قصة نبي الله سليمان وسنن التاريخ.. كيف
تموت الأنظمة قبل أن يدرك الناس موتها.. كنتُ أقرأ هذه الآية الكريمة منذ أيام،
فتوقفت عند صورتها طويلاً: "فلما قضينا
عليه الموت ما دلّهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن
لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين" (الآية 14 من سورة سبأ).
في هذه القصة القرآنية معنى يتجاوز حدود
الحكاية التاريخية إلى تأمل عميق في سنن التاريخ. فقد مات نبي الله سليمان عليه
السلام وهو متكئ على عصاه، بينما ظل الجن يعملون بين يديه يظنون أنه ما يزال حياً
يراقبهم. وتواصل ذلك الوضع سنة كاملة، حسب ما ورد في تفسير ابن كثير. ولم ينكشف
الأمر إلا حين جاءت دابة الأرض فأخذت تنخر العصا التي يتكئ عليها من داخلها حتى
أكلت جوفها. وما إن تآكلت حتى سقط الجسد، وعندها فقط أدركوا الحقيقة: أن الموت كان
قد وقع منذ زمن.
وكأن القصة تقدم صورة مكثفة لظاهرة تتكرر في
التاريخ: بناء يبدو قائماً، وقد بدأ في الداخل يتآكل منذ زمن طويل.
إذا كان القرآن يصور "دابة الأرض" وهي تنخر العصا بصمت، فإن لكل عصر دوابه الخاصة التي تعمل في الخفاء. قد تكون فساداً يتراكم داخل مؤسسات الحكم، أو أزمة اقتصادية تضعف الثقة، أو تآكلاً بطيئاً في الشرعية السياسية. وقد تكون تحولات في الفضاء الإعلامي والرقمي تكسر احتكار السلطة للمعلومة. كلها عمليات صغيرة في ظاهرها تعمل ببطء على إفراغ العصا من داخلها.
يبقى الشكل، وتبقى المؤسسات، وتستمر الأوامر
القديمة في الدوران داخل الجهاز الإداري. يعمل الموظفون ويطيع الأعوان، وكلما
رفعوا رؤوسهم رأوا رمز السلطة ما يزال قائماً، متكئاً على عصا الدولة الصلبة:
الأمن، والجيش، والإدارة، والقضاء. فيظنون أن النظام ما يزال حياً، بينما لم يبق
منه في الحقيقة إلا صورته.
يشبه هذا الوضع ما يسميه بعض الباحثين في
علم
السياسة بـ”الجمود المؤسسي”. فالمؤسسات الضخمة التي تبنيها الأنظمة الشمولية
تكتسب مع الوقت نوعاً من القصور الذاتي. تستمر في الحركة بفعل العادة والخوف
والبيروقراطية، حتى لو كان القلب السياسي للنظام قد توقف عن النبض. يطيع الناس
الكرسي أكثر مما يطيعون الجالس عليه، ويخافون من العصا أكثر مما يخافون من اليد
التي تمسكها.
يشير عالم الاجتماع بيير بورديو إلى ما
يسميه “السلطة الرمزية”، حيث تستمر المؤسسات في العمل ما دام الرمز قائماً في
المخيال الجماعي، حتى لو كان المضمون قد تآكل بالفعل. فالسلطة لا تقوم فقط على
القوة المادية، بل على الاعتقاد بوجودها أيضاً. بل إن ما يسميه بورديو “العنف
الرمزي” يجعل الناس يقبلون هذه السلطة ويعيدون إنتاجها من حيث لا يشعرون، عبر
الطقوس الرسمية والخطاب الإعلامي والمراسيم التي تكرر صورة القوة حتى بعد أن تكون
قد فقدت معناها.
وإذا كان القرآن يصور "دابة
الأرض" وهي تنخر العصا بصمت، فإن لكل عصر دوابه الخاصة التي تعمل في الخفاء.
قد تكون فساداً يتراكم داخل مؤسسات الحكم، أو أزمة اقتصادية تضعف الثقة، أو تآكلاً
بطيئاً في الشرعية السياسية. وقد تكون تحولات في الفضاء الإعلامي والرقمي تكسر
احتكار السلطة للمعلومة. كلها عمليات صغيرة في ظاهرها تعمل ببطء على إفراغ العصا
من داخلها.
وربما تكون أحياناً حدثا صغيرا يبدو بسيطا
في ظاهره، لكنه يُشعل فجأة ما كان يتراكم في العمق منذ زمن، ويكشف هشاشة البناء
كله. والتاريخ القريب يقدّم أكثر من مثال على تلك الأحداث التي يظهر فيها ما كان
خفياً طوال سنوات. ولعل المثال الأبرز هو كيف تحولت حادثة إهانة البائع المتجول
محمد البوعزيزي في سيدي بوزيد إلى شرارة كشفت هشاشة نظام كامل، وأسقطت أنظمة أخرى
في المنطقة.
لم تكن تلك اللحظة بداية التآكل بقدر ما
كانت لحظة ظهوره للعيان، حين تبين أن العصا التي كان يتكئ عليها قد أخذت تضعف منذ
سنوات.
غير أن التآكل لا يظهر للعيان دفعة واحدة.
فهو يتراكم بصمت حتى يصل إلى لحظة حاسمة يسميها علماء السياسة "نقطة التحول"،
حيث يتحول التراكم الكمي الصامت إلى تغير نوعي مفاجئ. عند تلك اللحظة فقط تبدو
العصا وكأنها انكسرت فجأة، بينما كانت في الحقيقة قد أُفرغت من داخلها منذ زمن.
حين تسقط العصا التي يتكئ عليها البناء، لا يسمع المراقبون إلا دوي السقوط المفاجئ. أما أولئك الذين كانوا يعملون في الظل، فيدركون متأخرين أن الدابة كانت تنخر الخشب منذ زمن، وأن الموت كان قد وقع قبل أن يُعلن عنه. عندها يتكشف الوجه الآخر للمشهد: سنوات طويلة قضاها الناس في طاعة سلطة لم تعد موجودة إلا في صورتها. وكأنهم، مثل الجن في القصة القرآنية، يكتشفون فجأة أنهم لبثوا زمناً في عذاب مهين من التبعية والخوف لشيء لم يكن حياً إلا في أوهامهم.
وهنا يحضر ما لاحظته الفيلسوفة السياسية حنة
أرندت في تحليلها للأنظمة الشمولية، إذ رأت أن مثل هذه الأنظمة قد تبدو مستقرة
تماماً لفترة طويلة لأن الخوف والعادة يحافظان على مظهر الطاعة. لكن هذا الاستقرار
الظاهري قد يستمر فقط.. إلى "الربع ساعة الأخيرة"، حين يكتشف الجميع
فجأة أن البناء الذي بدا صلباً كان قد تآكل من الداخل.
كثير من الأنظمة لا تسقط حين تموت، بل تموت
أولاً، ثم يكتشف الناس موتها يوم السقوط.
ومع ذلك فإن سقوط النظام لا يعني دائماً
سقوط الدولة. فالدولة بمؤسساتها ومجتمعها قد تبقى بعد انهيار النظام الذي حكمها.
الدابة في هذه الصورة لا تأكل الدولة نفسها، بل تنخر شرعية النظام الذي كان يتكئ
على مؤسساتها.
وليس المقصود من هذا التأمل عقد مقارنة بين
مقام نبي كريم وبين واقع الأنظمة السياسية. فمقام النبوة محفوظ ومقدس. وإنما
المقصود هو استلهام العبرة من السنن التي تكشفها القصة القرآنية: أن ظاهر القوة قد
يخفي ضعفاً عميقاً، وأن التآكل الداخلي قد يستمر طويلاً قبل أن يظهر للعيان.
وحين تسقط العصا التي يتكئ عليها البناء، لا
يسمع المراقبون إلا دوي السقوط المفاجئ. أما أولئك الذين كانوا يعملون في الظل،
فيدركون متأخرين أن الدابة كانت تنخر الخشب منذ زمن، وأن الموت كان قد وقع قبل أن
يُعلن عنه. عندها يتكشف الوجه الآخر للمشهد: سنوات طويلة قضاها الناس في طاعة سلطة
لم تعد موجودة إلا في صورتها. وكأنهم، مثل الجن في القصة القرآنية، يكتشفون فجأة
أنهم لبثوا زمناً في عذاب مهين من التبعية والخوف لشيء لم يكن حياً إلا في أوهامهم.
وهنا تكمن العبرة: ليس كل ما يبدو صامداً
حياً، وليس كل ما يقوم صلباً قوياً.
وتبقى الأسئلة التي يطرحها التاريخ مفتوحة:
تُرى، كم نظاماً حولنا الآن يحكمه الموتى، بانتظار دابة أرض لم تكتمل نخرتها بعد؟
وصدق الله العظيم: "لقد كان في قصصهم
عبرة لأولي الألباب".