تسير في الاتجاه ذاته. فهي ليست مجرد مواجهة مع دولة بعينها، بل حلقة في سلسلة صراعات تهدف إلى إعادة توزيع القوة عالميًا، في ظل صعود قوى كبرى أخرى وتراجع نسبي للهيمنة الأحادية.

أما من الناحية القانونية، فإن هذه الحرب تطرح أسئلة عميقة حول شرعية استخدام القوة. فمبدأ حظر اللجوء إلى القوة، المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة، لم يعد يُحترم إلا انتقائيًا. يتم تجاوز المؤسسات الدولية أو تهميشها، وتُبرر العمليات العسكرية بمفاهيم فضفاضة مثل "الدفاع الاستباقي" أو "حماية الأمن القومي"، دون رقابة حقيقية أو مساءلة قانونية فعالة. وهنا تكمن الخطورة: حين يتحول القانون الدولي من مرجعية ملزمة إلى أداة انتقائية، يفقد النظام العالمي أحد أهم أعمدته.

إن التداعيات الاقتصادية لهذه الحرب لا تقل خطورة عن أبعادها العسكرية والسياسية. فالتوتر في منطقة الخليج، شريان الطاقة العالمي، يهدد بارتفاع أسعار النفط والغاز، ويؤثر على سلاسل الإمداد العالمية، ويزيد من معدلات التضخم في دول تعاني أصلًا من أزمات اقتصادية خانقة. هذه الضريبة الاقتصادية لا يدفعها فقط أطراف النزاع، بل تمتد آثارها إلى شعوب بعيدة جغرافيًا، لكنها مرتبطة عضوياً بالنظام الاقتصادي العالمي.

ومع ذلك، فإن أكثر ما يثير القلق ليس فقط ما تفعله القوى الكبرى، بل كيف يتفاعل العالم العربي مع هذه التحولات. فبدل أن تكون هذه اللحظة فرصة لإعادة بناء موقف عربي موحد، أو على الأقل رؤية استراتيجية مشتركة، نرى عودة مقلقة لاستحضار الانقسامات الطائفية. هذا الانقسام، الذي أثبت التاريخ الحديث أنه من أكثر الأدوات تدميرًا للنسيج العربي والإسلامي، يُعاد إنتاجه اليوم بخطاب إعلامي وسياسي يغذي الكراهية ويعمق الشروخ.

إن أكثر ما يثير القلق ليس فقط ما تفعله القوى الكبرى، بل كيف يتفاعل العالم العربي مع هذه التحولات. فبدل أن تكون هذه اللحظة فرصة لإعادة بناء موقف عربي موحد، أو على الأقل رؤية استراتيجية مشتركة، نرى عودة مقلقة لاستحضار الانقسامات الطائفية.
لقد كلف هذا الانقسام العرب والمسلمين أثمانًا باهظة خلال العقود الماضية: حروب أهلية، دول منهكة، مجتمعات ممزقة، وتدخلات خارجية وجدت في هذا الشرخ مدخلًا لتعزيز نفوذها. ومع ذلك، يبدو أن بعض النخب ما زالت أسيرة هذا المنطق، غير قادرة أو غير راغبة في تجاوز خطاب الهوية الضيقة نحو مشروع سياسي جامع.

إن المفارقة المؤلمة تكمن في أن القوى التي تخوض هذه الحروب وتعيد رسم خرائط النفوذ، تستمر في الحديث عن "الحضارة الغربية" ومركزية حقوق الإنسان فيها. غير أن الواقع الميداني، من غزة إلى إيران، يكشف تناقضًا صارخًا بين الخطاب والممارسة. فحقوق الإنسان، التي يُفترض أن تكون قيمة عالمية، تتحول في كثير من الأحيان إلى أداة سياسية تُستخدم حين تخدم المصالح، وتُغيب حين تتعارض معها.

في هذا السياق، يصبح السؤال ملحًا: كيف يمكن للعالم، وللعرب تحديدًا، أن يتعاملوا مع هذا التحول العميق؟

الإجابة لا تكمن فقط في رفض الحروب أو انتقاد السياسات الدولية، بل في بناء وعي سياسي وقانوني جديد، يدرك طبيعة التحولات الجارية، ويسعى إلى صياغة موقف مستقل، بعيدًا عن الاستقطابات الحادة والانقسامات الداخلية.

إن التاريخ يعلمنا أن الأمم التي تفشل في قراءة لحظات التحول الكبرى، تدفع ثمن ذلك لعقود طويلة. واليوم، يقف العالم العربي أمام لحظة كهذه: إما أن يظل أسير صراعاته الداخلية وخطاباته القديمة، أو أن يدرك أن ما يُرسم اليوم من خرائط، سيحدد مكانه في العالم لعقود قادمة.

وفي ختام هذا المشهد المثقل بالدمع والأسئلة، تبقى غزة، بأيتامها الذين كبروا قبل أوانهم، وأراملها اللواتي ينسجن الصبر من خيوط الفقد، وجرحاها الذين يحملون في أجسادهم ذاكرة الألم، شاهدةً على زمنٍ اختلّت فيه الموازين. لم تكونوا وحدكم في دفع الثمن، وإن بدا الصمت العالمي طويلًا وقاسيًا؛ فها هو العالم اليوم، بكل ثقله، يدفع تبعات ذلك الصمت، اضطرابًا وخوفًا وتصدعًا في القيم التي ادّعى يومًا حمايتها. إن ما جرى لكم لم يكن حدثًا عابرًا في هامش التاريخ، بل جرحًا مفتوحًا في ضمير الإنسانية، لن يندمل إلا بالعدل. ولن يستقر هذا العالم، ولن يستعيد توازنه الأخلاقي، ما لم ينل الفلسطينيون حقوقهم كاملة غير منقوصة، وما لم تُرد الكرامة إلى أهلها، وتُكتب نهاية هذا الألم بحبر العدالة لا بدم الضحايا.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)