"أفتعبدون ما تنحتون؟".. في نقد تقديس التنظيمات

عماد الدايمي
ترى، كم تنظيما حولنا اليوم صار الانتماء إليه أقرب إلى عبادة لما نحته أصحابه بأيديهم؟
ترى، كم تنظيما حولنا اليوم صار الانتماء إليه أقرب إلى عبادة لما نحته أصحابه بأيديهم؟
شارك الخبر
تأمل في آلية تحوّل التنظيمات من أدوات للعمل الجماعي إلى كيانات شبه مقدسة

توقفت طويلاً عند سؤال إبراهيم عليه السلام لقومه: "أفتعبدون ما تنحتون؟" (الآية 95 من سورة الصافات).

سؤال وجّهه النبي الكريم إلى قومه عبّاد الأصنام، ولكنه يُشير بحكمة إلى سلوك بشري متأصّل يتكرر في التاريخ: أن يصنع الناس شيئاً بأيديهم، ثم يتحول هذا الشيء مع الزمن إلى سلطة فوقهم لا يجرؤون على مساءلتها. وفي عالم التنظيمات السياسية والحزبية يحدث أحياناً شيء مشابه، حين يتحول التنظيم من وسيلة لخدمة الفكرة إلى غاية في حد ذاته.

لكن قصة إبراهيم عليه السلام لا تبدأ بهذا السؤال مباشرة. قبل ذلك نراه يتوجه إلى الأصنام التي نحتها قومه بسؤال بسيط ظاهرياً: "ألا تأكلون؟ ما لكم لا تنطقون؟" قبل أن ينهال عليها بفأسه. لم يبدأ بالتحطيم، بل بدأ بالسؤال. كان السؤال محاولة لكشف العجز الكامن في شيء اعتاد الناس تعظيمه حتى صار خارج دائرة المساءلة. وفي الحياة التنظيمية أيضاً تبدأ لحظة الوعي غالباً بسؤال مشابه: سؤال صغير يطرحه أحد الأعضاء حول قرار أو مسار أو فكرة، فيكشف فجأة هشاشة ما كان يبدو صلباً. لكن التنظيم الذي اعتاد الطاعة الصامتة قد يرى في السؤال البسيط تهديداً أكبر مما يراه في الخصومة الصريحة.

ثم يأتي السؤال الحاسم: "أفتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون".

ليست هذه الظاهرة مرتبطة بتنظيم بعينه أو ببيئة سياسية محددة. فقد عرف التاريخ الحديث نماذج كثيرة لتنظيمات تحولت فيها الهياكل إلى كيانات شبه مقدسة، واختلط فيها الولاء للفكرة بالولاء للتنظيم نفسه. عند تلك اللحظة يفقد الفرد قيمته كفاعل داخل الجماعة، ويصبح مجرد برغي في ماكينة تنظيمية تعمل وفق منطقها الخاص، بينما تضيق مساحة النقد والمراجعة يوما بعد يوم.
هنا يكشف سيدنا إبراهيم المفارقة الكبرى: أن يخضع الإنسان لشيء كان هو نفسه أحد صانعيه. وقد أشار الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره إلى هذه المفارقة حين بيّن أن الحجر أو الخشب قبل أن تمسّه يد الإنسان لم يكن معبودا لأحد، لكن ما إن يتدخل الإنسان فينحته ويشكّله حتى يتحول فجأة إلى موضوع للعبادة.

يحدث شيء شبيه بذلك في عالم التنظيمات. فالتنظيم يولد عملا بشريا خالصا: تُبنى هياكله، وتُكتب لوائحه، وتُرسم شعاراته بأيدي أعضائه. غير أن هذا الكيان الذي صنعه الناس قد يتحول مع الزمن إلى سلطة فوقهم، يطالبهم بالطاعة، ويضيق صدره بالنقد.

وقد لاحظ عالم الاجتماع الألماني روبرت ميشيلز هذه الظاهرة في دراسته الكلاسيكية عن الأحزاب السياسية، حين صاغ ما سماه "القانون الحديدي للأوليغارشية". فالتنظيمات، حتى تلك التي تنشأ بروح ديمقراطية، تميل مع الزمن إلى إنتاج نخب قيادية تسيطر على القرار وتعيد إنتاج سلطتها داخل الهياكل التنظيمية. ومع مرور الوقت قد يصبح الحفاظ على التنظيم وهياكله هدفاً قائماً بذاته، حتى لو ابتعد عن الفكرة التي نشأ من أجلها. وقد لخّص ميشيلز هذه الملاحظة بعبارته الشهيرة: "من يقول تنظيما يقول أوليغارشية".

واللافت في القصة أن قوم إبراهيم لم يحاولوا الرد على الحجة بالحجة. فحين عجزوا عن الإجابة انتقلوا إلى طريق آخر: "قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم". لم يعد النقاش ممكنا، فصار العقاب هو الجواب. وهذه لحظة تتكرر كثيرا في التاريخ الإنساني: حين يعجز نظام فكري أو تنظيمي عن الدفاع عن نفسه بالحجة، يبدأ في معاقبة الأسئلة بدل الإجابة عنها. ويذهب علم النفس الاجتماعي إلى إعتبار أن الطاعة للسلطة يمكن أن تدفع الأفراد إلى المشاركة في أفعال لا يوافقون عليها في قرارة أنفسهم، ما داموا يشعرون أنهم ينفذون إرادة سلطة أعلى. وعند تلك النقطة يتحول التنظيم من فضاء للعمل الجماعي إلى منظومة طاعة يصعب على الأفراد داخلها كسر منطقها.

ليست هذه الظاهرة مرتبطة بتنظيم بعينه أو ببيئة سياسية محددة. فقد عرف التاريخ الحديث نماذج كثيرة لتنظيمات تحولت فيها الهياكل إلى كيانات شبه مقدسة، واختلط فيها الولاء للفكرة بالولاء للتنظيم نفسه. عند تلك اللحظة يفقد الفرد قيمته كفاعل داخل الجماعة، ويصبح مجرد برغي في ماكينة تنظيمية تعمل وفق منطقها الخاص، بينما تضيق مساحة النقد والمراجعة يوما بعد يوم.

التنظيمات في النهاية من صنع البشر، وقد تتحول مع الزمن إلى كيانات تفرض سلطانها على أصحابها حين تضيق مساحة النقد والمراجعة داخلها. وعند تلك اللحظة يصبح سؤال إبراهيم عليه السلام في مكانه: "أفتعبدون ما تنحتون؟".
لكن الوجه الآخر للمشكلة يظهر أيضاً في تنظيمات تفتقر إلى رابط إيديولوجي أو أخلاقي واضح. فحين يغيب الإطار الفكري والقيمي المشترك تتحول العلاقة بين الأعضاء والتنظيم إلى علاقة مصلحة أو قناعات مؤقتة، ويصبح الانتماء هشاً، وتكثر الانشقاقات والنزاعات عند أول أزمة. وهكذا نجد أنفسنا بين نموذجين متناقضين: تنظيمات تقدس نفسها حتى تخنق النقد، وتنظيمات بلا روح مشتركة تتفكك بسهولة.

ولهذا تبقى العلاقة الصحية بين الفرد والتنظيم علاقة التزام ونقد في الوقت نفسه: التزام بالأهداف المشتركة التي تجمع الأعضاء، ونقد يحمي التنظيم من التحول إلى سلطة مغلقة على نفسها. فالتنظيم في أصله وسيلة لخدمة فكرة أو قضية، لا كيانا فوقها.

فالتنظيمات في النهاية من صنع البشر، وقد تتحول مع الزمن إلى كيانات تفرض سلطانها على أصحابها حين تضيق مساحة النقد والمراجعة داخلها. وعند تلك اللحظة يصبح سؤال إبراهيم عليه السلام في مكانه: "أفتعبدون ما تنحتون؟".

ترى، كم تنظيما حولنا اليوم صار الانتماء إليه أقرب إلى عبادة لما نحته أصحابه بأيديهم؟

وصدق الله العظيم: "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب".

*سياسي وكاتب تونسي
التعليقات (0)